القلعة .. – حسام خوام ال يحيى

قصة قصيرة

القلعة .. – حسام خوام ال يحيى

الأحداث والأماكن والشخوص حقيقة؛ لذا نوهت…

محافظة ديالى- قرى نهر الروز- العام 1985…

لا أعلم لماذا علقت تلك التفاصيل في ذاكرتي بهذا الشكل الراسخ رغم مرور كل تلك السنوات الطويلة؟

ما زلت أذكر يوم إنتقالنا من العاصمة بغداد للعيش في قريتنا، قرية آل يحيى. كنت حينها طفلاً صغيراً في مقتبل العمر. عبرت حينها، وأنا أرتجف، نهر الروز، ممسكاً بساعد والدي رحمه الله، تلك القنطرة الحديدية الرفيعة المتأرجحة التي تربط الضفتين. لطالما كنت أخشى العبور عليها خلال زياراتنا شبه السنوية لبيت جدي. وما إن إجتزت القنطرة حتى أفلت من يد أبي بسرعة وهرولت راكضاً نحو بيت جدي الشيخ حميد اليحيى الذي يجاور نهر الروز بمسافة قريبة. تستقبلنا جدتي، رحمها الله، قرب باب الدار بوجه يطفح حباً، ويفتح لنا جدي الشيخ حميد ذراعيه للعناق.

البيت المحاط بسور طيني عالٍ، والذي يعرف بين أهالي قرى نهر الروز بالقلعة؛ وذلك لعلو سوره، وللمساحة الكبيرة التي يشغلها ذلك البيت الضخم. أذكر كل شيءٍ تماماً وأحفظ كل التفاصيل: باب القلعة الحديدي العالي، ذو الفرضتين، المطلي باللون الأخضر، والذي يعلوه قوس مشيد من الطابوق الأصفر. ما إن تجتاز ذلك الباب الكبير حتى ترى شجرة التوت العملاقة ويظهر لك جوارها القصر الفريد المشيد من الطابوق والمسقوف بالطابوق المعقود والذي تزينه تلك الشبابيك ذات الزجاج الملون، والمؤطرة بأقواس الأجر على الطراز المعماري الإسلامي. قصر جدي الشيخ يحيى الحسن. تلك التحفة المعمارية التي شيدها الشيخ يحيى الحسن نهاية خمسينيات القرن الماضي ليتخذها سكناً له ولعياله بعد أن تسلم مقاليد الشيخة لقبيلة بني تميم عقب وفاة شقيقه المغفور له الشيج حميد الحسن. القصر بطرازه المعماري الفريد، وبارتفاعه العالي المهيب؛ يبدو وسط القرى الطينية المحيطة به مثل جوهرة نفيسة سقطت من السماء بين أحجار متناثرة. الأرضية مبلطة بالرخام الملون( الأحمر والأسود) والتي رصفها المعماري الذي شيد القصر على شكل مربعات متخالفة لتبدو كأنها رقعة شطرنج تماماً. القصر عبارة عن بيتين توئمين متجاورين كل بيت منهما يتضمن مدخل مستقل تليه صالة واسعة تطل عليها غرفتي نوم واسعتين ومطبخ وحمام ومخزن صغير. الجدران مكسوة، من الداخل،بالجص المغلف بالجبس الفني(البورك) المنقوش بالزخارف الإسلامية والمطلي باللونين الأخضر الباهت والمقطع باللون الأحمر الداكن. والشبابيك المقوسة والأبواب مصنوعة من الحديد الصلب ذات براويز مزخرفة هي الأخرى على الطراز الإسلامي. القصر تحفة إذا ما نظرنا لنمط العمران السائد في كل قرى نهر الروز وما يجاورها والذي لا يتعدى تشييد البيوت الصغيرة من الطين المسقوف بجذوع النخيل المغطى بالقش وسعف النخيل، والتي يغلب عليها البساطة والتواضع، ناهيك عن الفترة الزمنية التي شيد خلالها القصر، والتي تشهد على عظمة قصر الشيخ يحيى الحسن وإنها برهان دامغ على إنه لم يشيد في أرض الروز كلها قصر مثله أو يدانيه من قبل، كما إنه بقي حتى وقت متأخر عصي على أن يقلده أحد من أهل قرى نهر الروز وأن يشيد مثله.

وجوار القصر هنالك زرائب الأبقار وخلفه حضيرة الغنم. وخلفه، ليس ببعيد عنه، بستان النخيل. الذي تقطعه في القلب ساقية متفرعة عن نهر الروز. وكأنني أحوم الأن فوق تلك البقعة الجميلة مثل صقر وأرى كل تلك الأشياء الجميلة التي اندثرت اليوم وما عاد لها وجود سوى أطلال القصر الفريد، وكأنني أشم تلك الرائحة العبقة المنبعثة من تراب أرض القلعة الساخن عند الظهيرة، وأسمع رفرفة أجنحة حمام الزركي البري الذي يعشعش في سقوف زرائب الأبقار، وكأنني أسمع خوار الأبقار في زرائبها، وثواج الأغنام المهتاجة في الحضائر المحكمة حنيناً لصغارها. كأنني أشم دخان المواقد ورائحة الرز العنبر المطبوخ بالدهن الحر. كأنني أتذوق الأن ماء الروز القديم، الماء الرقراق النمير وأشم رأئحة رمال الشرائع وأشجار الصفصاف. وأسمع الرعاة وهم ينشدون العتابا والمووايل الحزينة. كأنني أرى الشمس الغروب وهي تهوى متوارية خلف الأفق البعيد لتطلي السماء بالشفق الأحمر لتعلن عن ليل الروز الهادئ ليغادر جدي الشيخ حميد القلعة لمضيفه الذي يتصدر القصر ليستقبل الرعية لتعلولة المساء، سيكون خادم المضيف قد أشعل الموقد قبلها وأعد القهوة للضيوف، ستفرش النسوة سجاجيد الصوف جوار مواقد النار في براح البيوت إيذاناً بإجتماع الأسر الكبيرة على موائد العشاء. لا أضوية ولا كهرباء. الوجوه بريئة والنفوس طيبة مطمأنة، والكل يعمل بدأب دون ملل أو شكوى. الحياة بسيطة مثل أناشيد سلسة، والأجساد مرتاحة رغم كأد العيش وقساوة البيئة والحياة. تنتهي أحاديث التعلولة الطويلة ليخلد الجميع لأسرة الخشب المصطفة في براح القلعة. تنصب الكلل البيضاء لتحمي النيام من قرص البعوض وتخمد الأصوات سوى من نباح الكلاب التي تحرس القلعة وأهلها حتى حلول الفجر ليستيقظ الجميع إيذاناً بيوم جديد…تنويه: الصورة المرفقة التقطت لجدي الشيخ يحيى الحسن شيخ قبيلة بني تميم نهاية ستينيات القرن الماضي ويظهر معه في الصورة خادم المضيف ( الكهوجي)…