الصين تحتل الريادة وحبزبوز يوظّف الصفحة الأولى

الذكرى 83 لنشر أول كاريكاتير عراقي

الصين تحتل الريادة وحبزبوز يوظّف الصفحة الأولى

علي إبراهـيم الدليمي

 أكتسب فن الكاريكاتير شرعيته الصحفية منذ أمد بعيد جداً، إذ أشارت المصادر التأريخية بان أقدم ماعرف بعلاقة الكاريكاتير بالصحافة كان في الصين منذ أكثر من ألف سنة تقريباً، كما عرف الكاريكاتير في أوربا منذ بداية القرن التاسع عشر من خلال رواج الطباعة الغرافيكية على ألواح الزنك والأحجار الليثوغرافية.أما نشأة فن الكاريكاتير العربي، فقد كان مع بداية تطور الصحافة المصرية في ثلاثينيات القرن المنصرم، بما يمتاز للفنانين المصريين بروح النكتة ونفاذ الفكرة ورشاقة الخطوط ، فضلاً عن اسهامهم المتفاعل في عملية النقد الاجتماعي والسياسي الجاد بكل حرية وسداد.وقد أستخدم الكاريكاتير في الصحافة ،

كسلاح نقدي وتوجيهي مهم، يهاجم، يعظ، يستفز، يحرض، يعري، يستهزئ..الخ، متمتعاً بدوراً جماهيرياً وشعبياً كبيراً في استلهام ومعالجة وطرح الموضوعات الساخنة على الساحة بشكل ملحوظ.إلأ ان هذا الفن الرفيع لم يدخل صحافة العراق، إلأ من خلال بعض رسوم الصحف والمجلات الواردة الى البلد في العقد الثالث من القرن المنصرم..ولعدم وجود متخصصين برسم الكاريكاتير، فقد كانت تتم تقليد وتحوير هذه الرسومات (الأجنبية) بطريقة ما، وهي بالتأكيد لا تحمل في ثناياها روحية فنان، أو انها تنتسب بهوية خاصة.ويذكر ان أول كاريكاتير(عراقي) كان بمثابة اللبنة الأولى والأساسية لصرح الكاريكاتير في البلد، هو عبارة عن (موتيف) قد نشر يوم 29/9/1931، على صدر الصفحة الأولى لجريدة (حبزبوز) البغدادية الفكاهية، بهوية محلية جديدة، بريشة الرسام عبد الجبار محمود.وقد أنتقد في هذه الصورة التهكمية، حالة الانفلات الأمني الحاصل يومذاك التي كادت تؤدي بحياة نوري ثابت نفسه، صاحب جريدة (حبزبوز)، حيث أظهرته بملابس الفرسان الأوربيين، وهو يمتطي المدفع الفلكلوري (طوب أبو خزامة) المعروف لدى البغداديين، حاملاً بيده قلماً طويلاً كسلاح الرمح القديم، وقد التفت بوجهه نحونا بابتسامة ساخرة وهو يعلق عن محاولة اغتياله تلك من خلال حوار يضم سؤالاً وجواباً بلهجة (عراقية) عامية كتبت تحت الصورة كما يلي: شنو هاي حبزبوز، أشوفك راكب على طوب أبو خزامة، تريد تصير مثل سلطان مراد؟!..فيرد حبزبوز: لا مولانا لكن ما دام ابنص أوتيل أنضرب ست رصاصات، فمنا وغادي قررت بعد ما أركب بعربانة أو سيارة، بل أخذت هذا الطوب من وزارة الدفاع حتى أتجول عليه.. هم المسألة اقتصادية لان معلوم حضرتكم هنا يلهم التراب يصير بارود ويلهم الحجار يصير دان أي (قنابل)، أريد رجال الي يتجدم. وكان (نوري ثابت) قد تعرض قبل ان يصدر جريدته بأيام قليلة، وبينما كان يجلس في (أوتيل ما شاء الله) الواقع في محلة الحيدرخانة في شارع الرشيد الى محاولة اغتيال من قبل شخص أطلق عليه الرصاص فأخطاه.. ثم فر هارباً.وهكذا دبت (الموتيفات) الصحفية البسيطة والمقتبسة، لتأخذ حيزها المتواضع هنا وهناك في الصحف العراقية الأخرى، حينذاك على انها (كاريكاتيرات).ومع بداية تعدد الصحف والمجلات الفكاهية الهزلية، أتسمت هذه المدة بالتطور السريع لفن الكاريكاتير، وكانت أولها وأبرزها جريدة (حبزبوز) الساخرة، لمؤسسها نوري ثابت، التي كانت لها الريادة الصحفية الصحيحة في تطور رسم هوية وملامح فن الكاريكاتير (الناقد) على الصفحات الأولى من أعدادها، وفي المجالات السياسية والاجتماعية العامة، وكانت بعض من رسومه الهزلية يوقع عليها بالحرفين الأولين من اسمه (ن.ث) وعلى أثر تفاعل الجريدة والمجتمع، فقد تعرضت للاغلاق مرتين بسبب نشرها رسوماً ساخرة تنتقد الاوضاع المتردية السائدة وقتذاك، غير انها توقفت نهائياً عن الصدور عام 1938 أثر وفاة صاحبها… وكان أول من رسم لهذه الجريدة هم كل من الفنانين: عبد الجبار محمود وناصر عوني وسعاد سليم وحميد المحل وسامي سامي، كذلك الفنان الاكاديمي المعروف فائق حسن الذي رسم الكاريكاتير في حقبة مبكرة من حياته التي قضاها في الرسم أثر رجوعه من فرنسا.إلأ ان أول من رسم كاريكاتير بطابع عراقي وهويه محلية خاصة، هو الفنان الشعبي الشهير (غازي عبد الله) التي نالت رسوماته الساخرة بذكاء جداً، استحسان واعجاب كبير من ابناء الشعب العراقي كافة من شماله حتى جنوبه، فقد كان يرسم بروحية صادقة وانسجام متكامل مع مايرسمه بتقاليد وبيئة وأمثال وأغاني الفلكلور الشعبي العراقي، وقد ظل يرسم منذ نهاية الاربعينيات حتى وفاته عام 1999، حيث أثرت تجربة رسوماته المثيرة على الرسامين الآخرين من بعده .. إلأ ان طابع سخريته لها نكهة خاصة ومتفردة لايبتكرها غيره، فقد كان بحق مدرسة متكاملة للكاريكاتير العراقي، والعربي عموماً.وما بين مدة منتصف الستينيات حتى السبعينيات، برزت نخبة جديدة من رسامي الكاريكاتير الشباب (المتخصصين)، وهم يحملون أفكاراً واعية ورغبة جامحة بتجسيد واستلهام الواقع الاجتماعي والسياسي، كل له رؤيته الخاصة في عملية الترجمة الموضوعية، وكل يبحث ويؤسس أو لديه أسلوبه الفني الذي يميزه عن الآخرين، حيث الأختزال في الخطوط ، والمتعة في المشاهدة، ودغدغة المشاعر والاحاسيس، وقد أثبتت رسوماتهم حضورها الجماهيري الواسع والفاعل .. ونستطيع ان نطلق عليهم، ان جاز التعبير، بالرعيل الثاني وهم كل من الفنانين: نزار سليم وعامر رشاد وعادل شنتاف وبسام فرج وفؤاد حسون وضياء الحجار ومؤيد نعمة وعبد الرحيم ياسر ومنصور البكري وفيصل لعيبي ورائد نوري وموسى الخميسي ورضا حسن وخضير الحميري…وآخرون، وما يزال بعضهم يزاول رسم الكاريكاتير في الصحافة.ومع بداية الثمانينيات، برزت مجموعة أخرى من رسامي الكاريكاتير، يحملون السمة المتميزة بهذا الفن ويتمتعون بمواهب فنية وفكرية حاذقة، مكتسبينها من الجيل الذي سبقهم، بل ومتواصلين معهم وهم كل من الفنانين: علي المندلاوي وعبد الكريم سعدون وعلي الدليمي وشيرين الراوي وعباس فاضل وكفاح محمود وعاصم جهاد وعبد الحسن عبد علي وحمودي عذاب وناصر ثامر وطالب جبار وفاضل طعمة وصلاح زينل وشهاب الحميري وجمال عبد الجبار ووليد نايف وبربن وأكرم سالم..وآخرون كثيرون.ومن ثم في العقد التسعيني، حتى الآن برزت أسماء كاريكاتيرية كثيرة جداً ورائعة ومتفاعلة مع الأحداث السياسية والاجتماعية المحلية والعالمية، ومن أبرزهم كل من الفنانين: أثير ساطع وأحمد الربيعي ومحمد الجبوري وبرهان المفتي ويوسف فاضل وعادل صبري ومنصور غانم وأركان الزيدي ومحمد العدواني وسلمان عبد وسرمد عباس وخالد فرج وعبد الحليم ياسر وعلي عاتب ومحمد السويدي..وآخرون، أعتذر لطول قائمة أسماؤهم، وقد سأمر على تجاربهم جميعهم في ملف خاص.والجدير بالذكر ان أغلب رسامي دار ثقافة الاطفال في (مجلتي والمزمار) منذ تأسيسها عام 1968، حتى الآن يمارسون رسم الكاريكاتير، اضافة لعملهم في رسوم الاطفال، كون العمل فيهما متقارب شيئاً ما. ولم يقتصر فن الكاريكاتير في العراق على الصحافة فقط، بل كانت له معارضه المتخصصة والشاملة على قاعات العرض التشكيلية، وعلى الهواء الطلق.. فضلاً عن المشاركات الدولية، وحصاده جوائز متقدمة في المحافل العالمية.. كما أنبثقت لجنة الكاريكاتير في نقابة الصحفيين العراقيين عام 1985، لجمع شمل (الكاريكاتيريين)، وكانت لهذه اللجنة نشاطات جميلة وعديدة داخل وخارج العراق.. إلأ انها توقفت بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003.