في النصف الأول من القرن العشرين، والسنوات القليلة التي أعقبته، كانت ظاهرة المعارك الأدبية بين مشاهير الكتاب العرب شائعة ومعروفة، وكان القراء يترقبونها على صفحات الجرائد والمجلات، وأحياناً في الكتب والإذاعات، ويتحمسون لها لأنها تمثل في رأيهم سر حيوية الأدب وعذوبة مفرداته، وتحمل من الطرافة ما لا يمكن تجاهله، ومن الإثارة ما لا يصح غض النظر عنه.
وكان لمصر النصيب الأوفر في هذه السجالات، ففيها تصدر أمهات الصحف والدوريات، وعلى أرضها يعيش رموز الثقافة العربية الكبار.
ومن أشهر الخصومات التي مايزال يذكرها الناس، تلك التي جرت بين العقاد والمازني مع أحمد شوقي، والمناوشات التي دارت بين زكي مبارك مع طه حسين وأحمد أمين، وغير ذلك كثير.
وقد وضعت كتب عديدة انتصاراً لهذا الطرف أو ذاك، وهي في العادة لا تخلو من المتعة والإبهار، إلا أن البلدان العربية الأخرى لم تخل من هذه الظاهرة، وإن كانت أقل ذيوعاً، فكان هناك نزاع بين الزهاوي والرصافي في العراق، ومحمد كرد علي وشكيب أرسلان في الشام.
وكانت هناك صراعات عابرة للحدود أيضاً مثل تلك التي نشبت بين صالح جودت ونزار قباني، وبين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي.
وغني عن البيان أن هؤلاء تركوا بصمات واضحة في التاريخ الفكري والأدبي، وكان ما يصدر عنهم من كتابات وردود أفعال يتلقفه القراء بشغف بالغ.
كانت هذه المعارك حرباً مكشوفة، ولم تزل المجتمعات الشرقية تؤثر العاطفة على العقل والخرافة على الحقيقة.
وللاقتتال فيها مذاق خاص ونبرة عالية، فلا أحد يتنازل عن رأيه إذا عرف أنه على باطل، ولا يقر شخص أنه جانب الصواب إذا ما أدرك أنه على خطأ.
هذا السلوك يصدر عادة بسبب الاعتداد بالنفس والغلو في الإعجاب بالذات، وقد أصبح الآن سمة من سمات العصر ولازمة من لوازم المرحلة، ولم تنته مثل هذه السجالات الأدبية، لكن الكثير منها لم يظهر للعلن، فقد حرصت النخبة على أن تبقي على معاركها بعيدة عن عيون السواد الأعظم من الناس لأنها في الغالب تتناول مواضيع غير شائعة، في حين غدت مثل هذه السجالات كثيرة الشيوع الآن في عالم السياسة، وباتت الطوائف والجماعات والفئات والأحزاب تستخدم الأسلوب ذاته على الهواء أيضاً، فلكل منها ممثلوه والناطقون باسمه، وقليل منهم يلتزم بالموضوعية والرصانة، رغم أن الجميع يقر أن احترام العقائد والأديان والآراء غير قابل للنقض أو خاضع للنقاش، ولا يمكن المساس به في قليل أو كثير.
وحينما ينشغل الشارع بحدث ما مثل انقلاب عسكري أو عمل إرهابي أو مؤتمر قمة، فإن غريزة العدوان تنبعث من مكامنها، وتشتعل صفحات التواصل ووسائل الإعلام بتبعاتها، وينسى الناس ما أجمعوا عليه سابقاً، مع أن طبيعة العمل السياسي تقتضي المرونة والتروي واستخدام طرق سلمية لتحقيق المكاسب والامتيازات.
ولست أرى في الغوغائية التي تستعر بين المتخاصمين إلا نكوصاً للخلف، رغم أن العالم – والقوي منه على وجه الخصوص – لا ينفك يستخدمها بشراهة وعناد، لأنه يجد فيها أنجع الوسائل لفرض الهيمنة، فهي أداة هدم وخراب وبعثرة وتفكك، سواء كانت في السياسة أو الدين أو في الأزمات والحروب.
وقد روج الغربيون كثيراً للتعددية وقرروا أنها مصدر قوة لأنها تجمع بين ثقافات مختلفة تتكامل في ما بينها لتعطي نسيجاً موحداً جميلاً، غير أنها في واقع الأمر لم تعد سوى أداة للتنازع والفوضى، ووسيلة من وسائل الفرقة والانقسام، وما لم تستند إلى قانون صارم يكبح جماح مثل هذه الفوضى، فإنها ستظل بؤرة للصراعات إلى ما لا نهاية، وتبقى رمزاً للغوغائية والتخلف على مر السنين.














