العراق حاضنة العرب وإمتداده – عمار العزاوي

العراق حاضنة العرب وإمتداده – عمار العزاوي

لعبَ الموقع الجيو سياسي  للعراق منذ القدم دوراً اساسياً في كونهِ الحامي والمصد تجاهَ كلِ من يريد التوغل في بلاد العرب؟ وكان لهذا العمق دورٌ اساسيٌ ورئيسي منذ بداية التاريخ وحتى يومنا الحاضر لذلك فإن عروبة العراق امرٌ مهم لوجودهِ وضمان الاستمرار و ركيزةً عظيمة و كبيرةً للامة العربية ، وقد شهد العراقُ خلال الفتح العربي الإسلامي 13هجري ، معارك تاريخية أنهت عملياً وجود الإمبراطورية الساسانية ومنها معركتا القادسية ونهاوند ، وأعاد ارض السواد الى حاضنتهِ الاسلامية والعربية لجزيرة العرب ومنطلق الاسلام ، وبعد الفتح أمر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض) عتبة بن غزوان بتأسيس مدينة (البصرة) لتكونَ قاعدةً إسلامية على الضفة الغربية من شط العرب، وذلك سنة (16هـ) ، وفي عام (17هـ) أمر الخليفة الفاروق سعد ابن أبي وقاص بتأسيس مدينة “الكوفة” التي اتخذها امير المؤمنين علي بن أبي طالب (رض)مقراً له ، حيث ستشهد أحداثاً فارقة في تاريخ العراق والعالم الإسلامي .

عاصمة الدولة

وبعد استشهاد امير المؤمنين الخليفة علي (رض)، والتحولات والصراعات التي شهدها العراق ، تحول العراق إلى حكم الأمويين وصار ولاته يُعيَّنون من دمشق عاصمة الدولة الأموية، وشهد العراق إبان الحكم الأموي العديدَ من الحروب، واستمر العراق تحت حكم الأمويين إلى أن قامت الدولة العباسية عام 750م/132هـ، وبقيامِ الخلافة العباسية ، انتقلتْ إدارة الدولة الإسلامية إلى العراق بعد أن كانت في دمشق ، فكانت الانبار حاضرة الخلافة ومن بعدها تألقت بغداد التي بناها العباسيون ، لتصبحَ عاصمة العلم والترجمة عن مختلف الحضارات السابقة التي كانت تتم في بيت الحكمة الذي أسسه الخليفة العباسي المأمون سنة 830م ، ورغم ازدهاره فقد تعرض العراق في عهد العباسيين للعديد من الثورات والحروب الداخلية إلى أن سقطت الخلافة على يد المغولي هولاكو خان سنة 1258م/656هـ ، فبعد أن اكتسح المغول آسيا الوسطى وإيران ، توجهوا بقيادة هولاكو إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية، والتي يقال إنها كانت أهم مدينة في العالم آنذاك، وحاصروها ثم دخلوها في 10 شباط 1258م، بعد أن استسلم الخليفة العباسي المستعصم، الذي لقي حتفه بعد 5 أيام من دخول المغول ، وقضى المغول على الخلافة العباسية التي استمرت 5 قرون، ودمروا مدينة العلم بغداد وقتلوا الكثير من أهلها، حيث قُدّر عدد القتلى بمليون قتيل ، ويعتقد بعض المؤرخين أن غزو المغول قد دمر الكثير من البنى الأساسية للري والتي كانت موجودة منذ حضارة ما بين النهرين قبل آلاف السنين ، ولم تُرمَّم بعد ذلك، كما تسبب قتل أناس كثيرين وهروب غيرهم في عدم إصلاح نظام الري هذا ، ولم تقم بذلك أيضاً أي جهة أخرى ،وفي الفترة ما بين (1393-1401م)، هجم التيموريون بقيادة تيمورلنك ، الذي ينسب لنفسه أصلاً مغوليّاً من ناحية والدته على العراق، ونهب بغداد ثم سلَّم أمرها إلى المجموعات التركمانية التي عاشت متصارعة إلى أن سيطرت الأسرة الصفوية  بإيران على مقاليد الأمور في العراق سنة (1508م) ، واستمروا يحكمون بغداد حتى أخرجهم العثمانيون عام (1534م) ، فقد امتدت الإمبراطورية العثمانية وتمركزت فيما و تعرف الآن بتركيا في أقصى توسعها في القرنين السادس عشر والسابع عشر، لتغطي مساحاتٍ شاسعة من الأراضي في جنوب أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا،وقد سمحت الإمبراطورية باستخدام لغاتٍ مختلفةٍ واتِّباع دياناتٍ متعددةٍ، وقسمت المنطقة المعروفة بالعراق الآن إلى 3 أقاليم او ولايات واستمرَ الصراع على العراق بين السلالات الحاكمة في إيران والعثمانيين حتى الحرب العالمية الأولى 1914، وقدوم الانكليز واحتلالهم للعراق ، وبعد ذلك تاسيس المملكة العراقية 1921 ليعود العراق الى اخذ دورهُ العربي والمساهمة بمختلف قضايا الامة العربية لاحقاً في القرن الماضي وحتى الغزو الامريكي في نيسان 2003، والتحولات التي شهدتها المنطقة والعراق خصوصًا والتأثير على العراق الدولة والشعب؟.

دور عروبي

فلقد كان لغياب الدور العروبى للعراق فى العقود الأخيرة أثرهُ السلبى فى مكانة العرب وعزتهم ، فافتقدت المنظومة العربية الدور العراقى الذى كان نشيطاً ومؤثراً في كلِ قضايا الامة بالعصر الحديث والذى يسعى لاستعادته الآن خروجاً من النفق المظلم الذى دخل فيه بعد الاحتلال الامريكي عام 2003، فقوتهُ التى تمثل ثقلاً إقليمياً لا ينكره أحد وايضاً عروبة العراق وتجذر النزعة القومية فى داخله ، امرٌ لايمكن ان ينكرهُ اي انسان حيادي ، فالشعب العراقى شريك أساس فى كل معارك أمته العربية عبر التاريخ كما أنه شعب ملتزم بثوابت القضية الفلسطينية دافع عنها ولم يفرط فيها، وقد شهد العراق وشارك فى انتصارات الأمة العربية وانتكاساتها وتعرض معها لكافة المطبات السياسية التى عبرت فى أجوائها، ولقد حاول الاحتلال الأمريكى للعراق العبث بهويته وتغيير شخصيته، ولكنه لم يفلح وفي إطار ذلك السياق الذى بدآ يستعيد به دوره العربي ومكانته الإقليمية ، ولا شك أن الدور العراقى يتمتع حالياً بقبولٍ عربى عام وترحيب قومي، فالعروبة تاريخ وحضارة وانتماء ، إن الدور العراقى النشط على الساحة الدولية ، فالكلُ يدركُ تضحيات شعبهِ وقدرته على مواجهة التحديات والخروج من الأزمات قوياً منيعاً ، فبلدُ الحضارات والثقافات والديانات إضافة قومية لأمته العربية وشعوبها التى تؤمن بأن العراق ركن هام فى الساحة العربية والفضاء الدولى على مر العصور،فالعراق بكل تفاصيلهِ هو جزءٌ من المنظومة العربية وامتداد للتاريخ المتصل والعمق الفكري والسياسي منذ القدم وهو جزءاً لايتجزءُ منها.

{ رئيس مركز اليرموك للدراسات والتخطيط الاستراتيجي