الغوغاء-محمد زكي ابراهيم

‭ ‬

في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬والسنوات‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬أعقبته،‭ ‬كانت‭ ‬ظاهرة‭ ‬المعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬بين‭ ‬مشاهير‭ ‬الكتاب‭ ‬العرب‭ ‬شائعة‭ ‬ومعروفة،‭ ‬وكان‭ ‬القراء‭ ‬يترقبونها‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد‭ ‬والمجلات،‭ ‬وأحياناً‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬والإذاعات،‭ ‬ويتحمسون‭ ‬لها‭ ‬لأنها‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬رأيهم‭ ‬سر‭ ‬حيوية‭ ‬الأدب‭ ‬وعذوبة‭ ‬مفرداته،‭ ‬وتحمل‭ ‬من‭ ‬الطرافة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله،‭ ‬ومن‭ ‬الإثارة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬غض‭ ‬النظر‭ ‬عنه‭.‬

وكان‭ ‬لمصر‭ ‬النصيب‭ ‬الأوفر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السجالات،‭ ‬ففيها‭ ‬تصدر‭ ‬أمهات‭ ‬الصحف‭ ‬والدوريات،‭ ‬وعلى‭ ‬أرضها‭ ‬يعيش‭ ‬رموز‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الكبار‭.‬

ومن‭ ‬أشهر‭ ‬الخصومات‭ ‬التي‭ ‬مايزال‭ ‬يذكرها‭ ‬الناس،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬بين‭ ‬العقاد‭ ‬والمازني‭ ‬مع‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي،‭ ‬والمناوشات‭ ‬التي‭ ‬دارت‭ ‬بين‭ ‬زكي‭ ‬مبارك‭ ‬مع‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬وأحمد‭ ‬أمين،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬كثير‭.‬

وقد‭ ‬وضعت‭ ‬كتب‭ ‬عديدة‭ ‬انتصاراً‭ ‬لهذا‭ ‬الطرف‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬المتعة‭ ‬والإبهار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬لم‭ ‬تخل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬أقل‭ ‬ذيوعاً،‭ ‬فكان‭ ‬هناك‭ ‬نزاع‭ ‬بين‭ ‬الزهاوي‭ ‬والرصافي‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬ومحمد‭ ‬كرد‭ ‬علي‭ ‬وشكيب‭ ‬أرسلان‭ ‬في‭ ‬الشام‭.‬

وكانت‭ ‬هناك‭ ‬صراعات‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬أيضاً‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬نشبت‭ ‬بين‭ ‬صالح‭ ‬جودت‭ ‬ونزار‭ ‬قباني،‭ ‬وبين‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري‭ ‬وجورج‭ ‬طرابيشي‭.‬

وغني‭ ‬عن‭ ‬البيان‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬تركوا‭ ‬بصمات‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الفكري‭ ‬والأدبي،‭ ‬وكان‭ ‬ما‭ ‬يصدر‭ ‬عنهم‭ ‬من‭ ‬كتابات‭ ‬وردود‭ ‬أفعال‭ ‬يتلقفه‭ ‬القراء‭ ‬بشغف‭ ‬بالغ‭.‬

كانت‭ ‬هذه‭ ‬المعارك‭ ‬حرباً‭ ‬مكشوفة،‭ ‬ولم‭ ‬تزل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الشرقية‭ ‬تؤثر‭ ‬العاطفة‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬والخرافة‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭.‬

وللاقتتال‭ ‬فيها‭ ‬مذاق‭ ‬خاص‭ ‬ونبرة‭ ‬عالية،‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يتنازل‭ ‬عن‭ ‬رأيه‭ ‬إذا‭ ‬عرف‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬باطل،‭ ‬ولا‭ ‬يقر‭ ‬شخص‭ ‬أنه‭ ‬جانب‭ ‬الصواب‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أدرك‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬خطأ‭.‬

هذا‭ ‬السلوك‭ ‬يصدر‭ ‬عادة‭ ‬بسبب‭ ‬الاعتداد‭ ‬بالنفس‭ ‬والغلو‭ ‬في‭ ‬الإعجاب‭ ‬بالذات،‭ ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬الآن‭ ‬سمة‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬العصر‭ ‬ولازمة‭ ‬من‭ ‬لوازم‭ ‬المرحلة،‭ ‬ولم‭ ‬تنته‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬السجالات‭ ‬الأدبية،‭ ‬لكن‭ ‬الكثير‭ ‬منها‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬للعلن،‭ ‬فقد‭ ‬حرصت‭ ‬النخبة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تبقي‭ ‬على‭ ‬معاركها‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬عيون‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬لأنها‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬تتناول‭ ‬مواضيع‭ ‬غير‭ ‬شائعة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬غدت‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬السجالات‭ ‬كثيرة‭ ‬الشيوع‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السياسة،‭ ‬وباتت‭ ‬الطوائف‭ ‬والجماعات‭ ‬والفئات‭ ‬والأحزاب‭ ‬تستخدم‭ ‬الأسلوب‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬الهواء‭ ‬أيضاً،‭ ‬فلكل‭ ‬منها‭ ‬ممثلوه‭ ‬والناطقون‭ ‬باسمه،‭ ‬وقليل‭ ‬منهم‭ ‬يلتزم‭ ‬بالموضوعية‭ ‬والرصانة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬يقر‭ ‬أن‭ ‬احترام‭ ‬العقائد‭ ‬والأديان‭ ‬والآراء‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للنقض‭ ‬أو‭ ‬خاضع‭ ‬للنقاش،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬المساس‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬قليل‭ ‬أو‭ ‬كثير‭.‬

وحينما‭ ‬ينشغل‭ ‬الشارع‭ ‬بحدث‭ ‬ما‭ ‬مثل‭ ‬انقلاب‭ ‬عسكري‭ ‬أو‭ ‬عمل‭ ‬إرهابي‭ ‬أو‭ ‬مؤتمر‭ ‬قمة،‭ ‬فإن‭ ‬غريزة‭ ‬العدوان‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬مكامنها،‭ ‬وتشتعل‭ ‬صفحات‭ ‬التواصل‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬بتبعاتها،‭ ‬وينسى‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬أجمعوا‭ ‬عليه‭ ‬سابقاً،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬تقتضي‭ ‬المرونة‭ ‬والتروي‭ ‬واستخدام‭ ‬طرق‭ ‬سلمية‭ ‬لتحقيق‭ ‬المكاسب‭ ‬والامتيازات‭.‬

ولست‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬الغوغائية‭ ‬التي‭ ‬تستعر‭ ‬بين‭ ‬المتخاصمين‭ ‬إلا‭ ‬نكوصاً‭ ‬للخلف،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬–‭ ‬والقوي‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬ينفك‭ ‬يستخدمها‭ ‬بشراهة‭ ‬وعناد،‭ ‬لأنه‭ ‬يجد‭ ‬فيها‭ ‬أنجع‭ ‬الوسائل‭ ‬لفرض‭ ‬الهيمنة،‭ ‬فهي‭ ‬أداة‭ ‬هدم‭ ‬وخراب‭ ‬وبعثرة‭ ‬وتفكك،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬أو‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬والحروب‭.‬

وقد‭ ‬روج‭ ‬الغربيون‭ ‬كثيراً‭ ‬للتعددية‭ ‬وقرروا‭ ‬أنها‭ ‬مصدر‭ ‬قوة‭ ‬لأنها‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬ثقافات‭ ‬مختلفة‭ ‬تتكامل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها‭ ‬لتعطي‭ ‬نسيجاً‭ ‬موحداً‭ ‬جميلاً،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬سوى‭ ‬أداة‭ ‬للتنازع‭ ‬والفوضى،‭ ‬ووسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الفرقة‭ ‬والانقسام،‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬قانون‭ ‬صارم‭ ‬يكبح‭ ‬جماح‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى،‭ ‬فإنها‭ ‬ستظل‭ ‬بؤرة‭ ‬للصراعات‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية،‭ ‬وتبقى‭ ‬رمزاً‭ ‬للغوغائية‭ ‬والتخلف‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬السنين‭.‬