الطب .. مهنة إنسانية أم تجارية ؟ – مقالات – شاكر عبد موسى الساعدي
تعد مهنة الطب من المهن المهمة في المجتمع ، لأنها تتعامل مع الحيوان والإنسان في آن واحد , والإنسان أكثر احتياجًا للرعاية الصحية لدوره الفاعل في المجتمع وبناء الحضارة الحديثة , فضلًا عن أهمية العمل الطبي الذي يتطلب أشد درجات المهنية والحرص والمهارة والعلم .
ولأهمية هذه المهنة فإن دراسة الطب هي الدراسة الأطول زمنًا والأكثر ساعات دراسية على مستوى جميع العلوم الأخرى , إذ تبلغ دراسة الطب على مستوى الدراسة الجامعية الأولى ست سنوات دراسية تليها سنتان تعليميتان للإقامة والتدريب في المستشفيات الحكومية .. وتكاد تكون مهنة الطب الوحيدة التي لا يتم التخصص الدقيق فيها إلا على مستوى الدراسات العليا، وهي أيضًا المهنة الوحيدة التي تتطلب من ممارسيها مهارات علمية وعملية فائقة قلما تتطلبها المهن الأخرى.ولمهنة الطب احترامها وتقديرها في نفوس الناس فمنذ القدم كان الكهنة يمارسون مهنة الطب في الحضارات العراقية القديمة , وهم من أعلى طبقات المجتمع آنذاك ، وحتى وقت قريب كان يطلق على الطبيب لقب الحكيم وهو ما يوضح مكانة الطبيب في المجتمع.
إنّ الطبيب ذو مهنة عظيمة ورسالة سامية تتطلب منه الأمانة والصدق والمهارة والدقة والإطلاع الدائم على أحدث ما توصل إليه العلم الحديث من تقدم علمي مما يفرض عليه عبئًا إضافيًا وعلى المجتمع مزيدًا من التقدير والاحترام له.
ومن الغريب أن يفحص الطبيب عندنا مئة مريض يومياً في عيادته الخاصة وهو يباشر العمل في الساعة الرابعة عصراً حتى الساعة السابعة مساءً أي يعطي من وقته دقيقتين تقريباً لكل مريض لاعتماده على تحاليل المختبر والأشعة والسونار والفحص ألسريري السريع في تسجيل الدواء للمريض.
إضافة إلى الصفقات المشبوهة التي تتم بين بعض ضعاف النفوس من الأطباء والصيادلة وشركات تسويق الأدوية التي يكون ضحيته المريض من ناحية سعر الدواء المباع الذي يتقاسم ربحه الطبيب والصيدلي ونوع العلاج الرديء الذي تسوقه مذاخر بيع الأدوية … وقد صدق الـــشاعر الفلسطيني محمود درويـــش 2008- 1942 حين قال .. عام يذهب وأخر يأتي وكل شيء فيك يزداد سوأًً يا وطني؟.خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي كان في مدينتي خيرة الأطباء الاختصاص من خريجي الجامعات العراقية والبريطانية أمثال أمين أجريذين – مسيحي وداود كبايه – يهودي كذلك سيد مصطفى السامرائي وعبد الحميد المؤمن وعبد الودود فرمان وخير الله فرج ووجنان حنا – مسيحيان وغيرهم , وكانت أجور الفحص 150فلساً ثم أصبحت 250فلساً ثم تدرجت بالصعود إلى أن وصلت إلى ما هي إليه الآن. قبلها كانت الأغلبية من الناس تعتمد على وصفات – مطشر الفريداوي – العشبية في دكانه المتواضع .قبل أيام راجعت زوجتي طبيبة نسائية في عيادتها الخاصة وكلفتنا المراجعة تلك مائة ألف دينار, تقاضت الطبيبة عن الفحص الطبي مبلغ (20) إلف دينار في حين كلفتنا الفحوصات ألمختبرية ( (15 ألف دينار بالإضافة إلى ( (15ألف دينار أخرى للكشـــــــــــف بجهاز السونار و (50) ألف دينار للأدوية
ومن ثم أن الطبيبة هي المستفيد الأول والأخير من هذه العملية كونها حولت عيادتها إلى مجمع طبي متكامل, فهي تمتلك العيادة وجهاز السونار والصيدلية
ويتكرر مثل هذا الموقف يوميا في عيادات الأطباء الخاصة، حيث عيادات الأطباء والصيدليات والمختبرات باختلاف أنواعها دون أن تكون هنالك أية رقابة تذكر من قبل نقابات الأطباء والصيادلة والأسنان .
إن الزيادات في أجور الأطباء الأخيرة اضطرت الكثير من العوائل الفقيرة للذهاب إلى العيادات الشعبية كونها أقل تكلفة كما أن أدويتها أرخص من الصيدليات الخاصة إضافة إلى أن بعض المرضى يفضل مراجعة عيادات طب الأعشاب للحصول على العلاج المطلوب لبعض الحالات لرخصها وفعاليتها والدعاية لها من بعض القنوات التلفزيونية العراقية والعربية, وأدويتها تباع في الأماكن العامة دون رقيب عليها.
أن ارتفاع الأجور انسحب كذلك على أطباء الأسنان إذ وصلت أجرة عمل الحشوة على مدى ثلاث جلسات بثلاث مئة ألف دينار وهو مبلغ كبير يثقل كاهل المواطن الفقير بسبب الظروف الحياتية والمعيشية الصعبة. لكن البعض من الأطباء عزا أسباب ارتفاع أسعار الخدمات في عيادات طب الأسنان إلى ارتفاع أسعار المواد المستخدمة في صناعتها كونها من مناشيء عالمية جيدة ولأن خدمات طب الأسنان ذات طبيعة جراحية وليست نظرية وتستدعي جهدا وتركيزا ومهنية ودقة في العمل، وإن ارتفاع أسعار الكشف الطبي في العيادات الطبية عموماً ناجم عن ارتفاع إيجار العيادات إذ يتراوح ما بين (750) إلف دينار والمليون دينار شهريا كونها تقع في مناطق تجارية يضاف إليها أجور الماء والكهرباء و المولدة الأهلية والسكرتير والمساعد فضلا عن الضرائب , متناسياً أن هذا المبلغ يحصل عليه بعض الأطباء في يوم عمل واحد فقط..إن تحديد أسعار الكشف الصحي للمرضى في العيادات الخاصة ليس من اختصاص وزارة الصحة وإنما من اختصاص نقابات الأطباء، وهناك اجتماع عقد بين النقابة ولجنة الصحة في البرلمان العراقي لبحث الموضوع , علماً إن وزارة الصحة تؤيد خفض أسعار الكشف الطبي للعيادات الخاصة لأنه سيقود إلى تقليل الضغط على المستشفيات الحكومية.وهذا يذكرني بمنظمة – أطباء بلا حدود – : وهي منظمة طبية إنسانية دولية قام مجموعة من الأطباء والصحفيين في فرنسا بتأسيسها عام 1971 , تقدم المنظمة الرعاية الطبية إلى الشعوب المتضررة من العنف أو الإهمال أو الأزمات في نحو (65) بلداً، نتيجة النزاعات المسلحة أو الأوبئة أو سوء التغذية أو الحرمان من الرعاية الصحية أو الكوارث الطبيعية.وقد يتناسى الكثير من الأطباء بأنهم وصلوا إلى ما هو عليه من مستوى علمي ومكانة مرموقة في المجتمع مستفيدين من مجانية التعليم في العراق بكافة مراحله , والبلد اليوم في حالة حرب شرسة ضد خوارج العصر- داعش وأخواتها – وعلى كافة الجبهات .. كذلك وطننا يمر بأزمة مالية خانقة تتطلب من الحكومة الاقتراض من البنوك الأجنبية أو السير في طريق التقشف وتقنين النفقات , وأخيرا أرى أن يتحلى أطباؤنا وطبيباتنا بأخلاق ومهنية – أطباء بلا حدود – لعل الله يرضى عنا وعنهم.

















