العذاب الأزلي
اعتادت جين على مشاهدة افلام الرعب، بل ادمنت ذلك…. احبت كل شيء تعلق بالرعب سواء كان فيلماً ام مسلسلاً، رواية ام قصة ام حتى العاب الفيديو.
ورغم اجتياح الكوابيس حياتها بسبب ذلك، ازداد عشقها للرعب حتى بدأت تبحث عن مواطن مسكونة -كما تطلقها الأساطير- فهي تسأل صديقاتها ليعلموها بأي مكان يُعتَقَد بوجود امرٍ مرعب متعلق به.
اخبرتها سارة ذات مساء عن عدة اماكن قد علمت من عجائز القرية بأنها مسكونة. بيد ان الناس قد بدأوا بهجر الايمان بأمور كهذه الا البعض القليل. وكانت جين ضمن تلك القلة رغم استخفافها بالأمر فلطالما مزحت سارة من مزاجها الغريب الباحث عن الرعب.
كانت القائمة -كما رتبتها جين-تشتمل على طاحونة عائلة والتر المهجورة فقد حكي بأن أرواحاً شريرة تدير الطاحونة حتى اليوم لتعذب بالسحق أرواح من دخلها متعمداً وحظيرة حيوانات بيت سكوت الذي فرت العائلة منه فقد قيل ان الدماء تتدفق من تحت القش المغطي للارضية بعد غروب الشمس…كذلك بيت الثري ادموند الذي كان يحوي على عدد هائل من الغرف والممرات حتى قيل عن الاحتفاظ بجثث افراد العائلة بعد موتهم بتوابيت على اسرتهم بعد تحنيطهم…
لم تكن جين تعلم ان كانت كل ما سمعته حقيقة ام خرافة… لكن جل ماعلمت هو انها قد استخفت بالامر، رغم إيمانها بالأشباح، حتى نوت ان تزور الاماكن جميعاً ابتداء من الطاحونة فالحظيرة ثم البيت كلٍ من هذه الامكان بعد المغيب!
طلبت جين من صديقاتها سارة وكاري وألينا ان يذهبن معها لكن سارة رفضت أشد الرفض فقد آمنت واذعنت لتلك الحكايات…
اعدت الصديقات العدة للذهاب الى الطاحونة ، عازمات على الانطلاق قبل المغيب ليزداد الامر اثارة.
اقتربت الشمس من الافول وكن الثلاث يقفن عند باب الطاحونة المتابعة لدورانها منذ 37 عاماً مضت ذلك حين هجرها مالكها رعباً.
دخلن يضحكن ويستهزئن بمن يخاف هذا المكان…
هبت ريح باردة خفيفة جعلت القشعريرة تمر عبر جلد كاري لا من البرد بل بما آمنت به بالشعور المفاجئ بالبرد بفعل ريح خفيفة انما يدل على حضور روح او جان …
حاولت ان تعتبر الامر صدفة او انها اوهام وتخيلات…
ولكن قلبها يخبرها بالعكس…
بدأن بالتجوال في ارجاء المكان والضوء الاحمر الصادر عن أفول الشمس يسيل من شقوق السقف كالدم لينتثر على الارض المعتمة…ستغيب الشمس تماماً ويعم الظلام…
احضرت الفتيات معهن شموعاً وأحضرت كاري مصباحاً يدوياً.
لقد رغبت جين بالمكوث هنا على ضوء شمعة لذا لم تحبذ فكرة احضار مصباحاً يدوياً.
بدأت الفتيات الثلاث بالتجوال داخل ارجاء الطاحونة عازمات على استكشاف قبوها الواسع المظلم.
بعد تجوالهن المستخف بحكايات سكان القرية اتجهت جين لترفع باب القبو بجذب حلقة صدئة يتجلى منها هجر المكان فلم تكن لتفتح الا بعد محاولات عديدة.
قررت جين ان تكون هي اول من ينزل فقد كانت صاحبة فكرة المكوث تلك الليلة هناك. لذا خطت الى الاسفل عبر السلم الخشبي المتهالك والفتاتان من خلفها. ما كادت تصل الارض الخشبية حتى سمعت صوت حشرجة..
ظنت جين انها الجرذان كما فعلت رفيقتاها.
نزلن السلم ولم تكد شموعهن الثلاثة ان تنير الا مساحة قليلة حولهن فقد كان الظلام دامساً ولم ينر القمر تلك الليلة السماء.
صفت المعدات والات في القبو على خطوط مستقيمة لتشكل صفوف مرتبة. اما الغبار ونسيج العنكبوت فقد غطا كل شيء تقريباً.
كان الهدوء مطبقاً على المكان فالطاحونة تبعد عدة كيلومترات عن اقرب مكان مأهول. احاط بهن السكون الليل وعمته رغم محاولتهن لانارة المكان بشموعهن لكن الظلام بدا ككائن، كمادة ثقيلة ترمي بنفسها فوق الضوء ليخفت. بدا كسيل اسود يمتد ويستمر بالامتداد نحو الشمعة.
لاحظت جين الشيء العجيب الذي يحدث لكنها لم تنطق بكلمة لانها ظنت بأنها تتوهم وستظن رفيقتيها بأنها خائفة.
ازداد الامر وضوحاً فالظلام يحاول ان يطفئ شموعهن ليخفي ما هو خافٍ في طياته. لكن كاري وألينا بدأن يشعرن بالرعب فقد لاحظن الامر ذاته واخبرتا جين واكدت جين ما شعرت به.
اقتربن احدهن من الاخرى حتى اصبح ضوء الشموع الثلاث اشد في منتصف المثلث المتكون.
ماكدن يشكلن المثلث حتى احست ألينا بشيء يلتصق بظهرها ليشعرها ببرد مرعب وهلع لم يصبها من قبل… صرخت صرخة مكتومة وكإنها تحاول منع الظلام من سماعها…
والتفت حول نفسها..
لم تر شيئاً بجوارها الا صديقتيها.. لذا قررن ان يسندن ظهورهن لبعض وينظرن في ارجاء الغرفة.
وفي تلك اللحظة صدى صوت انغلاق باب القبو بقوة وتحرك المزلاج…
كادت قلوبهن تتجمد بدمائها و تذكرت جين بأنها لم تحضر سوى ست شموع وبأن الساعة لم تكد تتجاوز الثانية عشر ولايزال امامهن أربعة ساعات لشروق الشمس. فلا سبيل للفرار ولا سبيل لتوفير الشموع حتى بزوغ الفجر.
حكت القصة بأن من يذهب في الليل الى الطاحونة المهجورة ستحاول ارواح المكان اخذ جسده لتسجن روحة وتعذب في الطاحونه بينما يعود الجسد المسكون الى القرية. وان من يضيء شيئاً في ذلك المكان فلن يستطع التمكن منه. ولكن احداً لم يكن ليجرؤ على الذهاب وان كان قد ملك ضياء الشمس بيمينه.
ارتعدت جين لما جال بفكرها… لن تعود هي الى المدرسة بل سيعود جسدها وبداخله … لا احد يعلم ما في داخله…
قالت لكاري بأن تضيء مصباحها اليدوي ليوفرن الشموع.
رفضت كاري الفكرة فقد فكرت بأنها هي التي احضرت المصباح وبأن جين لم تكن تريدها لتحضره على اية حال.
جال بفكرها انتهاء الشموع ونجاتها بفعل مصباحها…
حاولت الفتيات الابقاء على الشموع بحوزتهن حين اقترحت ألينا اطفاء واحدة لتبق شمعتين. وحالما اطفأت ألينا شمعتها حتى اقترب الظلام من جسدها وازدادت كثافة الهواء الذي مر عبر رئتيها فكادت ان تختنق… شهقت صارخة لتضيء شمعتها مجدداً.
اذن لم يكن هنالك سبيل للحفاظ على ضوء حياتهن…
مر الوقت والفتيات تسمرن واقفات يضئن شمعة اثر انطفاء الاخرى…
لم يجرؤن على التحرك في الجوار
ها هن الان تحمل كل منهن شمعتها الاخيرة والساعة شارفت للتو على الثالثة صباحاً…
مدت كاري يدها في جيبها لتخرج المصباح اليدوي. شغلته، للاسف لم ينر! حاولت مرة اخرى ولاجدوى… كررت المحاولةهازة إياه تارة وتضربه أخرى…. لا فائدة… شيء ما، خبيث وشرير للغاية استطاع تعطيبه دون ان يمسه! شيء امتزج مع ظلام الليل لم تعرف الفتيات ماهيته!
وفي عتمة الظلام الثقيل اللزج، مر طيف شبحي بين صفوف المعدات ثم ثاني و تبعه ثالث مسرع…
كانت الاطياف الشبحية الثلاث مرعبة للغاية حتى بلغت قلوب الفتيات الحناجر ذعراً… اقتربت الارواح منهن كل تنظر الى الجسد الذي سيخلو قريباً… انطفأت شمعة ألينا واقترب الظلام اكثر…
انطفأت شمعة كاري والتف الظلام حولهن تماماً جميعاً بعد ان انطفئ ضوء جين.
ارتطمت الاجساد الثلاثة أرضا خاوية…وبدأ صراخ الأرواح الازلي وهي تُسحَق. أُحتُلَت الاجساد ومشت خارجة ،من باب القبو التي فتحت،لتعيث في العالم خارج الطاحونة…
رثد نيازي- واسط



















