الطريق إلى جريدة الزمان – مقالات – ثامر مراد
تحدث أحياناً في الحياة حكايات تشبة الخيال وأحياناً تشبة ألأفلام الهندية كما يقولون وأحياناً أخرى تكون مثلِ سرابٍ يحسبهُ الضمآن ماء. الساعة الخامسة والنصف صباحاً خرجت من البيت كما إعتدتُ كل صباح للذهاب الى الكشك الشهير في ساحة النصر لشراء نسختين من جريدة الزمان كل يوم. واحدة لي وألآخرى لشقيقي الكبير. السماء ملبدة بالغيوم هذا اليوم والطقس يميل الى البرودة قليلاً على الرغم أن اليوم هو الحادي عشر من شهر نيسان ويُفترض أن يكون الجو معتدلا جدا.وقفت على حافة الشارع الطويل أنتظر أي عجلة تذهب الى ساحة النصر. إنتظرتُ أكثر من 10 دقائق وألأمتعاض يدب الى روحي رويداً رويدا. ألأنتظار يجعلني أفقد السيطرة على رغبتي الشديدة للحصول على نسختي هذا اليوم. ساورتني أفكار كثيرة . هل أعود الى فراشي المريح وأخلد الى نومٍ جميل ينسيني كل ساعات الحزن والهموم التي تغلف روحي كما تغلف أرواحا بشرية كثيرة تسير على الجانب الآخر من الطريق وهم يطرقون برؤوسهم الى ألأرض كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية. كانت نظراتي المرهقة تنظر الى أرقام ساعتي اليدوية بقلقٍ شديد كلما تقدم الزمن. صاحب الكشك – في ساحة النصر- أخبرني أنه ينتظرني الى الساعةِ الثامنة صباحاً – إذا لم أحضر فأنه سيبيع النسختان التي كنتُ أطلبها منه كل يوم. رجل شفاف يتعامل معي كأنه يعرفني منذ عشرات السنين. وصلتُ إليه ودون أن ألقِي عليه تحية الصباح طلبتُ منه النسختان المتفق على شرائهما كل يوم ” المعذرة لم تصلني صحف الزمان هذا اليوم..يبدوا أنهم نسونني هذا الصباح” . قال تلك العبارة وهو يدقق النظر في وجهي ليشاهد مدى تأثير هذا الكلام على نفسي. صرخت ” ماذا؟ هل تقصد أن مكتب الزمان لم يزودك بالصحف أنت فقط أم جميع المكاتب في بغداد؟” . أكد لي أن الصحيفة تم توزيعها ولكن الشخص المكلف بجلب حصتي نسي أو ربما كان هناك سبب آخر. شعرتُ كأنه يطعنني بسكين حاد في الجهة اليسرى من صدري. تراجعتُ الى الوراء مدحورا كجندي هرم يكاد يلفظ أنفاسه ألأخيرة. ركضت الى الجهة ألأخرى من شارع السعدون أنشد مكاناً آخر لبيع الصحف. دون سابق تخطيط توقفت سيارة – كامري بيضاء اللون بالقرب مني. شاهدتُ يداً بيضاء كبياض الثلج تشير إلي بألأقتراب بطريقةٍ مؤدبة.” عفوأً هل تعرف الطريق الى منطقة…….؟” قالت هذه العبارة ورسمت على شفتيها إبتسامة هادئة. دققتُ النظر في محيط عينيها شديدتي الزرقة فبدتْ لي كأنها لون سماء صافٍ في يوم مخملي.” …نعم..في الجهة ألأخرى من المدينة..لو لم أكن أريد الذهاب لشراء صحيفة الزمان لجئتُ معكِ لأريك المكان” . قلتً ذلك وكأنني تائهٌ في مساحات خضر. دون أن ترفع عينيها عن وجهي قالت بأنفعال” خذ ..هذه نسختان من الصحيفة وتعال معي لترينني الطريق فأنا تائهة هنا .” نظرت الى يدها اليمنى وهي تشير إليَّ بالصحيفتين وكأنني في كابوس جميل. في لحظةٍ زمنية سريعة جلست قربها وأنا أختطف النسختين من يدها. بسرعة البرق رحت أقلب الصفحات لأتأكد من نشر مقالتي عن – العم راضي- في الصفحة 5 . تنهدتُ بسعادة وأنا أردد مع نفسي بصوتٍ مسموع ” الحمد لله ..المقال منشور في الصفحة الخامسة” . ضحكت بصوت مسموع وهي تستفسر عن موضوع المقال وهل أنا أعمل في الصحيفة. شرحت لها كل شيء عن هوايتي الكتابية وعن إرتباطي الروحي مع الصحيفة وعن الكشك الذي يبيع الصحف وعن هبوط معنوياتي حينما أخبرني صحاب الكشك عن عدم مجيء صحف الزمان اليهِ هذا الصباح. تنهدت مرة أخرى وكأنها تطلق حسرات في مهب الريح. ” هل يوجد إنسان في هذا الزمن يقرأ صحيفة ورقية؟ وهذا الكم الهائل من ألأخبار والمعلومات في شبكة النت؟ ” قالت ذلك وهي تنظر الى الجهة اليسرى لتستدير حسب إشارة يدي. أردفت قائلة” هاتين الصحيفتين هي لوالدي …طلب مني أن أجلبهما له في طريق العودة. هو من الطراز القديم ويعشق قراءة الصحيفة في الليل.ساحصل على نسختين من مكانٍ ما. أرسلني هذا الصباح الى شركة” …..” ووصف لي المكان لكنني لستُ متأكدة من إستطاعتي الوصول اليها بسهولة. كان مجيئك معي شرف لي وسعادة كبيرة” .في التقاطع المزدحم توقفت في إنتظار علامة المرور للأنطلاق. سألتني عن موضوع مقالتي وإذاكان بألأمكان شرحها بطريقة مختصرة. شعرتُ بالكبرياء وكأنني طاووس يفتخر بريشهِ الملون. فسرت لها كل شيء مع إضافات لم تكن مكتوبة. سألتني عن كمية النقود التي تدفعها لي الصحيفة مقابل مقالة كهذه وشرحت أنها مجرد هواية تضيف اليَّ سعادة لاتقدر بثمن. ضحكت وهي تذكر لي أن هذا ضياع للوقت الثمين. دافعت عن نفسي بكل ما استطيع من تعابير راقية تبرر ما أنا أرمي اليه. إقترحت عليَّ شيءٌ لم أتوقعه.” حسنا بعد إيصال هذا الظرف الى مدير شركة ” …..” سأدعوك الى تناول فطور بسيط في البيت وسأعرفك على أبنائي الثلاثة ووالدي وسنتحدث في بعض ألأمور التي قد تجني من ورائها مالاً لاباس به إذا أعجبك . بعد الفطور سأنقلك الى المكان الذي تريده . ماذا تقول؟” . فكرتُ في طلبها أو إقتراحها وقلت مع نفسي لن اخسر شيء وأنا أنتمي الى فصيلة المتقاعدين الذين يحلمون بحصةٍ من النفط كباقِ أبناء الشعب ولكن إن هذا لشيء مستحيل. دون تفكير وافقت على إقتراح. من يدري ربما تكون مغامرة جديدة أجد عند خوضها مقالاً دسما أنشره مجاناً. سلمت الظرف الى مدير الشركة وعدنا نجوب شوارع بغداد المهشمة على الرغم من ملايين الدولارات المخزونة في مصارف كثيرة. عند طاولة الفطور في غرفة ألأستقبال الكبيرة جلسنا جميعاً بعد تبادل كلمات الترحيب. والدها كان إستاذا جامعياً في أحدى كليات الهندسة الكهربائية في بغداد. والدتها كانت مديرة مصرف في منطقة من مناطق بغداد. إبنتها الكيبرة تدرس في الصف ألأول كلية الصيدلة. إبنها الثاني يدرس في معهد النفط. ولدها الثالث الرابع ألأعدادي. زوجها متوف في إنفجار وزارة العدل. جرت أحاديث مختلفة عن الحياة في كافة جوانبها. عرضت علي تدريس ولدها مادة اللغة ألأنكليزية لأنه يشكو من تلك المادة مع العلم أنه متفوق في كافة المواد العلمية ألأخرى. عرضت علي مبلغا جيدا جدا لم أتخيله أبدا. تم ألأتفاق على كل شيء من بداية ألأسبوع القادم. خرجنا من البيت لتوصلني الى جسر الطابقين ومن هناك أستطيع الذهاب الى المنطقة التي جئتُ منها. حدثتني عن كل شيء فيما يتعلق بحياتها مع زوجها قبل أن ينتقل الى العالم الآخر. كانت في نهاية العقد الرابع من عمرها أنيقة بشكل ملفت للنظر. صوتها كسمفونية يعزفها أمهر العازفين في سكون الليل. حينما تضحك كنت اشعر أن لحناً لم يكن له مثيل من قبل كان قد وصل الى مسامعي. شعور غريب راح يخترق كل جزء من أجزاء جسدي المرهق. لاأعرف كـــــــيف ستكون النهاية؟ هل سيكون هــــــناك عشقٌ جديد أم مصالح مـــــادية مشتــــــركة ؟ أم هو حكاية خرافية كما يحدث في حكــــــايات ألف ليــــلة وليـــــلة؟ سنعرف ذلــــك بعد فتــــرة إذا كنـــــا على قيــــد الحياة.
















