الصبر طيّب – جواد غلوم

الصبر طيّب   –  جواد غلوم

من البديهيات التي نعرفها عن معنى الدولة الحديثة المدنية ويعرفها العالم المتحضر وحتى الدول التي تحبو للارتقاء والنموّ هي ان الدولة عبارة عن تشكيلة هرمية مركزية تبدأ اولا من الدستور الذي يعدّ سيّد القوانين ويمنع المساس به او اختراقه والتجاوز عليه والقفز على موادّهِ  الاّ عند الضرورات القصوى بشرط ان تشكل لجان قضائية وسياسية نزيهة جدا لتعديله وفق مقتضيات المصلحة العامة للوطن ومواطنيه بحيث يتماشى مع التطورات التي تحصل على مرّ الزمن ليتواءم مع المرحلة التي نعيشها

ويلي الدستور في الاهمية والاعتبار السلطات الثلاث المستقلة تماما وهي السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية وهذه السلطات هي عماد الدولة التي يتحتم ان تكون مستقلة ويمنع ان يتدخل من هو خارجها في تغيير اطرها وسياستها حتى لو كان رأسا نافذا في الدولة ، فلا يحق لرئيس الوزراء – على سبيل المثال – ان يدسّ أنفه في شؤون القضاء وتغيير البنود القضائية والقانونية والعقاب وتمديد العقاب او تقصيره او الغائه بايّ ظرف كان لاعتبارات المحاباة والمعاداة مثلما لايحق لرجال السلطة التنفيذية مهما علا شأنهم ات يكونوا مشرّعي قوانين كحال البرلمانيين الذين هم وحدهم من يصدر القوانين التشريعية لأجل ترسيخها والاستفادة منها في تنمية وتطوير الخدمات بأنواعها للمواطن وللوطن معاً.. ولتعلم الشعوب كلّها وأخصّ بالذكر شعوبنا العربية وتحديدا شعبنا العراقيّ ان كل العاملين في تلك السلطات الثلاث هم خدمٌ بما في ذلك كبير الخدم وهو رئيس الجمهورية وهؤلاء كلهم بلا استثناء طوع أمر السلطان الذي يسمّى ” الشعب ” وكل المؤسسات العاملة في هيكل الدولة بدءا من القاعدة حتى الهرم لايعدو كونهم عقول وأيادي تنفذ مايريده هذا السلطان الكبير المتمثل بالشعب ، ورأس الهرم سواء كان رئيس الجمهورية في النظم الجمهورية أم رئيس الوزراء في النظم الرئاسية ومايليهم من وزراء ووكلاء وزراء ونوّاب الشعب في البرلمان والقضاة الاعلون والأدنون هم بلا استثناء ايضا طوع امر السلطان الاكبر المسمّى الشعب.

هذه البديهيات الظاهرة للعيان في علم السياسة هي من ترسم ملامح الدولة الحديثة المدنية القائمة على قاعدة الديمقراطية الحقيقية لا المشوّهة وحرية اختيار من يمثّل الناس في دورات انتخابية كل بضع سنوات لاختيار الاصلح والأكفأ ليقوم بدور الخادم المطيع لا السيد النافذ المخيف المرعب الذي تهابهُ الاكثرية وكل ماعدا ذلك هو امتطاء السلطة وركبها واغتصابها دون وجه حقّ وماعلى السلطان الاكبر المتمثل بعموم الشعب هو الاطاحة به ومحاسبته وسلب صلاحياته وإنزاله من سلّم السلطة عنوةً ، ففي النظم الحديثة الراقية يكون البقاء للأصلح والأجدر والأعدل وليس للأقوى والأشرس كما في الدكتاتوريات والملكيات المطلقة غير الدستورية وغيرها ، فلا امتياز أو حظوة أو اكتناز مالي لمن هم برأس الهرم السياسي ، فلكل حسب عمله وفقا لمقدار جهده وسعة خدماته وتفانيه ورقيّه العقلي وخبرتهِ وتحصيله العلمي ومهارته التكنوقراطية التي يقدّمها خدمةً لمواطنيه وشركائه في الوطن دون اعتبارات طائفية او إثنية أو عِرقية تميّز هذا عن ذاك وتلك الشريحة السكّانية عن الاخرى  .

بعد كل ماذكرناه  نتساءل ؛ اين نحن من هذه الأطر العامة والملامح الواضحة لمثل هذه الأنظمة الحديثة مما يجري في بناء دولة المؤسسات في العراق ؟! ، حتما سيكون الجواب مخيّبا للآمال .. لماذا لايعبأ سياسيونا بالدستور من خلال القفز الدائم على بنوده ومواده على طول الخط ومن كل الاطراف النافذة في السلطة طالما انهم كتبوه من خلال لجانهم المتخصصة مع اننا نعرف ان كتابته كانت متعجلة جدا وغير مدروسة دراسة وافية وتتخلله الكثير من الهنّات والعيوب والألغام الفكرية وعُرض على الشعب بصيغة لفائف وجبة سريعة وعلينا ان نهضمه ونستسيغه ونصوّت عليه رغما عنا لأننا كنّا ومانزال جوعى لحكم مدنيّ ومتعطشين للحرية ونلهف لايّ دستور مهما كان متعثرا وهكذا كان، فمازالت اورام الدكتاتورية ولسعاتها تكوي ابداننا ؟؟ رغم مرور اكثر من عقد من السنوات على طمرها ودفنها الى الأبد

لنكن صريحين باننا لانحسن بناء صرح الدولة الحديثة فمازالت جدراننا مائلة ومعوجّة لسبب بسيط جدا وهو ان نخبتنا الحاكمة تفتقد المهارة والدربة والحنكة السياسية وجُلّهم لايريدون الخير والنماء لأهلهم فكلّ همهم ملء جيوبهم وتعزيز مطامحهم الضيقة فامتهنت اللعب على حبال الطائفية وبثّت الكراهية بدلا من المحبة ونفثت الدخان الخانق  عوضا عن نسائم الحرية العليلة وزرعت الشوك الواخز في طريق مستقبلنا بديلا عن الورود والأعشاب الخضر ، فمازال طريقنا طويلا وأطول مما نتخيّل والآمال التي نتطلع اليها غائمة ولم تظهر للعيان بعد .. اصبروا وصابروا فالصبر طيّبٌ يا أحبّتنا سكّان وادي الرافدين  كما يقول أهل الكنانة .