الطريق إلى جريدة الزمان (2) – مقالات – ثامر مراد
لا اعرف كيف ستكون النهاية؟ هل سيكون هناك عشقٌ جديد ام مصالح مادية مشتركة ؟ ام هي حكاية خرافية كما يحدث في حكايات الف ليلة وليلة؟ سنعرف ذلك بعد فترة إذا كنا على قيد الحياة.” هذه هي العبارة الاخيرة الواردة في الجزء الاول من حكاية – الطريق الى جريدة الزمان سنستمر في سرد احداث تلك الحكاية لنعرف ماذا ستكون النهاية. ” في بواكير ايام الاسبوع اللاحق كنتُ واقفاً عند البوابة العملاقة لبيت السيدة التي عرضت علي تدريس إبنها – سمير- مادة اللغة الانكليزية. ضغطت اناملي على زر الجرس المعلق في الجهةِ اليمنى من الجدار. تهاوى الى سمعي صوت الجرس داخل البيت يُعلن وجودي في مساحة معينة من الارض . شعرتُ لاول مرة في حياتي كانني شحاذٌ يقف عند باب اميرة من اميرات العصر القديم يستجدي قطعة خبزٍ صغيرة ليسد بها رمقه. لم اتصور ان القدر يقذفُ بي الى هذا المكان كي احصل على دراهم معدودة من جراء تدريس مراهق لايعرف معنى معاناة الشحاذين في كل العصور. مزيجٌ من التناقضات راحت تعصف في روحي تحيلني الى كومةٍ من ذكريات كانت هناك في الطرف الآخر من المدينة. صوتٌ مزعجٌ في داخلي يامرني بالهرب والعودة الى دكاني الصغير حيث إستقلال الروح وسعادةٍ ليس لها مثيل. يطلب مني عدم الخنوع والخضوع لرغبةِ سيدة تروم تعليم ولدها المراهق بكمية من المال يحتاجها رجلٌ تزحف روحه نحو الافول كشمس عصرٍ في يومٍ بارد. صوتٌ آخر يصرخ بقوة في الطرف الآخر من جسدي يامرني للبقاء وإنتظار حدثٍ قد يغير مجرى حياتي – وانا الباحث عن المغامرات في زمن الطفولة والصبا والشباب- . كانت اصوات الطيور تاتِي الى مسامعي من كافة الاشجار العملاقة في حديقة الدار. سافرت نظراتي الى جهاتٍ مختلفة تجري مسحاً شاملاً لتلك الاشجار القابعة في كل زاوية من زوايا البيت الجميل. سمعتُ اقدام تتجه صوب بوابة الدار. رتبتُ ربطة العنق كانني اتهيا لامتحانٍ عسير. ” نعم. تفضل عمو. ” كانت هناك فتاة – على ما اعتقد لم تصل الى مرحلة العشرينات تقف امامي كانها ملكة من ملكات الجمال في المسابقات العالمية. ” صباح الخير. انا مدرس إبن السيدة ” …..” هي طلبت مني الحضور هذا الصباح في هذا الوقت. هل ان السيدة موجودة؟” . صاحت الفتاة بحماس ” نعم نعم تفضل امي تنتظرك مع شقيقي في غرفة الجلوس” . سارت الفتاة امامي كانها طاووس يتبختر في مشيتة. شعرها الجميل ينساب على كتفيها بطريقة تسر الناظر . في اللحظة التي دخلت فيها باب غرفة الجلوس نهضت السيدة” ……” برشاقة ملفتة للنظر وهي تقول ” اهلاً وسهلاً. جئت في الوقت المحدد بالضبط. هذا ولدي سمير ارجو ان يكون عند حسن الظن. اتمنى ان لايزعجك فهو لايحب هذه المادة ولذلك ارجو ان تصبر قليلاً” . لم اجبها إلا بابتسامة بسيطة كانني إعتدتُ على مجاملات كثيرة من هذا النوع طيلة سنوات العمر المنصرمة. بعد تناول قدحاً من الشاي تركتني مع المراهق المدلل اواجه مصيري. قضيتُ معه ساعتين من ازعج ساعات عمري. لايفهم اي شيء. لم يكن يعرف حتى طريقة لفظ الكلمات. شعرتُ انني ادرس شخص في الخامس الابتدائي. حاولت السيطرة على نفسي كي لاافقد اعصابي وانا احاول ان اجعله يلفظ الكلمة بطريقةٍ صحيحة. لكن الغريب في الامر انني شعرت بميل غريب الى شخصيته اللطيفة. كان ضخم الجسد كرياضي إعتاد على ممارسة كرة القدم سنوات وسنوات. لدية طريقة عجيبة في جعلي انفجر بالضحك بين فترة واخرى. وانا في خضم الانفعال كان يقول بصوتٍ منخفض وكانه يخشى ان تسمعه والدته التي تجلس في الطرف البعيد من الغرفة الواسعة لمراقبة سير عملية التدريس . شعرتُ في تلك اللحظة وكانها مشرف تربوي تحاول ان تقيّم طريقتي في تدريس المادة المتخصص في تعليمها للطلاب. قال بصوت هامس ” عمو..لاتتعب نفسك كي لاتصاب يضغط الدم او السكر. انا فاشل في هذه المادة اللعينة ولكنني حاصل على درجة إمتياز في ملاحقة الفتيات. ” نظرتُ اليه كمن اصابه مس من الغضب وليس الجنون. حينما شاهدني غاضبا قال هامسا ” الم اقل لك لاتغضب كي لايرتفع عندك السكر؟” . ضحكت باعلى صوتي . نظرت والدته صوبي وكانها تستفسر عن سبب تلك الضحكة المرتفعة. اغلقت الكتاب وانا انهض . ” إنتهى الدرس هذا اليوم . سيكون الدرس الآخر بعد يوم غد. ” نهضت السيدة” ….” قائلة ” ساوصلك الى جسر الطابقين.” حاولت ان اذهب لوحدي بَيْدَ انها اصرت على ذلك. في الطريق سالتني عن سبب ضحكي بصوت مرتفع حينما كنت جالسا مع ولدها. حاولت التهرب من قول الحقيقة لكنها اصرت ان تعرف الحقيقة. قلت لها كل شيء. ضحكت وهي تقول ” هذا هو السبب الحقيقي. ولدي يلاحق الفتيات بشكل ملفت للنظر مما جعلني اراقبه ليلا ونهارا. هو مؤدب جداً ولكن….” . حاولت ان اشرح لها اشياء كثيرة عن مرحلة المراهقة التي يمر بها الاولاد في هذا السن الخطر وكيفية التعامل معهم. تبادلنا احاديث كثيرة عن جوانب مختلفة من الحياة. قبل ان نصل جسر الطابقين قالت ” كل يوم ساعطيك مثل هذا المبلغ لانك تتعب معنا وإن شاء الله إذا نجح ولدي في نهاية السنة ساعطيك هدية جميلة” . نظرتُ الى المبلغ غير مصدق. ” ولكن هذا كثير. لم اقدم شيئاً يستحق كل هذا المبلغ. لا استطيع قبوله. حقي اقل بكثير من هذا المبلغ” . إندفعت قائلة ” حسناً خذ ماتراه مناسباً كثمن للتدريس والمتبقي إعتبره هدية مني. ارجو ان لاتكرر هذا معي ابدا.” وقفت عند المحلات القريبة من الجسر . قبل ان اترجل من سيارتها قالت ” سانتظرك هنا بعد غد عند الساعة ” ….” كي اسهل عليك عملية الوصول الى البيت.” كانت نظراتي تودعها وهي تستدير الى الجهة اليسرى. نظرتُ الى المبلغ الذي منحتني إياه. راح ذهني بعيداً ..همست مع ذاتي ” ساشتري هذا اليوم لحماً لزوجتي وملابس جديدة واشياء اخرى كثيرة.” نظرتُ الى السماء وانا اشكر الله كثيرا لهذا الرزق الذي لم يخطر على ذهني يوما ما. فلتذهب حصتي المفقودة من النفط الى الجحيم. ليسرق الآخرون مايحلو لهم من اموال الفقراء والشعب المحروم من كل شيء . شعرتُ بسعادة كبيرة لانني لم اسرق يوماً ما شيئاً من الفقراء كما سرق الكثيرون من هذا البلد المقدس.
















