العراقي الأصيل …  آسر الحيدري –  شكر حاجم الصالحي

العراقي الأصيل …  آسر الحيدري –  شكر حاجم الصالحي

ليتني عرفته قل هذا الوقت , ولكن شاءت المقادير أن نلتقي بعد ستة عقود من الزمن عن طريق وسائل التواصل الأجتماعي الذي وفّر لنا هذه المساحة الحميمية بعد انقطاع طويل فرضته المسافات البعيدة والانشغالات الطارئة , لقد وجدت في هذا الكائن البشري خلاصة فضائل الانسان العراقي الذي يجسّد خلاصة الانتماء الأصيل للجذور المعافاة , وأذكر أن آسر عباس الحيدري الذي اختار غربته منذ تسعينات القرن العشرين , واستوطن هناك في صحراء رفحاء مع مئات العراقيين المهاجرين ,هو الذي أشعل الحنين في مسامات روحي وهاتفني من بين العشرات   , فكنت من بين مَن أستجابوا وهكذا بدات الرحلة بمذاقاتها العذبة , وكان سؤالي عن أصدقاء صباه وشبابه مفتاح حوارات مثمرة , تكللت في ما بعد بنتائج طيبة …….

ــ هل تعرف فلاناً الذي زاملني في النشاطات الثقافية في مراكز شباب الحلة , قالها آسر بحذر مبالغ فيه , وحين واصل تعداد زملائه في عقد الستينات , زادني شوقاً للمضي في سرد تفاصيل حياة هؤلاء الزملاء ومصائرهم ….

وعندما سألني عن صديقه حميَر حسين المعموري , أخبرته برحيله المبكر , فأقترح آسر الحيدري ان نحيي ذكرى صديقه الشاعر هذا , وبعد جهد ومتابعة وتمحيص في متابعة تنفيذ المقترح , أقدمنا بتمويل سخي منه على الاعلان عن جائزة قيمة للمشاركين في مسابقة شعرية , ونجحنا في اقامة احتفالية كبرى للشعراء ووثقنا النتائج بكتاب أنيق أصدرناه تخليداً لتلك المناسبة التي أذهلت الكثيرين بحجم الدعم والرعاية ــ الحيدرية ــ وأعقب تلك الفعالية إنتاج ( المليونير ) الفيلم السينمائي الذي كتب قصته ,والذي فازت قصته ( وختم حياته بحكمة ) لعام 1999 في مسابقة اجرتها واحدةً من الصحف الخليجية , وله مجموعة قصصية أصدرها عام 1987 بعنوان سوق البازار, ورغم المصاعب والظروف التي أحاطت بالمليونير إلا انه نال الاعجاب والتثمين باعتباره أول انتاج سينمائي عراقي , للنشاط والخاص , يجيء في زمن توقف الانتاج وتشظي الطاقات والقدرات الفنية بفعل الظروف التي مر بها البلد وأوقف عجلات الحياة والإبداع ولم يكتف  الحيدري بكل هذا , فأقترح اصدار كتاب يضم موضوعات توثق حياة الحليين وأيامهم السالفة يتولى تحريرها مبدعو الحلة , وهكذا تمت المباشرة بالاعداد لتنفيذ هذا المقترح , وبجهود حثيثة اثمرت اصدار ــ التاج / تجليات حلّية ــ بطباعة أنيقة أذهلت كل المعنيين , وأقمنا بعد كل ذلك الزهو الحيدري أمسية لتوقيع التاج في بي دي سي مول وكانت بحق أمسية مميزة من حيث الحضور الفاعل والمشاركة الجادة ….

وأود ان اشير الى آراء الزملاء المهتمين بالشان الثقافي للحيدري حيث أثنى المحامي السوري أدوار حشوه على كتاب الحيدري الموسوم ( ظاهرة الديمقراطائفية ) بقوله انه يمتلك اسلوباً سليماً في تناول موضوعاته مما يستحق التبجيل . أما الشاعر العراقي الغنائي أسعد الغريري فقد أكد : ان ما يكتبه ىسر الحيدري يشدني الى أكمال قراءته حتى نهايته لما فيه من قدرات عالية على الأقناع والفائدة , لكن الفنان المسرحي غالب العميدي قال شئ مختلفاً : لم أجد مغترباً عراقياً قدّم ما قدمه آسر الحيدري من دعم كبير لعموم الحركة الثقافية في العراق وفي مدينتنا الحلة على وجه الخصوص وأعماله خير شاهدً على ذلك ……..

وذات مكالمة عرضت على الاعلامي العراقي المغترب آسر عباس الحيدري رغبتي في التوقف عن القيام بأي عمل قادم , وكانت ظروفي الصحية المتدهورة وراء هذه الرغبة , إلا أن الحيدري رفض أعتذاري ورجائي بمواصلة العمل خدمة لمدينتنا العريقة الحلّة وبلدنا الكريم ……..وللأمانة أعلن ان الحيدري أغرقني بكلماته الطيبة ومشاعره الأخوية , وكان سخياً بالدعم والرعاية والمواقف الأنسانية المعبرة عن أصالته وسمو أخلاقه وعراقيته التي جسدها في كل مشاريعه ومقترحاته … فهل قلت ما لايستحق الحيدري من إشادة وثناء ,  وعهداً مني سأظل ما حييت أخاً لا يكف عن العطاء ولن اتخلّى عن أخوة نادرة وهبها الله جلّ شأنه .

ولكن لابد لي أن أسرد بعض تفاصيل ما أعرفه عن سيرته الغنية لعله يكون انموذجاً لأبناء جلدتنا في رعاية الثقافة والمثقفين كما فعلها آسر الحيدري ــ أمد الله في عمره ــ وجعله قدوة لنا في البذل والكرم …

.. ولد آسر الحيدري عام 1965 في ناحية سدة الهندية / بابل ونشأ بين أتراب يعشقون الادب والفنون ومن بعضهم ( مع حفظ الالقاب ) ك

حميّر حسين المعموري , وهب ناجح , حمزة فيصل مردان , مازن هادي , برير سيفي , سعد المرشدي و فالح الغانمي , واكرم المعموري , وكان الشاعر عبد الهادي عباس مشرفاً على النشاط الثقافي في مركز شباب الاسكان وأمضى ردحاً من حياته مقيماً في مدينة الحلة الى حين استقرار اسرته في كربلاء , بعد أن عانت الكثير من قسوة الحياة وظروفها الشائكة , ورب ضارة نافعة فقد هاجر الحيدري مع من هاجر الى صحراء رفحاء وأقام فيها ما يقارب الثلاث سنوات حقق خلالها حضوراً لافتاً بين اوساط الرفحاوين , وكان لدماثة خلقه وذكائه وفطنته الأثر الكبير في تبوأ مكانة لائقة بين صفوف اللاجئين , واستطاع ان يتميز عن سواه بما يمتلكه من وعي وادراك ومسؤولية فعمل في الأعلام المقروء وصارت له حطوة بين قيادات رفحاء , واشتغل بحماسة مع معظم المناوئين للنظام العراقي , فكان صحفياً وكاتباً مرموقاً الى ان قادته الأيام الى المغترب منذ عام 1990  ومازال فيه الى يومنا الراهن هذا , ولم يلوث أيديه بإمتيازات رفحاء الخرافية لاعتقاده بإن مصدرها المال العام المغتصب , وازاء هذا رفض التعويضات والرواتب التي تمتع بها أقرانه , وكان بإمكانه ــ لو اراد ذلك ــ ان يكون من اولئك المحظوظين الذين أصبحوا مسؤولين كبار بعد أحداث 2003 م ,وقد عرضت عليه مناصب مهمة في العراق لكنه رفضها , وهو شقيق لأحد قياداتهم المتنفذة في عراق ما بعد 2003 , وأسهم في مؤتمراتهم التي عُقدت في صلاح الدين و الرياض وعواصم أجنبية أخرى , وله صلات وثيقة بقيادات الصف الاول منهم , لكن عراقيته الصميمية ومعرفته بنوايا الحكام الجدد واطلاعه على مخططاتهم دعته الى ان ينأى بوعي سليم عن هؤلاء وظل عراقياً بجوهره العروبي الأصيل ونقاء سريرته , وها هو يعيش في مغتربه عزيزاً مقتدراً معتمداً على ما يدور عمل الخاص من خير وفير , وبفضل عصاميته وتربيته الكريمة أنشأ عائلة عراقية بخصالها ــ رغم وجودها في المغترب  منذ ما يقارب الثلاثة عقود من الزمن , اذ حافظ على قيم أهله وسجايا قومه واصبح انموذجاً يشار إليه بالعفة والنزاهة والصدق والأمانة والاستقامة … ومازال يمد يدْ العون لأرحامه واصدقائه مديماً صلته بهم .