
ولادة في جدار لعبد السادة جبار
خطاب العتبة وإيحاءات الإستهلال
محمد جبير
ان الاصرار على تجسيد الاحلام كفعل واقعي لن يكون امرا مستحيلا لاسيما اذا كانت تلك الاحلام تعتمد على الخلق والابتكار وليس على التمنيات المستحيلة من دون عمل دؤوب يغني حياة تلك الاحلام ، فكيف اذا كانت تلك الاحلام من نوع التميز في الكتابة او بلوغ الشهرة ، تلك كانت ثيمة من ثيمات مجموعة ” ولادة في جدار ” للقاص عبد السادة جبار. “كان حلمهم أن ينشروا سطرا ، لكن الأبواب موصدة ، اليوم يكتبون ويطبعون .. الا هو لم يجد رغبة تدفعه ليفعل ذلك ، ترك قصصه مدفونة في الدفاتر ،كانت فكرة الجدوى تقيده تعذبه وترهقه وتجفف مداد قلمه .. شعر وهو يستذكر ويناقش هذا كأنه متفق مع الهاجس الجديد الذي استيقظ للتو .. كل فايروس يمكن الشفاء منه .. ولكن هذا لاعقار له “” ص80 – فايروس .”ف “ثمة وعي يسبب عذابا” “ص87 نفســـه “. يتضح مما تقدم ان الكتابة ليست بالامر الهين ولا يمكن ان تكون مستحيلة ،على الرغم من انها فايروس يصيب خلايا الوعي الحاد الذي يقتنص المشهدية العامة ويجسدها كمشهد ابداعي من المرئي العياني الى المرئي الحروفي المتجسد في الذاكرة المتلقي التي قد تضيف او تحذف زوائد المشهد الواقعي الذي لا ترى فيه شيئا من الابداع الجمالي ، او يعكر صفو الخطاب الحكائي للنص .
ولا يمكن للنص السردي ان يكون نصا فكريا مجردا لا يثير اسئلته الاشكالية في معنى وجوده الانساني وفي معنى جدوى الافعال التي يريد ان ينهض بها وتجسد انسانيته الخلاقة ، لذلك يكون استهلال هذا النص ، استهلالا محفزا ” في لحظة ما شعر عمار محسن رسن أن الوجه الذي ينظر اليه في المراة هو غير الذي الفه ” ص79- نفسه”. حيث من هذه اللحظة تبدأ رحلة الجدل الذاتي بين الوجه والاخر بين انا الكاتب في ” مخزن الذاكرة” و ” شاشة الحاضر ” ” قصة تلك الاحلام –ص 55″ لتكشف عن العذابات الذاتية وهي ليست عذابات افتراضية وانما معاناة متجسدة في الفعل الانساني اليومي ، فتلك الاحلام امنيات كان يفترض لها ان تتجسد في فضاء الحرية الجديد ، الا ان هذا الفضاء كان سرابا خادعا لسرب الحمامات التي حلقت فوق ارض الاحلام .
فقد تكثف خطاب الاستهلال السردي في المشاهد الاستهلالية او الافتتاحية للنصوص ،أذ بدت تلك المشاهد مكثفة ومعبئة بما يستفز ذاكرة المتلقي على مواصلة متابعة القراءة ، وهذه البنية الاستهلالية في النص القصصي لاتختلف كثيرا عن بنية المشهد المسرحي الاستهلالي الذي يشد انتباه المتفرج في تقديم خلطة بصرية متكاملة من ضوء وظل وصوت وحركة وفعل درامي لتركيز بصر المشاهد على بؤرة مركزية وعدم تشتيت الانتباه اذ تكون لكل علامة بصرية في المشهد الافتتاحي دال مؤول في متن الحكاية المرئية على خشبة المسرح ، وهو في ذلك يستثمر طاقة الفعل والايحاء الدال في المشهد الافتتاحي لنص ” غابة في الفضاء” الذي يكاد يجمع ويبئر الخطاب السردي برؤية جمالية مكثفة للخطاب الحكائي في مجمل نصوص هذه المجموعة القصصية ، فقد نص المشهد الافتتاحي على الاتي “بعد حبس طويل في قفص صغير .. أطلق صاحب المنزل حمامته الوحيدة الى الخارج من أجل اعادة ترتيب المكان استجابة للظروف الجديدة ” ” ص-9 – غابة في الفضاء”.
نلمس من هذه الجمل القصيرة اشارات دلالية لمتغير آني ، الا ان هذا المتغير الحلم الذي كان ينتظره الاباء قبل الابناء عبر فعل ” العبور من ضفة الاستعباد الى ضفة الحرية ، لكن يبدو ان ما كافح من اجله الاباء جاء منقوصا او مغتصبا وهو ما تجسد كدلالة رمزية في فعل اطلاق الحمامة ، وما يشير اليه هذا الفعل من دلالات ايحائية ، ارتفعت بالاني الى مستوى الترميز لدلالة على حجم الخراب والدمار الذي تم في فضاء الحرية ، وقد تمسك الكاتب في جملة الاستهلال بتقديم الاسناد للعلة والمعلول في الفعل السردي لاضفاء الواقعية على حركية الفعل السردي الا انه من جانب اخر خلق بنية ترميز لبنية الخطاب الحكائي الدال في هذا النص او في النصوص لاحقة من هذه المجموعة.

















