العراقي بين الوردي وياسين

العراقي بين الوردي وياسين

شخصية مبدعة مشحونة بقوة الحياة

طلال سالم الحديثي

لم تنل شخصية الفرد العراقي من الدراسة العلمية المنهجية مثل ما نالته من بحث وإهتمام باحثين عراقيين هما الدكتور علي الوردي والأستاذ باقر ياسين .

وقد كان د. الوردي سباقاً إلى البحث في شخصية الفرد العراقي ضمن إهتمامه بدراسة طبيعة المجتمع العراقي ، وله كتاب عن شخصية الفرد العراقي إلا أنه لم يصلني مطبوعاً إلا أن هذا لايحول دون القول بأن آراء الوردي في شخصية الفرد العراقي مبثوثة فيما نشر وألّف لاسيما في كتابه ذائع الصيت ( طبيعة المجتمع العراقي ) وكتابه ( خوارق اللاشعور ) ، وهذا الكتاب الأخير كان معتمدي في إستخلاص ملامح شخصية الفرد العراقي التي تكرر ذكرها في كتب الوردي وبحوثه.

والسمة الأبرز من سمات شخصية الفرد العراقي التي نالت إهتمام الوردي رحمه الله وركز عليها في بحوثه هي سمة ( الإزدواجية ) التي عرفها بقوله : ( إننا نقصد من هذا الإصطلاح ( الإزدواج ) هنا معنى يختلف عن ما يقصد علماء النفس منه ، فنحن لانعني بإزدواج الشخصية مرضاً نفسياً ، إنما نعني به بالأحرى ظاهرة إجتماعية قد تستفحل في بعض المجتمعات ، كمجتمعنا هذا ، ولها أسبابها النفسية والإجتماعية والحضارية ، ومن الممكن إعتبار منطق آرسطو عاملاً هاماً في إنتاج هذه الظاهرة إذ هو يعوِّد الفرد على نمط من التفكير يناقض واقع الحياة ، وبذا يجعله منشقاً على نفسه  فهو يفكر على طراز ، ويعمل على طرازٍ آخر ) .

وهذا ماجعل الناس قد أصبحوا لهذا أصحاب شخصيتين ، يتقمصون إحداها عندما يفكرون ، ويتقمصون الأخرى حينما يعملون ، ولهذا غفلوا عن المفارقات التي يأتون بها في هذا السبيل . لقد إعتادوا على ذلك من أيام طفولتهم فأصبحوا مزدوجين من حيث لايشعرون

ويقول الوردي أيضاً ( ربما كنت غير مُخطىء إذا قلتُ بأن كل واحد منا يشعر بأثر القوى النفسية في حياتهِ ، وبعضنا يميل إلى الإعتراف بها إذا خلا إلى أقربائهِ وأصدقائه المقربين ثم ينكرها إذا واجه حفلاً أو جلس مجلس ( التمشدق والإدعاء ) .

أما الباحث العراقي الأستاذ باقر ياسين في كتابه ( شخصية الفرد العراقي ) الصادرة طبعته الثالثة في دمشق عام 2013 فيفتتح كتابه بقوله : البريء نفسي من جميع ماسيرد في هذا الكتاب من أحكام وتوصيفات نفسية أوسلوكية عن شخصية الفرد العراقي .

توضيح واحتراز

ثم يُتبعه بتوضيحٍ وإحتراز جاء في مقدمته قوله : لقد أجلنا _ متعمدين _ البحث في الصفات الجيدة في الشخصية العراقية ، وهي صفات كثيرة ومعروفة والسبب هو أننا جادون في تشخيص العيوب والنواقص التي تُعاني منها الشخصية العراقية والبحث عن الحلول الإنقاذية التي يمكن أن تخلص هذه الشخصية مما أصابها من إعتلالات بفضل العوامل والظروف التاريخية الخارجة عن تكوينها الذاتي خلال عشرات القرون من التاريخ المدني والحضاري في بلاد الرافدين ، لذلك فإن إستعراض الصفات الجيدة ومدح الذات هو أمرٌ لايفيد في هذا الموضوع النقدي الجاد ، لأن بقاء تلك العيوب والنواقص السلوكية في الشخصية العراقية هو ما يعيبنا ويغيضنا ويؤرقنا ويثير الغضب فينا وهو مايهمنا معالجته لأن الشخصية العراقية تستحق أن تحتل المنزلة الرفيعة في الحضارة الإنسانية المعاصرة .

وفي مقدمته لكتابه القيم يقول المؤلف : لعل بإمكاننا القول إن الرغبة في دراسة وتحليل صفات الشخصية العراقية والنظر في طبائعها وسلوكها والإنتباه إلى عيوبها ونواقصها وإعتلالاتها النفسية والسلوكية لم تبدأ ولم تظهر على نطاق ملموس وواسع إلا في النصف الثاني من القرن العشرين على وجه التقريب وبالذات بعد ظهور التصرفات الهمجية الشنيعة في سلوك الشارع العراقي والفرد العراقي خلال وبعد عملية إسقاط النظام الملكي في العراق .

ثم يقول : لقد كان أمراً مُثيراً ومفاجئاً ومُفجعاً أن تنفذ جميع تلك الإرتكابات الدموية الشنيعة بأيدٍ عراقية وعلى نطاقٍ واسع في الوقت الذي كان يُكتفى حتى ذلك الوقت بتمجيد الشخصية العراقية وإطلاق الأوصاف العظيمة عليها والإشادة اللفظية بمكانتها المرموقة في الحضارة الإنسانية وإعتبارها الشخصية ذات المواصفات الفريدة والمثالية التي لانظير لها في التـــاريخ .

ورغم البحوث والمؤلفات التي قدمها عالم الإجتماع البارز الدكتور علي الوردي في الخمسينات من القرن العشرين والتي حاول أن يُسلط الضوء على جانب من طباع وصفات الشخصية العراقية والتي لاقت إنتقادات وردوداً سلبية حادة عند صدورها بادىء الأمر ( أي قبل العودة إليها والإعجاب بها والإقبال على قراءتها في آواخر القرن العشرين ) ، نقول رغم ذلك فإن هذا الموضوع _ ونعني به – دراسة الشخصية العراقية على نحو منهجي ونقدي موسع لم يحظ بالإهتمام الجدي لدى القطاع الأوسع والأكبر من العراقيين ، ولم تظهر الحاجة له طيلة السنوات التي سبقت الحرب العراقية الإيرانية التي إشتعلت في الثمانينات من القرن العشرين .

وفي الفصل الأول من كتابه يقول الأستاذ باقر ياسين : وقد لانكون بحاجة للإطالة في تفاصيل الصفات الإيجابية الجيدة في سلوك الشخصية العراقية بقدر مانحن بحاجة لمعرفة الصفات السلبية التي كان لها الدور البارز في كتابة أسوأ الصفحات في أحداث التاريخ العراقي كأحداث العنف والمجازر والحروب والإضطهادات والمظالم .

الصفات الإيجابية في شخصية الفرد العراقي :

وفي كل الأحوال فإننا إذا أردنا تحليل شخصية الفرد العراقي والتدقيق في جذور ثقافته الإجتماعية ونزعاته النفسية والسلوكية بأسلوب محايد نستطيع أن نجد في هذه الشخصية ميزات إيجابية جيدة بل رائعة كالكرم والطيبة والشجاعة والجدية والنزوع نحو الحرية الذاتية التي كثيراً ماتتجسد بالجموح والنفور والشموخ والإستقلالية الفردية وصعوبة الإنقياد وعدم الخضوع للقيود والضوابط، كما تتميز بالقدرة الإستثنائية الفائقة على إكتساب وإتقان المهارات المعقدة والفنون الحياتية الدقيقة والسرعة في تلقي الخبرة في الإختصاصات العلمية والفكرية والمهنية الدقيقة ، إضافة إلى صفة الصلابة والتماسك الذاتي وقوة الإحتمال والقدرة على معايشة الظروف الصعبة وشبه المستحيلة ، كما نجد صفات أخرى إيجابية وشبه فطرية مُركّزة وظاهرة كالشيمة والنخوة والشهامة والفروسية والتفاعل الإيجابي مع الآخرين بلاشروط أو قيود وبلا حساب للربح والمكسب ، أما البساطة الظاهرة التي تقرب من السذاجة في بعض الأحيان فهي من بقايا الطيبة والصفات الفطرية التي مازالت تختزنها الشخصية العراقية في زمن القسوة والقيم المُتغيرة .

إن هذه الطباع والسجايا والصفات الحميدة والفريدة التي ذكرنا بعضها آنفاً مازالت موجودة وفاعلة وثابتة في سلوك وأوصاف الشخصية العراقية حتى يومنا هذا رغم كل عوامل التخريب المتواصل والمؤثرات السلبية المدمرة التي عصفت بهذه الشخصية وتنازعتها وأثرت في سلوكها خلال خمسة آلاف سنة من التاريخ .

ولعل بإمكاننا أن نتخيل كيف كان يمكن أن تتبلور عليه مواصفات الشخصية العراقية ، المبدعة، والفريدة ، المشحونة بقوة الحياة لو قُدّر لها أن تَسّم وتنجو من تأثير الحروب والمجازر والأطماع والتدمير المُتعمد وأحقاد الأمم والجيوش الأجنبية الغازية وتفلت من تأثير باقي العوامل السلبية المدمرة التي تناهشتها وتسلطت عليها واستولت على مصيرها وتوالت على تخريب سلوكها .

إن هذه المعاني وهذه الدلالات هي التي دفعتنا على الدوام وبحماس متزايد لتسليط الضوء في بحوث هذا الكتاب على كل النواقص والإعتلالات النفسية والسلوكية التي لحقت بالشخصية العراقية أملاً في الوصول إلى الإصلاح النوعي والجذري الذي يمكن أن يُعيد هذه الشخصية الفريدة إلى أصالتها الطبيعية والفطرية ويُعيد لها إشعاعها الحضاري والإنســاني .

ثلاث صفات

غير أنه ومن جانب آخر فإننا نستطيع أن نجد ثلاث صفات سلبية خطيرة تلازم هذه الشخصية وتبرز في السلوك العام للفرد العراقي وتصرفاته وثقافته الإجتماعية والسياسية وهي : التناقض _ التسلط _ الدموية .

ومن المؤسف أن يكون ظهور وحضور هذه الصفات السلبية الثلاث قوياً وطاغياً في الشخصية العراقية إلى الحد الذي تبدو إنعكاسلتها ظاهرة في شخصية الفرد العراقي أكثر من أي من الصفات الإيجابية العديدة الأخرى حتى وكأنها أصبحت تطبع سلوكه بطابعها وتصبغ تصرفاته الحياتية بصبغتها ، وتكاد تكون صفات التناقض والتسلط الفردي والعنف والدموية وقلة التبصر في العواقب والعصبية في المزاج وسرعة الغضب والإنفعال من السمات الشائعة في أذهان الناس عن سلوك وطبائع وتصرفات العراقيين خصوصاً في أوساط المجتمعات والشعوب القريبة من العراق .

ولعلنا نستطيع أن نجد بعض صفات الفرد العراقي في التعريف الذي يحدده علم النفس في وصف الشخصية المعتلة نفسياً والتي يُسميها الشخصية ( السايكوباتية ) حيث نجد التعريف التالي (والشخصية السايكوباتية هي شخصية الفرد الذي يعاني من إنعدام الإستقرار العاطفي إلى درجة تقترب من الحالة المرضية، والسايكوباتي مُصاب بالفجاجة العاطفية ، قليل التبصر في عواقب الأمور ، عصبي المزاج وسريع الغضب والإنفعال ) . موسوعة علم النفس ، أسعد رزوق صفحة 167 .

ورغم ذلك مازالت هذه الشخصية _ رغم عوامل التخريب المدمرة الماضية تحتفظ بعوامل وصفات أصيلة إيجابية عديدة بالغة القوة والأهمية تؤهلها دون شك للشفاء وإستعادة صحتها النفسية والسلوكية السليمة ، والمساهمة الفاعلة في الحضارة الإنسانية المعاصرة .

ويقترح الباحث الأستاذ باقر ياسين في ختام كتابه الذي بلغت صفحاته (350 ) من القطع الكبير بعض الحلول العلاجية لإعتلالات شخصية الفرد العراقي ، فيقول :

عندما نفكر بوضع حلول علاجية لمجموعة الظواهر والصفات السلبية والإعتلالات النفسية والسلوكية التي تعاني منها الشخصية العراقية، فإن علينا أن نقتنع بأن مجموعة من العوائق والصعوبات والوقائع المرّة ستواجهنا بل ستواجه أي مشروع وطني للإصلاح في هذا المجال وهو الأمر الذي يتوجب معرفته وإدراكه والتبصر به لأن الموضوع الذي نتوخى إيجاد الحلول العلاجية له هو موضوع خطير وصعب وشائك ومتشعب الجوانب والأبعاد إضافة إلى كونه موضوعاً مزمناً حيث أن عمر التخريب النفسي والسلوكي الذي تعرضت له شخصية الفرد العراقي يبلغ عشرات القرون فتبلور هذا الخراب ببطء وبالتدريج وعبر هذه القرون العديدة ، لذلك لايمكن إزالة هذا الخراب أو إصلاحه سريعاً وبدفعة واحدة ، وهكذا يمكننا القول بأنه لايوجد حل سحري أو عاجل بل يوجد حل منهجي إصلاحي طويل المدى ، يمكنه أن يحقق نتائج مؤكدة إذا جرى توفير مستلزمات النجاح والتطبيق الفعلي له .

مشروع الحل المُقترح :

يتركز مشروع الحل المُقترح بوضع برنامج وطني مركزي يكون الهدف النهائي منه إعادة تأهيل شخصية الفرد العراقي وإزالة الصفات السلبية الخطيرة التي تكتنف سلوكها وتصرفاتها ونرى أن يكون اسمه / البرنامج الوطني لإعادة تأهيل شخصية الفرد العراقي / ولتنفيذ ذلك يمكن تشكيل لجنة وطنية مؤقتة موسعة العدد وعالية المستوى وتضم عددا من التربويين وعلماء النفس والاجتماع والإختصاصيين ويتم إبعادها عن السياسة والسياسيين وتكلف بوضع الخطة العامة لهذا البرنامج الوطني .

وأهم المواضيع التي يتوجب أن ينفذها ويعالجها هذا البرنامج الوطني هي مايلي :

1) القيام بحملة تثقيف داخل المجتمع لتعريف المواطنين بطبيعة المشكلة .

2) الإقرار بأن الأسباب الأساسية للأعتلالات النفسية والسلوكية التي تعاني منها شخصية الفرد العراقي تتحدد بالإحباط والخيبة والحرمان والجهل والأمية وشيوع العادات السيئة .

3) تنفيذ برنامج إعلامي منهجي موجه وطويل المدى .

4) قيام الدولة بتشجيع المواطنين العراقيين على السفر إلى الخارج للتعرف واللإطلاع على عادات الشعوب وسلوكها .

5) تنفيذ برنامج لتطوير وضع المرأة العراقية إقتصادياً وعلمياً وإجتماعياً على أن يتضمن إجراءات عملية محددة .

وأجد في ختام هذا العرض الموسع لأراء الباحثين العراقيين الدكتور علي الوردي والأستاذ باقر ياسين ضرورة القول أن بحث الأستاذ باقر ياسين بحث منهجي موسع إستوعب صفات الشخصية العراقية سلباً وإيجاباً ووضع الحلول المناسبة لها ، ولم يتوقف كالدكتور الوردي رحمه الله الذي كان يكرر طروحاته الفكرية في كتبه العديدة ، وبذلك يكتسب كتاب باقر ياسين أهميته كمرجع علمي رصين الطرح والمعالجة ، وآمل أن يجد القارىء ما يهمه في موضوع شخصية الفرد العراقي من خلال ما قدمته له هنا في هذه المقالة .