الشيوعيون نشطوا في المدينة ومعهم إسلاميون بصبغة طائفية وقوميون وجدوا في النازية حلاً لمواجهة السوفييت

الشيوعيون نشطوا في المدينة ومعهم إسلاميون بصبغة طائفية وقوميون وجدوا في النازية حلاً لمواجهة السوفييت
تمور سوق الشيوخ بلغت 550 صنفاً أشهرها الخضراوي والقنطار والشويثي والبرحي والخستاوي والبريم والاستعمران والزهدي والديري
إبراهيم الولي
التيار الجديد الذي شهدته المدينة هو فهو الدعوة الى الشيوعية تحت مسمى الإشتراكية، فجأة وجدنا من يدعو لحضور إجتماع سري لشرح مفهوم الشيوعية وكيف أنها تعطي ببساطة لكل حسب حاجته وتأخذ من كل حسب طاقته، وكانوا يرددون قول لينين أن الدين أفيون الشعوب وما الى ذلك من تعاليم اللينينة الماركسية. وعلى الرغم من مناهضة الغرب للتعاليم البلشفية، إلا أن تحالف الغرب مع الإتحاد السوفييتي في مواجهة المانيا النازية كان يحمل الإنجليز أو الحلفاء في العراق على غض النظر عن نشاطات الشيوعيين حينئذ، ريثما ينتصر الحلفاء فيما بعد فيظهر العداء الى العلن. على أي حال، كان هذا التيار الدعوة للشيوعية نشطا في سوق الشيوخ والناصرية. وكان دعاته من المثقفين في المدينة الذين كان بعضهم يحاول أن يوهم غير المتعلمين بأن الدعوة للشيوعية إنما تعني الدعوة الى الشيعية وذلك لإغرائهم بالإنتماء الى الحزب.
أما التيار الذي يصنف بأنه رجعي بعكس التيارات الأخرى التي تعتبر تقدمية، فهوالتيار الديني الذي يحرص على ممارسة الشعائر الدينية والإلتزام بها. وقد كان هذا التيار مدعاة عند البعض لزرع الطائفية والفرقة بين المسلمين، ولا أعمم ذلك.
على أن تيارا قوميا قد برز في تلك الفترة ينتصر لألمانيا النازية، ليس حبا بهتلر بل بإعتبار عدو عدوي صديقي… لقد كنا ونحن صغار نتصور أن في النازية مخرجآ من ذلك الوضع السياسي، فكنا نستمع الى إذاعة برلين وصوت مذيعها العراقي يونس بحري يلعلع في المقاهي. ليس هذا حسب، بل لعلنا كنا نترقب على الراديو خطب هتلر بالألمانية التي لا نفهمها ولكننا كنا مأخوذين بحماسته وصوته القوي. هذا التيار القومي ساد بين الكثير من العراقيين عامة وبضمنهم أهل سوق الشيوخ.
وأخذ التيار القومي يتلمس في الحركات القومية في الغرب مثالا يمجده ويحتذيه لعله ملاقٍ فيه مخرجاً من الضياع. ولهذا نجد أن المناداة بالقومية العربية والعودة الى الأصول قد إنتعشت وأدخلت الروح العسكرية الى مدارسنا عن طريق الكشافة والفتوة واللباس الموحد والتدريب على التمارين والممارسة العسكرية البسيطة.
هكذا كان الجو السياسي في سوق الشيوخ، فالناس بين متأبط، فكرًا، كتاب كفاحي لهتلر وبين رأس المال لكارل ماركس، أو المادية التاريخية وتعاليم لينين. أو داعيا الى القومية العربية أو الى الأصول الدينية، ولم يكن الفكر البعثي قد تبلور أو ظهر للساحة السياسية بعد.
الحياة الاقتصادية
أهل سوق الشيوخ الكرام جلهم عمال وكسبة ومن ذوي الحرف الذين يعيشون على عملهم اليومي دون أن يكون لهم أي ضمان أو توفير للمستقبل عند تعطلهم عن العمل أو تقاعدهم. وقلة قليلة تعمل في وظائف حكومية على ندرتها. كما نشأت طبقة صغيرة من التجار و ملاك العقار أو الأراضي الزراعية وهي البساتين التي تحيط بالمدينة من كل جانب وهي في الحقيقة بما تنتج تكون محور الحياة الإقتصادية للمدينة.
هذه البساتين الكثيفة ذات الإنتاج الغزير من التمور الجيدة التي يستهلك بعضها محليا ويصدر أكثرها الى داخل العراق أو خارجه بواسطة شركة بريطانية مقرها البصرة وإسمها بيت اللنج . وأشهر تلك التمور هي الخضراوي والقنطار والشويثي والبرحي والخستاوي والبريم والأستعمران والزهدي والديري والحابسي والمياسي وغيرها حتى بلغ عدد اصنافها 550، وقد قدٌر عدد نخيل العراق في القرن الماضي ب 35 مليون نخلة لم يبق منها عبث الإنسان سوى 14 مليون.
أشرف الشجر
النخلة… هذه الشجرة الجميلة الرشيقة المباركة الصابرة على ملوحة التربة، كريمة في عطائها، فهي تعطينا تمرًا لغذاءنا ونصنع من سعفها عندما يكون بعد طريا مادة للنجارة. وأما جريدها فتصنع منه أسرّة النوم والكراسي. وأما أوراقها الخوص فيستعمل في صناعة المهافيف المراوح اليدوية والزنابيل السلال الصغيرة وسفرة الأكل. أما إذا ما جفٌت السعفة فهي خير وقود لإعداد الطعام، كذلك نفعل بكربها، وأما جذعها فيستخدم في بناء سقوف المنازل و كمعابر على قنوات المياه في البساتين.
ومن شغفنا بالنخلة المباركة فقد سمٌينا حديثة العهد منها بالنشوة، أما الصغيرة الرقيقة فهي لينة سورة الحشر الآية 5 مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّـهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ . وإما إن طالت كثيرا فإنها عيطة . كما أننا نسمي ما ينمو من أبناءها فسيلا وهو ما نقل الكثير منه الى الخليج العربي وكاليفورنيا في الولايات المتحدة خصوصا البرحي منه. وكل مرحلة من مراحل إنتاجها لها إسم، فهي في أول الموسم تدفع بالطلع ونسميه الطليّع فإن تلقحت كبرت حبات الثمرة فسميناها حمبوبوك ثم جمري في المرحلة التي تليها وتكون خضراء لا تؤكل. فإن نضجت وإصفرٌت فتصبح خلال بتضخيم اللام، فإن نضج نصف هذه الثمرة الأسفل أصبحت رطباً وهو ما يصلح للأكل. فإن تركناه في عثوقه وهو القنوان الدانية سورة الأنعام وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَ لِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فقد صار تمراً وهو الناتج النهائي. أما إذا لم تلقح النخلة فستحمل حشفاً لا يؤكل وهو الذي يضرب المثل برداءته حين نقول مستنكرين عند شراء بضاعة رديئة نوعاً وكيلآ أحشفاً وسوء كيل ونحن نحفظ التمر بكبسه في سلال مصنوعة من سعف النخلة، حيث يرصٌ التمر بما نسميه الكوصره ليستهلك في موسم الشتاء أو ليصدرالى بلدان الخليج العربي أو في داخل العراق. ومن وسائل الحفظ الأخرى أننا كنا نسلق الخلال بتضخيم اللام الأصفر والأحمر قبل أن يرطّب وننشره في الهواء تحت أشعة الشمس حتى يجف تماما فتتجعد قشرته الخارجية بفعل تبخر السوائل منه فتكون حلاوته عالية بفعل تركز المادة السكرية، وهذه الطريقة تبقي الثمرة صالحة للخزن وللأكل حتى بعد سنين ونسميها خلال مطبوخ ولا يفوتني ذكر الديري فهي تمرة جافة كنا نملأ جيوبنا منها عندما نذهب للعب. وما أكثر إستعمالات التمر في صنع الأطعمة. تصنع منه حلاوة تسمى الشعث وذلك بخلطه مع قليل من الزبدة ليطهى على نار هادئة، وتقدم هذه الحلوى في شهر رمضان المبارك. كما تصنع من التمر الكليجة العراقية الشهيرة وذلك بحشوه بعجينة من الطحين والدهن. وبالإضافة لما تقدم فإن التمرة مخلوطة بالسمسم والكزبرة والهيل بحيث يغمر الخليط في قليل من الدبس فيكون المعسَل وهو مربى التمر. أما الدبس فهو عصارة التمر أو عسل التمر الذي نحصل عليه بوضع إناء تحت كمية مكبوسة من التمر لنجمع ما يقطر منه، كما يستخرج تجارياً بغلي كميات من التمر وعصرها ألياً. بقي أن أذكر أن نسيج الألياف حول جذع الشجرة يستفاد منه في حشو المقاعد. وتظل النخلة كريمة حتى بعد موتها، إذ تعطينا في قلبها كتلة من السليولوز حلو المذاق هو الجمّار . وأخيرا وليس آخرا، فإن نواة التمرة الفصمة هي خير غذاء إذ تستخدم كعلف جيد للحيوانات كالأغنام والأبقار. ولقد كان النوى يصدر، لهذا الغرض، الى بلدان الخليج العربي في ذلك الوقت فهو مصدر مهم للبروتين. ومعذرة إن أطنبت في تفاصيل حبيبتنا النخلة، ولي عذر في شجرة ذكرها الله سبحانه وتعالى عشرين مرة في محكم كتابه الكريم، وقال فيها نبينا الكريم صلٌى الله عليه و سلٌم أكرموا عمتكم النخلة فانها خلقت من فضلة طين أبيكم ادم .ولقد صدق الشاعر أبو العلاء المعري حين زار العراق قائلا
وردنا ماء دجلة خير ماء
وزرنا أشرف الشجر النخيلا
وفوق هذا فإننا نشبٌه بلدنا الحبيب العراق بالنخلة لثبات أصولها وجذورها ووفرة عطاءها.وحلاوته.
فواكه وخضار ولحوم وأسماك
فلٌاحو المنطقة، عدا الحساوية، كانوا يأنفون من زراعة الخضراوات فهذا النوع من الزراعة،عدا النخيل، يحط من قدرهم في نظرهم، فهم يفضلون شراءها من مصادر أخرى، وكانت هذه الخضراوات كالطماطم والباميا والباذنجان وغيرها تأتينا من منطقة الفضلية التي تقع بعد أم العباس الى شمال المدينة.
وقد إعتادت الأسر هنا على إستغلال فترة وفرة هذه الأنواع من الخضراوات وتدنٌي أسعارها فكانت تعمل على تجفيفها بنشرها في الشمس حتى تجف ثم تحفظ بعدئذ في الظل معرضة للهواء كي يعاد طبخها في فترات ندرتها. بنطبق ذلك على معجون الطماطة، حيث تعصر نساء العائلة كميات كبيرة من الطماطة الحمراء الناضجة في أوانٍ واسعة حتى تنفصل عنها القشرة فيضاف الملح للخليط الذي بكون قد تجانس نتيجة لعملية العصر. بعدها يصب الخليط في اوان مسطحة ويترك في الشمس ليتبخر بعض الماء منه، ثم يحفظ الناتج وهو معجون الطماطة لحين إستعماله.
وفيما عدا النخيل، فإن أنواعا أخرى من الفواكه تزرع وتسوٌق في المدينة كالعنب والرمان والمشمش والتين وبعض الحمضيات مثل الأطرنج الحامض الدمبلان . أما ما نراه في السوق من الرقي والبطيخ والتفاح والبرتقال والموز فتلك تكون مستوردة من ديالى أو من كربلاء أو سامراء.
كانت اللحوم الحمراء متوفرة وكذلك الأسماك النهرية سواء من نهر الفرات أو من هور الحمّار القريب. وهي بمعظمها من البنٌي والشبوط والكطان والصبور. ولكي أعطي فكرة عن أسعار السمك.. أذكر أني كنت أرافق والدي لشراء السمك من العلوة ومن مرار فذلك إسم البائع، وكنت أبلغ من العمر حوالي السبع سنوات، فكان البائع يقول لأبي أن الصبور اليوم الثلاثة بفلس واحد….فتصور عزيزي القارىء كانت بقية أنواع السمك متدنية السعر كذلك خصوصا في موسم الزرٌة أي تكاثر السمك، ولهذا كانت العائلات تشتري كميات كبيرة من السمك لتجففه مع الملح في أشعة الشمس كي نأكله عند ندرة المحصول. هذا النوع المجفف كان يسلق بالماء مع قليل من الزيت والبصل وبعض البهارات وتسمى هذه الأكلة المسموطة ، فإن نزعت أشواك السمكة فنحصل على المرق وإسمه مهروثة وكانت من الوجبات المحببة لنا. وبالمناسبة، فقد وجدت خلال عملي في السويد، أن القوم هناك يأكلون السمك المقدد بنفس الطريقة بعد نقعه في الماء لعدة أيام خلال أعياد الميلاد ثم يطهى بعد ذلك. كما وجدت الفرنسيين يستهلكون السمك المجفف المحفوظ لمدة طويلة في الطحين وإسمه باكالان . إذن فليس لأهل بغداد الحق أن يعيٌروننا بأكل المسموطة التي يدٌعون أنها سمك جائف فاسد . الفرق بيننا وبين السويديين والفرنسيين أن السمك في سوق الشيوخ نهري وهو إما بنِي أو صبور بينما سمكهم بحري. وهكذا تتمكن العائلة من تقديم السمك في وجبة الغداء الى جانب أنواع أخرى من الطعام إن تيسرت. أما في أيام البرد القارص و المطر فكانت وجبة الغداء تتكون من الخبز اليابس يطبخ مع الزيت والملح والحامض ويقدم ساخنا ويسمى محروق إصبعه . أما وجبة الإفطار فكانت تتكون من الشاي والخبز وأحيانا البيض أو القيمر. أما الغداء ففيه نوع من مرق الخضراوات أو السمك، و أما العشاء فكان يحتوي على الرز والروبة اللبن الرائب والفجل. ونادرا ما نحصل على لحم البط الخضيري شتاءا، وهو الذي يطير من موطنه روسيا وإسكندنافيا ليحط في مياه الهور. ولا يفوتني وأنا أتحدث عن الطعام أن أذكر طرشي الشلغم اللفت والشوندر البنجر أو الشمندر والجزر فقد كان هذا الخليط المكبوس يثير الشهية بلونه الأحمر القرمزي. وكانت منتجات الألبان كالحليب والقيمر والزبدة والروبة متوفرة ومصدرها الجواميس التي كان أصحابها يرعونها في منطقة البركة حيث وفرة المياه.
أما التكيّ الأحمر والأبيض وهو نوع من التوت Berry، فكان يكثر في موسم الفيضان وكذلك النبق وأخيرا وليس آخرا الخرّيط بضم الخاء وتشديد الراء، وهو مسحوق أصفر اللون يجمع من نباتات القصب عندما تكون غضٌة وأولها العنقر فأما المسحوق فهو نتح القصب، ويبدو أنه يغلى مع بعض السكر ليكون هذه المادة التي لم أر مثيلا لها في أي مكان آخر.
/6/2012 Issue 4221 – Date 9 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4221 التاريخ 9»6»2012
AZP07