الفعل الإجتماعي وصناعة القرار

قراءة سيوسيولوجية

الفعل الإجتماعي وصناعة القرار

فلاح المرسومي

قـــدم الدكتـــور كامل جاســم المراياتي قراءة ســوسيولوجيــة فــي ضـــوء نظرية (تاكلوت بارسونز) وأفكار (ماكــس فيبــر) من خلال كتابه الموســوم (الفعـــل الإجتماعي وصنــاعة القرار) الصادر عن بيت الحكمة ببغداد 2013، وحاول من خلال صفحاته الـ 220 تســليط الضــوء على البارســونية (الوظيفية البنائية) وإنها بالنسخة الأمريكية كيف إستطاعت بما طرحته من الربط الوظيفي بين النظام الأمريكي نفســه ورســـم الحلول للمشــكلات الإجتماعية والنجاح في الوســـط الأمريكي من خلال النظم الفرعيــة وهي البنولوجية الإقتصادية والعائلية وتحول الإجتماعية فيما بعد الى ثقافية واستطاعت أن تحـــد فعلاً من مشــكلات عــديـدة مثـــل الفقــر والجريمــة والتهجير والعنف الموجه ضــد الأقليات والعنف العائلي ضــد المرأة وأن تُجسّرالهــوة بين العمل وأصحــاب رؤوس الأموال، وبهــذا مكنت الإدارة الأمريكية ومؤســســات الســـياســـة والحرب والشبكات الخاصــة بالحماية والرعايــة الإجتماعية من أن تكــون فاعلة، وبالذات في مجال حماية مؤســســة الأســرة واستمرار التعليم فاعلاً والقضاء عامــلاً، وكيف ان البارسونيه ( الوظيفة البنائية ) تمكنت من إعادة تجديد الرأسمالية الأمريكية عن طريق إعادة تفعيل الأنظمة الفرعية كالعائلة والتعليم والقضاء وقــد أسهم ذلك في إدامـــة عجلة الإنتاج الحربي ودعمه في الحرب الكونية الثانية وتخليصها من المعلومات المجتمعية الخاطئة التي كانت الحرب من مســبباتها فاستطاعت تشخيص العلل وهيأت الفرق البحثية واللوجستية اللازمــة لتجاوزها وإحراز النجــاح . ويطرح المؤلف إن مثل هــذه الترسيمات البارسونية المطوّرة ربما تستطيع إستعاب حالات الخلل الوظيفــي فــي العراق والحيلولة دون تفكيك البناء الإجتماعــي مــؤدية وظيفــة توازنية ربمــا تتناغم مع الأحــداث الســياســية والإجتماعيــة فــي الوســط العــراقـي، محاولاً إستيعابه وتفعيله وإعادة توظيفـــه بقــراءة الفكـــر الوظيــفي عموماًوالتجربة البارســونية ( البناء الوظيــفي ) فـــي منــاخ وظــروف التجـــربة العـــراقية، لكون الأنســـان دائمــاً ما يكـــون حائــراً أمــام تشـــعب الدروب وتعدد الخيارات ومفترقات الطرق أمامه لإختيــار سبيــل فلا مفر أمامه إذن إلا باتخــاذ القـــرار الواحد أمام كــل الخيارات التي يكون في حيرة من الوصول لما يصبوا ويطمــح إليه من نجــاح، وإن لحظــة إتخــاذ القــرار لحظــة حاســـمة في حيــاة الفــرد أو الجماعة يتحـــدد بموجبها سبل المســار ونتيجــة القــرار كونها لحظــــة زمنيـــة تمـثــل مخرجات لصيرورة عمليــة صنـــاعة القــرار، وإن عملية صنـــاعة القـــرار ســواء” على مســـتوى الفـــرد أو الجماعــه عملية معقـــدة تتداخل فيهــا عوامــل متشــابكة ومتعــددة وليســت هي مجــرد عمليــة آليــه تســتند الى قرار نفعي فردي بحت، كــون الفرد في تفاعله مع الظروف المحيطة به كائن بيولوجي حـــي يتأثــر بمؤثــرات بيئيه عــديده ويخضــع لها خضوعاً متبايناً ينطلق من كيانه الشخصي أو من ظروف الموقف التفاعلي بذاته وبعضها خارجي مجتمعي وثقافي قيمـــي يؤثر في الموقف التفاعلي ويحـــد من نفعيــة الفــرد من ناحيــة ثانيـــة، وعلى وفق هـــذا تبرز تســـاؤلات منها : أليـــس بالأمكان أن نتعامل مع موقف إتخــاذ القــرار ونفــهم آلياته في ضــوء فهمنــا للموقف التفاعلي والقيم الفاعلة ؟ وكيف يمكــن أن نحلّل ذلك الفعل الفردي تحليلاً ســوســيولوجياً طبقــاً لإدراكنــا طبيـــعة الموقف الإجتماعي ؟ وإلى إي مــدى إستطاع علم الإجتماع بما قــدمه من أفكـار تحليــلية أن يتعامل مع المتغيــرات الإجتماعيــة المماثلـــة إنطلاقـاً من ذلك الفهـــم ؟ ويصف المؤلف الجهد المقــدم في كتابه هــو جهـــد معـــرفي بســـيط وهو محاولة أولية للإجابة على تلك التســـاؤلات وللتعـــرف على إمكانيـــة تحليل الموقف التفاعلي كنســـق إجتمــاعي أو كمنظومــة إجتماعيـــة متكامـــلة تتجــلى فيهــا وحــدة المجتمـــع ومـــدى قــدرته على إستيعاب التغيرات والتكيـّـف مع الظروف والمســتجدات التي تواجهه وهـــو محاولة لتحليل الفعل الإجتماعي ومعــرفة دور العوامل الفردية والشــخصية والبيئيــة والإجتماعيــة والثقــافيـــة في رســـم المســـار الإجتماعي وفي عملية إتخــاذ القـــرار بغيــة زيادة مســـاحة الإســهام الجمعـــي في صنـــاعة القـــرار وتوســـيع دور العلوم الســـلوكيــة في تحديد البدائل الســلوكيــة لإختيـــار القـــرارالصائب ولا ســـيما في المواقف التي ترتبط بها مصائر الشـــعوب والأمم، وتقــدم المجتمعــات الى جانب توظيف المعرفة الدينامية للفكــر الإجتماعي في الواقع المجتمعي – ذلك الفعل الإجتماعي الذي يقول عنــه ( تالكوت بارســونز ) هــو الوحــدة الأســاســـية للحيـــاة الإجتماعيــة ولإشكال التفاعل الإجتماعي بين الناس، وما أوجــه التفاعل الإجتماعــي إلا أشـــكال للفعــل الإجتماعي تتباين في إتجاهاتها وأنواعهـــا ومســـاراتهــا، ومــن خــلال دراســـــة تلك الإتجاهات يمكـــن أن يـــرصد الباحـــث الظـــواهـر الإجتماعيــة ويتعـــرف على المشـــكلات الإجتماعية فــي المجتمــــع، وقد أشـــار في الفصل الخامـــس الى القــرار وصناعــة القــرارمتحدثاً عن الطرق والأســاليب العلميــة التي تســـاعد متخـــذ القــرار في أختيار البديل المناســـب وكــذلك على العوامل التي تؤدي الى الفشـــل في إتخاذ القرارات، وعلى إشكالية القرار العربــي وتحليل بنيتــه وجاء بأمثلة على بعض القرارات النفعيــة والآنيـــة منهــا : قرارالأتحاد العربي بين العراق والأردن عام 1958وما هو إلا قرار عاطفي ورد فعل ســـريع على إعلان وحدة مصر وســوريا وقرار السادات زيارة إسرائيل عام 1977 ليس إلا رد فعل للمتغيرات المحلية والدولية، ولم يأخذ بالحسبان الأحتمالات المستقبلية ولا الآثارالمترتبة عن قراره، وقرار قيام مجلس التعاون الخليجي فإن الهاجس الأمني كان وراءه وليس كما ورد في الإعلان الرسمي لقيام الإتحاد من أن أهدافه وحدوية تنسيقية . أضف الى ذلك السلوك النفعي فيما يتعلق بمشكلات الحدود بين الجيران من الدول العربية حيث أنها تتناقض وأدبيات ومفهوم الشعارات القومية التي تنادي بها ويرسخ شرعية الوجود القطري على حساب الوجود القومي، ثم إن مجـــرد إحتكار عملية صناعة القرارفي يد رجل واحد قد يفتقر الى تدريب منهجي وغياب النظرة الإستطلاعية، يعني أن مركز تحليل المعلومات لم يكن ســـوى عقـــل مفـــرد وإن الفرد مهما أوتي من حكمة وإقتدارفإنه يظل محدود القدرات الفكرية والتخصصيـــة والتحليليــة ومن أمثلته على ذلك : إن عبد الناصــــربرغم إنه كان عقلاً استراتيجياً في عملية تأميم شركة قناة الســـويــس عام 1956لم يكن يتوقع إحتمال تواطؤ عسكري بين الغرب وإسرائيل، ولم يضع في حساباته ذلك الإحتمال، لتعارضـــه مع السياقات العقلانية والظروف الموضوعية بحسب تقديراته الشخصية، إذ تصور إن إسرائيل سوف تتردد في القيام بدور التابع لإثنتين من الدول الإستعمارية الكبرى إلا إن ذلك حصل، والقرار السياسي عام 1967الذي إتخذه بإغلاق مضايق تيران لم يكن مبنياً على دراسة معمقة لحالة القوات المسلحة وقدراتها ومدى إستعدادها للقيام بحرب تبادر هي إليها هجوماً أو تُفرض عليها دفاعاً وقد تحول قرار إنسحاب القوات المصرية من سيناء في (خمسه حزيران) الى هزيمة عسكريه ونكسة كبرى كان يمكن تفاديها لو أحسنت القيادة العسكرية التخطيط لتلك العملية، وفي العراق لم يكن يدور في خلد القيادة إن قوات التحالف في حرب الخليج عام 1991ستلجأ الى قصف جوي يستمر لفترة طويلة وإنها ستعمد الى تحاشي الإشتباك البري مع الجيش العراقي نهائياً برغم تحشيداتها وإستعداداتها الظاهـــره، وعلى صعيد التخطيط الحضري أخطأ القرار السياسي في حساباته في خمسينات القرن الماضي في بغداد عند معالجته لظاهرة النمو الحضري التي تفاقمت بعد الفـــــــيضان فعمل على توطين المهــــــاجرين في مدينة بغداد الأمر الذي أربك التجربة الصناعية وزاد من تضخم معدلات النمو السكاني فأخل بالتوازن البيئي – السكاني حتى يومنا هـــــــذا، والأمثلة كثيرة على مستوى القرارالسياسي والعسكري والحضري والإداري ، ويؤكد المؤلف القول في مجال صناعة القرارعلى انه لا بد من الحاجة الى المــــراكــز المتخصــصـــة في مجالات صنع القرار والإستفادة من تجارب الآخرين في هـــــــذا الحقل المعـــــرفي والإهتمام بتدريب وتطوير الكفاءات العلميــــــة والعناية بهـــــم حتى ولو رصدنا لذلك أمــوالاً طائلــــة، ولا ننســــى أن هناك مســـــألة كســر حاجــــز الخوف النفســـــي من خـــوض التجارب والإســتفادة مما ســــبق في مجال صنع القرار ومن هذه القرارات مثلاً : قرار تأميم النفط عام 1972، قرار تحديد ســاعة الصفر في هجوم حرب تشرين في مصر عام 1973، وقرار تقديم ساعة الصفر في ثورة يوليو عام 1952بينما من القرارات التي أضرت ضررا كبيرة بمتخذي القرار وانعكاسه على قضياهم ونتج عن فشلها مذابح ومجازر مروعه كتقديم الشـــواف لثورته عام 1959في الموصل، وقرارات هتلر في العام الأخير من الحرب العالمية 1944 في جبهات القتال منها جبهة روسيا عند محاصرة جيشها لبرلين، وكذلك في معركة ممـــر مدينة (أفرنشـــز) في آب من العام المذكوربالهجوم غرباً بدلاً من قرار القائد فون كلوج بالإنسحاب لتأمين موقع دفاعي أفضل لقواته، حيث كانت قراراته خاطئة تخالف آراء قادته الميدانين ذوي الخبرة الميدانية على الأرض مما تسبب في كوارث عسكرية للقوات الألمانية إنتهت بالهزيمة وانتحار أغلب القادة الألمان واحتلال كل ألمانيا، وفي مصر كان قرار التباطؤ في معالجة ثغرة الدفرسوار المعروفة في حرب تشرين عام 1972 مما قلب كفة الحرب لصالح إسرائيل بعد أن كان النصرللقوات المسلحة المصـــرية، وكذلك عندما أضاع الحزب الشيوعي العراقي على نفســـه الفرصة في الإنتقال الى ســـدة الحكم عام 1959 بعدم إستثمارهم للظروف الموضوعية التي كانت مهيأة لهم وتحقيق حلمهم بتطبيق أول تجربة حكم للحزب في الوطــــن العربي نتيجة السياسة اللآأخلاقية التي إنتهجها الإتحاد الســوفيتي في تعامله مع الحزب الشيوعي العراقي ، وفي السودان كان عمر البشير يمتلك الفرصة التاريخية لتهيأة المناخ الجنوبي لخيار الوحدة السودانية منذ عام 2005 إلا أنه همـــش المشاركة الجنوبية في السلطة مما عرّض الوحدة السودانية للخطر ومهد السبيل الى إنفصال الجنوب عن الشمال عام 2011، إذن في النتيجة يوصـــــــــــــــلنا المؤلف الى أن القرارات عامة تعتمد في صناعتها على الجانب العلمي التخصصي، وتنفيذها على الجانب السياســي، وأهـــم ما فيـــه توقيت تنفيذ القرار فإن فيه الدرجة العاليــة من الأهميـــة في نسبة نجاحه أو فشــــله، كما وإن من القرارات لا يصلح نهائيــاً إتخـــذها والخوض في غمار تنفيــــذها ولنا في ذلك شواهد كثيرة كانت نتائجها كارثية مدمـــرة.