القبض على روح النص في قصيدة آخر الناس

القبض على روح النص في قصيدة آخر الناس

منذ الوهلة الأولى وأنا اطلع على قصائد الشاعر رياض الدليمي وهي تشد اهتمامي كقارئة وككاتبة وتثير انتباهي ، رأيت فيها تجربة تتسم بكثير من الخصوصية والتفرد ، إذ بعد اطلاعي على أكثر من نص شعري له بدأت استشعر هذا النفس الخاص به ..

فقصائده مفعمة بروح الوطنية ، تنضح بتباريح روحه التواقة لوطن يحلم به ويتمناه ، نلاحظ هذا العشق حد التوحد بين ذات الشاعر وذات الوطن , ذاتين جريحيتن تنازعان الرغبة في الإنعتاق ، لكن ثمة أيادٍ تعبث بهاتين الذاتين وتجعلهما في موقف المشاهد .

يمازج الشاعر بين أسلوبين في الكتابة الأول يمكن القارئ من القبض على روح النص ووضع اليد على ما يؤرق ذات الشاعر ، لكن سرعان ما يفرض أسلوب التورية وإخفاء معالم التجلي الشيء الذي يخلق نوعا من الارتباك لدى القارئ ويجعله يعيد المحاولة من جديد.

محاولة فك شيفرات غارقة في استحضار التاريخ والأسطورة والغوص في تفاصيل دقيقة بأسلوب فيه تماهي مع الواقع تارة وسخرية لاذعة منه تارة أخرى ، وهذا ما يحجب رؤية ذات الشاعر الذي يمعن في التخفي وراء كثافة الصور والرموز والدلالات والاستعارات والبلاغات ، كل هذا يجعل من أشعاره نصوصا زئبقية منفلتة من قبضة القراءة السهلة والمتاحة .

هي نصوص متمنعة وشامخة ببنائها المتين وأساسها الصلب بجسارة الطرح وجرأة الخطاب وجمالية المنطوق.

نص ” آخر الناس ” من بين النصوص القيمة للشاعر الدليمي التي استوقفتني كثيرا عند قراءتها ، استدعى مني أكثر من تأمل وإعادة قراءة خصوصا وأنه يبدأ بفتح الستارة ومن هذا الذي يفتحها ؟ إنه آخر الناس .

(( هو الذي يفتح ستارة المسرح

تتكدسُ الطوابيرُ

يهبهمُ الغنائمَ

وكؤوس النشوةِ

وأَناي تراقبُ المشهدَ

تومئ له ……….. ))

فهل يكون هذا الأخير شيئا تافها مجرد رقيب مجرد من صلاحياته ؟ هل يكون التاريخ ؟ أو هل يكون الضمير المتخاذل عن نصرة البؤساء والمقهورين ضحايا ما يحصل على خشبة مسرح الوطن ؟

أو ربما تكون الأنا الواعية بالحرية نفس الوعي الذي يخفي إدراكه للتبعية ؟ هذه الأنا الناشطة داخل ذات مضطهدة بين رغباتها وانكسارات الواقع . الأنا تشتهي وطنا تنطلق فيه بحرية والذات مستعبدة داخل اكراهات الواقع وتواطأت تنهال على الوطن تفتك بعذريته وتحيله إلى ذات مغتصبة تتقاذفها رغبات الكثيرين من الآخرين ولعجز الذات العاشقة للوطن ، فهي تكتفي بالصراخ تحاور وتومئ لها تحذرها من الخطر .

ولأن الوطن من كثرة النازعات أصيب بالشلل الزمني فهو لا يبرح مكانه والقريبون من نبعه هم من يشربون ويوزعون بينهم كؤوس النشوة داخل مسرحية تجعل الباقي من أبناء الوطن يكتفون فيها بدور المتفرج .

(( أَعلنُ

ثورةَ المعدان

غضبَ الهورِ

بسالةَ الشطآن

تمردَ العوانسَ

ونواحَ عجائز الجنوب

لمُخَلصٍ عَصي الطلعةِ

ينامُ في حصون ثنايا عشتار

وشراسةِ الشهوةِ

يشهرُ سيفهُ بوجهِ ثورتي

بوجهِ عتمةِ اللحظةِ

وأَنأ أُغادرُ كوخي آخرِ الناس ))

رفع الستارة , إشارة إلى آلية الفعل والمشاركة فيه دون الإدلاء الفعلي بذات الفاعل الشيء الذي يجرده من أي دور داخل لعبة من صنع آخرين ..

توسل النص بوساطة الرموز التي تحيل إلى دلالات تاريخية وعقائدية كالإله ننماخ والتناحر والتنازع أمام سقفه ما يعني إلغاء وحدة الدين ونزع القداسة عنه

(( نسوا العشاءَ الأَخير

يغادرون الألوانَ

يجرون أذيالَ فمي

يسحقون السنابلَ

يتقاتلون تحت سقفِ ننماخ

عشتارُ تهبُ رعشةَ شالها

لمن يهزم أَناملي

ويغرسُ غلَّه بخاصرتي ))

يقام العشاء وتبرم الصفقات لكن سرعان ما تلغى لكثرة الخيانات .. تطحن السنابل تحت رحى الأطماع يحولون القوت إلى غبار يتطاير مع الريح تصرخ حناجر المقهورين والغيورين و المحبين للوطن لكن صرخاتهم تذهب سدى ..

(( يفرُّ مني المخلصون

تهربُ فتياتُ القصبِ

تتناسلُ الشياطين عند عتبة الفجرِ

أَستبيحُ اللوثاتَ

بروحِ تموز

أَعلنُ

ثورةَ المعدان

غضبَ الهورِ

بسالةَ الشطآن

تمردَ العوانسَ

ونواحَ عجائز الجنوب

لمُخَلصٍ عَصي الطلعةِ

ينامُ في حصون ثنايا عشتار

وشراسةِ الشهوةِ

يشهرُ سيفهُ بوجهِ ثورتي

بوجهِ عتمةِ اللحظةِ ))

يغادر آخر الناس كوخه والكوخ مسكن الفقير والمحروم الذي يتشبث بأذيال القافلة لضآلته ولأنه تحول بفعل الإقصاء إلى مجرد شيء لا قيمة له .. استنجد الوطن بالمخلص والذي يحمل مزايا عشتار إلهة الحب والخصب والرأفة بالمستضعفين . مخلص يشحذ من نور وبريق عيني عشتار سيفه ليشق به صدر الظلام والظلم والاستبداد ..

آخر الناس هذه المرة يبدو لي شاهدا على اكتمال المشهد وتتداخل ذات الشاهد بعين المراقب والرقيب الذي قد يتخذ صفة الإعلام أو التاريخ أو ربما ذاكرة البؤساء والمقهورين .

(( وأَنأ أُغادرُ كوخي آخرِ الناس

أُدونُ الشهواتِ على نهاياتَ القصبِ

ولا أَنسَ سِفرَّ الثوار

أَسردُ حكايا الإفلاس

لا أُحَرِفَ القُصصَ

أُلمعُ عدساتِ المشهدِ

كما يشتهي هوَ

الطاعةُ وليمةٌ أَشتهيها منذ الصغرِ

تُفرحُ أُمي

لا تغيضُ مُخَلصٍ

وتُؤنسَ عشتار ))

ويجنح الشاعر للسخرية بانعطافه بالخطاب الذي مفاده تلميع المشهد بدافع الطاعة التي تشتهيها حتى الآلهة .

فوزية بندادا – المغرب