الفنان التشكيلي غزال محمد لـ الزمان

الفنان التشكيلي غزال محمد لـ الزمان
التقاطاتي البصرية تحفزني على الإبداع
حوار نهار حسب الله
غزال محمد فنان تشكيلي عراقي من طراز خاص، بغدادي المولد والانتماء، ولد عام 1982 في بيئة ريفية بسيطة تهوى الفن الى حد كبير..
درس وتخرج في أكاديمية الفنون الجميلة عام 2004، شارك في العديد من المهرجانات والمعارض الفنية المشتركة وحاز على شهادات امتياز وشكر وتقدير، صمم شعارات اعتمدتها مؤسسات إعلامية وفنية وجهات حكومية، قدم دراسات نقدية عن الكاريكاتير ودراست اخرى عن الرسم التقريبي، نشرت رسومه في معظم الصحف العراقية.. وهو عضو جمعية التشكيليين العراقيين وعضو في الجمعية الاكاديمية الحديثة، والجمعية الاعلامية لرسامي الكاريكاتير وعضو جمعية الثقافة والفنون المستقلة.
الزمان كان لها مع الفنان هذا الحوار
مخزون جمالي
حدثني عن بدايات لغة الرسم التي تعتمدها في خطابك الفني؟
بدأت البذرة الاولى لهذا المشوار في سن الخامسة من العمل، حيث كانت الشخصيات منتشرة في أرجاء المنزل على جدرانه وأبوابه ونوافذه وكان اللون الابيض من أكثر الالوان إثارة حيث يولد لي شرارة تدفعني نحو اخراج المخزون الذي كنت أتخيله مخزون جمالي لا مثيل له.
نشأت في بيئة ريفية وعائلة تهوى فن الرسم وهذه البيئة كانت الابجدية الاولى في تعلم تهجي خطوط الرسم التي جسدتها ملامح شخصية الانسان العراقي الذي يمثل طيب الارض وشموخ النخيل بمفاهيم أكثر صدقاً وأكبر حقيقة عندها تبلورت لي صورة إبداعية تعكس المدرسة الواقعية بالشخوص والطبيعة العراقية الجميلة..
وفي دراستي المتوسطة وقعت تحت سحر تاريخ بلاد الرافدين وعشت هاجس وقائع واساطير واستوحيت منها فهم العناصر الفنية، الى ان دخلت الى أكاديمية الفنون الجميلة التي اكتسبت منها الكثير من خلال متابعة التجارب الفنية في العالم وفهم الجمال في الشكل والمعنى ومع التعمق في المعرفة والبحث الشخصي توصلت الى تنشيط أدائي الفني وذلك بالتمرين على الرسم لثمان ساعات يوماً حتى استطيع التقاط الخصائص الموجودة للشكل.
استفدت من الدروس التي اخذتها ووضفتها في تقريب الشبه في البورتريه، كما استخدمات إحدى قاعات الدراسة كاستوديو خاص بي لي لكي اغطي ما تبقى من وقتي في الرسم كوني لا املك استوديو لأحقق به الانارة والستيج والموديل وهذا ما جعلني اسكن كلية الفنون الجميلة من الصبح الى المساء.
ما هي أسباب ميولك الفنية للمدرسة الواقعية وما هو سر ابتعادك عن المدارس الاخرى؟
اللوحة هي ملك لذائقة المتلقي، وغايتي هي إرضاء العيون البسيطة التي تترقب لغة اللون، ولا يخفى على المتلقي ان مجتمعنا يفتقر للثقافة اللونية، على الرغم من تنوع التجارب الفنية .. لذلك انا اتعامل مع المدرسة الواقعية اكثر من غيرها وهو الامر الذي جعلني اتفاعيل مع أقوى لغة تعبيرية في العالم وهي فن الكاريكاتير وانا في سن الثالثة عشر، حيث وجدت لنفسي مجالاً رحباً في نقل الحالات السلبية التي كنت ارصدها من محيطي الواقعي.
ان هذه الالتقاطات البصرية حفزت خيالي على صنع خميرة أعيد بها بناء رؤية من مدلولات الماضي بكل إمتداداته.
يعد فن الكاريكاتير من فنون العصر الحديث، هل تعتقد بانه يشكل مساحة نقدية مباشرة للواقع.. وما مدى تفاعل الجمهور مع هذا الفن؟
صحف الكاريكاتير من أكثر الصحف التي تشد القارئ لأي صحيفة في العالم، لأن الكاريكاتير أصبح لغة إعلان واحتجاج او احتفال او بطاقة معايدة ووسيلة للدعاية، وهذا التفاعل أسهم في تطوير هذا الفن التعبيري الشعبي والذي يصف الظواهر السلبية والايجابية في الحياة.. فالفنان الكاريكاتوري شكل مساحة نقدية كبيرة وواسعة في نقل الحالات السلبية التي استخرجها من واقع مجتمعه فنجد فيه الناقد والفيلسوف والمحارب في الوقت ذاته.. حتى في الحضارات القديمة كان الكاريكاتير يشكل مساحة نقدية تميل الى الفكاهة والمداعبة في رسوماتها الجدارية وهذا نجده في حضارة وادي الرافدين كالفنون السومرية والاشورية..
وإذا اسمينا مفهوم الكاريكاتير نوع من انوع المبالغة فان فن المبالغة عرفناه من هذه الحضارة كما ان هناك رموز موجودة في الفنون القديمة هي نفس الرموز المستعملة اليوم في رسوم الكاريكاتير فمثلاً الانسان برأس طائر او ثور او اسد كبوابة سرجون، في الفنون السومرية، ويخطئ من يظن ان فن الكاريكاتير هو من التشويه فقط، فهو أيضاً فن التعظيم والتفخيم.. أما عن تجربتي في هذا المجال الفني الرفيع، فقد نشرت أعمالي الكاريكاتيرية في الكثير من الصحف العراقية وأنا في سن الخامسة عشر من عمري وواجهت ووجهت صعوبة كبيرة في الرسم لانه عمل فكري شاق يدفع المرء للتفكير، لكوني لا أمتلك أي خبرة ووعي لاستنطاق الطاقة الذاتية للشكل من جهة ولصغر عمري من جهة ثانية الى جانب قلة مهارتي في تحويل وتغيير نمط الشكل من نمطه الايقوني الى نمطه الرمزي الدلالي لذلك اطلعت على الشارع العراقي المليئ بالظواهر المتناقظة والمتخلفة ولاني أتعامل مع الواقع بكل ما يحمله من معطيات.. وعند دخولي كلية الفنون الجميلة انتقدتُ بشدة من قبل بعض الاساتذة الاكاديميين في الكلية لكوني رسام كاريكاتير إذ يصفون بان هذا الفن يضعف من أدائي الاكاديمي وعدم استعدادي للتعلم لما يخص النسب والمنظور واللون والخط.. إلا اني اثبت لهم من خلال تثوير الطاقات في استحضار مجمل المرجعيات الاجتماعية والسايكولوجية للشكل وهذا ما جعلني أعالج الشكل من زوايا متنوعة مما يتيح لي إظهاره على نحو يشابه النموذج المطابق ولكنه يختلف عنه في المعايير الجمالية والقياسية المتعارف عليها في الدراسات المنهجية والاكاديمية وهذا يتطلب مهارة عالية تتجاوز حدود التعليم الاكاديمي لاني اطمح للارتقاء بفن الكاريكاتير وجعله جزء من الانتاج الفني.. كما اعتمدت في رسوماتي على الشخصيات الواقعية بالمبالغة في الشكل لاعطي مظهر طريف يدعو للضحك فالمهم لدي في الرسم هو الموقف والفكرة.
البورتريه
ترسم لوحات البورتريت.. كيف تختار شخصياتك في هذا الفن تحديداً، وأين تكمن لمساتك الجمالية والفنية على اللوحة، بحيث لا تكون مجرد صورة شخصية؟
يشكل فن البورتريه طائفة مستقلة في فن الرسم لا يجوز مقارنة الواحدة منها بمنظر طبيعي او طبيعة صامتة او جسم الانسان لا من حيث التقنية ولا من حيث المقاييس الجمالية.. لكن مقارنة رسم صورة شخصية باخرى يسمح بقراءة الافضل وتوضيح القيمة الحقيقية بكل منهما.. حيث بلغ رسم البورتريه خلال القرن العشرين في العراق ذروة النضج ارتقت هذه الاعمال الى أعلى المستويات وحفزني هذا النضج الى البحث النموذج الذي ارتسم في مخيلتي ليس فقط كبورتريت ولكن تفاصيل الحياة اليومية أيضاً فاجتذبتني الملامح الشرقية وبدأت رسم الشخصيات بعين الفنان والمؤرخ، وشدني أكثر ملامح الشيخوشة لانها تعطي انطباعاً لعتق الماضي.. أما الغاية من رسم البورتريه فهي تعكس خلفية تاريخية نادراً ما يتم الاهتمام بها في تنظيم المعارض الفنية وتعتبر مصدراً ملهماً لاضفي عليه الروح المعاصرة، وتكمن في النهاية اهمية رسم البورتريه كونه تدريباً للمتلقي على ولج الاساليب المختلفة من مجرد التعرف على الوجه الانساني وتدريب الفنان نفسه على رسم الوجوه، ولكل فنان اسلوبه وطريقته في اختيار مواضيعه وأنا اهتم بالتفاصيل واعتقد ان الوجه الانساني يحتوي على المخزون الاكبر في هذه التفاصيل والتعابير المتباينة والمتناقضة لهذا السبب اركز على هذا الموضوع دون غيره.
بوصفك واحداً من الفنانين الذين واكبوا عصر التكنولوجيا.. حدثني عن تجربتك في الرسم بالاعتماد على الحاسوب؟
لم أكن أؤمن تماماً بان الرسم على الحاسوب قد يضيف نجاحاً كالرسم باليد أي اني لا أرى انه يعطي معيار جمالي في اختياري في توزيع الخطوط والكتل اللونية إلا ان هذه الفكرة تغيرت كلياً بعد تعلمي على برنامج Adobe Photoshop) وبرنامج Adobe Flash ) وتعلمت على أيادي أكثر الخبراء مهارة لهذين البرنامجين حيث دونت الكثير من المسودات والملاحظات بكل الاسئلة التي اطرحها عليهم حتى استطيع من خلالها التوجه الصحيح نحو الافضل في رسوم تجذب الكبار والصغار على حد سواء..
بدأت تجربتي في الرسم على الحاسوب قبل عامين تقريباً حيث استفدت من اخطائي ومن إثارة الاسئلة نفهم ما يعمل به كبار الفنانين في هذا المجال الذي يفيض بجماليات خاصة..
اشتغلت بكثرة على الحاسوب ولساعات متأخرة لتوصيل عمل يتميز بصداقية عالية في مستوى الصورة والمحاكاة، وعلى هذا الاساس عملت في رسوم قصص الاطفال وهذه الرسوم تختلف جذرياً عن رسوم الكاريكاتير من حيث التقنية ومعالجة النسب لان الكاريكاتير من المبالغة لا يفهمه الطفل فمشاهدته للواقع تحتم عليّ ان أرسم رسوم تحاكي ما شاهده لاقناعه والابتعاد عن المبالغة والتشويه، والرسم بمحاكاة الواقع من حركات وانفعالات لكن بطريقة مبسطة ولطيفة قريبة الى خيال الطفل وهنا تكمن أهمية الرسم التقني بالاعتماد على الحاسوب وهذه التقنية من الرسم إذا تم النظر بها ودرست في جامعات العراق من قبل خبراء يتم اختيارهم من قبل اساتذة اكفاء ومتخصصين في هذا المجال اتوقع ان تكون هناك ثورة للرسوم المجسمة المصاغة بتقنيات متطورة وهذا ما نأمله في المستقبل القريب.
كيف تخطط لمستقبلك الفني؟
التخطيط للمستقبل من أقوى العوامل للوصل للاهداف المطلوبة وتحقيق الغايات المرسومة فالنجاح في الحياة ما هو إلا ثمرة من ثمار التخطيط الناجح فعليك ان تضع الخطوات والوسائل لتحقيقها عملياً اطمح ان اطور عملي والدخول الى عالم الرسوم المتحركة فهي حلمي من الصغر إذ عملت على وضع حجر الاساس لهذا العالم الجميل قبل سنتين وتم تدريبي وتعليمي من قبل فنانين أكفاء يعتمد عليهم في الرسوم المتحركة الانيمشن ..
واجهت صعوبة كبيرة في بداية هذا المشوار إلا انني فيه المتعة للوصول الى هدفي فلا أريد ان أترك مستقبلي للظروف المستجدة او ربما للحظ او الصدفة، واحاول الابتعاد عن التفكير بالواقع الذي نعيشه حتى لا يولد لي ارتباك في اختياري لشق طريق منظم وتحمل المسؤولية.
ساهمت في العديد من المعارض المشتركة.. لماذ انت غائب عن المعارض الشخصية؟
لا أحبذ إقامة المعارض الشخصية فلا أجد المتعة الحقيقية في المنافسة الجملية التي تمثلها المعارض المشتركة للفنانين، فمنها نستطيع ان مثبت بان جيلنا متواصل وجيل خصب من الابداع وإضافة الى مواكبه الرسامين المعاصرين والماشركة معهم في تبادل الخواطر الفنية وإن اكثر ما شاركت به من معارض كان لرسم الكاريكاتير أفضلها أكثر من المعارض الفنية الاخرى لان معظم ما يشارك به الفنانين حالياً هو معرض للفن التجريدي للهروب من كونهم غير جيدين بالرسوم الواقعية وعليه يجب عليّ ان انتج فن يصل الى الناس وليس كتل لونية غير مفهومة كما قلت لك سابقاً الفن خلق للمتلقي فعليك ان ترسم ما يفهمه مجتمعك..
لذلك انحصرت معارضي على فن الكاريكاتير حتى اقول اني موجود واعرف ما اقوم به فضلاً عن ان المعارض المشتركة استثمرها فرصة للتعارف على امكانيات جديدة أكثر من فائدتها فنياً، ومكسبي الوحيد هو كسب اصدقاء جدد استفيد منهم وافيدهم في تبادل النصائح والافكار.
اكتساب المعرفة
كيف تجد مستقبل الفن التشكلي العراقي في ظل غياب قاعات العرض والمهرجانات التشكيلية؟
هناك تجارب فنية جديدة من فئة الحركة التشكيلية الشابة اثبتت حضورها على الرغم من غياب المهرجانات التشكيلية واحتفاظ بعض من الاساتذة المتخصصين بالمعلومات الفنية لاجلهم.. وأنا من مؤيدي هذه التجارب الشابة والمندفعة بل واني التقيت ببعض منهم واعطيتهم دروس شفوية بسيطة لاجل تشجيعهم وإنماء مواهبهم حتى لو كان بعضها تجارب متواضعة.. في البداية قد يلجئ الفنان الى استخدام شتى الاساليب والموضوعات من باب اكتساب المعرفة الفنية لكنه سيقوم بتصفية كل ما انتجه والوصول الى اسلوب يحمل خصوصيته وشخصيته الفنية .. المهم ان تعبر عما تريد بوضوح.
AZP09