الشاعر صلاح نيازي في غربته الذاتية والموضوعية
السيرة الحياتية غصن مطعم في شجرة غريبة
شكيب كاظم
هذا كتاب قرأته ثلاث مرات، الاولى يوم نشرته جريدة (العالم) العراقية مسلسلا بداية شتاء سنة 2013، وثانية قرأته يوم اعادت دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع ببغداد، نشره بعد ان كانت طبعته الاولى قد صدرت عن مؤسسة الانتشار العربي قرأت منه نحو مئة صفحة، وشغلتني شواغل الدنيا عن اتمامه، لأعود ثالثة اليه.
مجلة المثقف
ويوم نشر مسلسلا، اعرت الجريدة لاكثر من صديق لغرض قراءة فصوله، لان هناك ما تشبه العلاقة الروحية بيني وبين الشاعر والمترجم والاذاعي صلاح نيازي، فلقد كنا نقف مبهورين ونحن نراه، هذا المذيع الذي نسمع صوته من دار الاذاعة العراقية، كنا في الدراسة الابتدائية، وهو في ميعة الشباب وريفه طالبا في كلية الآداب، ومذيعا، وفي نهاية الخمسينات وكنت طالبا في المتوسطة، تعرفت اليه شاعرا من خلال مجلة (المثقف) وهي مجلة فكرية عامة، كما كتب على غلافها الاول، وكانت تصدرها جمعية خريجي معاهد الولايات المتحدة الامريكية ومنتسبيها في العراق وتولى رئاسة تحريرها الدكتور مهدي مرتضى وصدر عددها الاول في شهر تشرين الاول سنة 1958، لنقرأ في عددها الثاني قصيدة لصلاح نيازي عنوانها (اطلال وعينا رفيق)، وفي العدد السادس قصيدة اسماها (الحلم الغريزي وتموز) اهداها لزوجته ولحصول اخطاء طباعية فيها يُعاد نشرها في العدد االذي يليه مع اعتذار المجلة اليه، وفي العدد العاشر، تموز 1959 كانت له قصيدة وسمها بـ (الباخرة تبحر) اردفها في العدد الثالث عشر بمقطوعة شعرية عنونها بـ(باقة فرح) ويظل يواصل النشر، في مجلة اتحاد الادباء العراقيين، هذه القصائد وغيرها ستجلب اليه الويل والثبور، ولولا صديق طفولته الضابط الكبير، الذي كان له مركز مهم في الوضع الذي اعقب الجمهورية الاولى، لكان ذاك القمئ قد فعل به الافاعيل! بسبب انطلاق شراسة الانسان وانقسام المجتمع اثر ذلك اليوم التموزي الخمسيني.
كما قرأت كراسه، او كتابه الشعري الاول وكان عنوانه (كابوس في فضة الشمس) اشتريته خريف سنة 1962 وقرأته وانا ذاهب لزيارة قريب لي سجين سياسي في سجن الموقف العام بباب المعظم، قاسم ناجي الذي غادر العراق ليموت وحيدا في نيوزلندة سنة 2001، كتبه بعيد ذلك الحادث الجلل الذي اودى بحياة شقيقه جليل وكنت اعرفه، لاننا كنا نسكن في محلة واحدة هي الشواكة ودارهم لا يبعد عن دارنا سوى امتار قليلة.
رأيه بالشواكة وبغداد
في كتابه هذا الذي اطلق عليه اسما موحيا (غصن مُطَعَّمْ في شجرة غريبة) واردفه بعنوان فرعي (سيرة ذاتية) سرد لحياته منذ الطفولة في بيتهم الكبير في الموصل، اذ كان ابوه ضابطا في الجيش العراقي، وبوفاة ابيهم تنقلب الحياة الى بؤس، فيضطرون للعودة الى مدينتهم الناصرية، واذ يكبر الاولاد ويتوجهون الى الدراسة الجامعية تضطر الاسرة للتوجه الى بغداد، ويسكنون في تلك المحلة الكرخية الشعبية المطلة على دجلة؛ الشواكة، واذ يذكر صاحبة الدار الارملة بكل الود، فان رأيه بالشواكة ما كان وديا، فضلا على بغداد، يقول: (بدأت اشعر بضيق. بغداد مدينة آجرية. مادية. متعايشة في الظاهر، الا انها متنافسة. مدينة عضلية. لهجتها متفخمة ذات ايقاع عضلي. ابناؤها – كآبائهم – مهتمون بالتملك، من الدراجة الى السيارة، الى العقارات، يتحدثون عن آخر موديلات السيارات، حتى لو كنت لا تملك ثمن تذكرة باص عمومي للذهاب الى الكلية. ليست الجهات هي الوحيدة التي اختلفت علي ببغداد. الرائحة اختلفت كذلك..) ص30.ص31.
الشرطي العراقي والشرطي اللندني
ولقد كتب مثل هذا الرأي السلبي تجاه بغداد، الشاعر السياب والقاص والروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي وارى ان رأي صلاح نيازي بالشواكة وبغداد ناتج عن الحادث المفجع وما واجهه من اذى اثر سقوط حكم قاسم.
كان من الطبيعي، وقد حصل الذي حصل تجاه هذا الشاب الشاعر مرهف الحس ان يغادر العراق، نحو ارض الله الواسعة، هو الذي امسى اقصى ما يطمح اليه ان يموت في مكان اخر، ان يموت بارادته لا بارادة جلاديه وكارهيه، ان يختار نوع موته، كان يأسف، لانه عرف من خلال اشعاره تلك التي حسبته على تيار معين، ليته لم يكتبها، ليته ما كان معروفا، كان يرغب في ان يقرأ الناس شعره من غير ان يتعرفوا اليه، حتى اذا وصل الى تركية، حدث نفسه، ها انذا اعيش بداية حلم وانا صاح، لا اعرف احدا، ولا يعرفني احد، اية نعمة هذه! ترى اية ظلال قاسية تركتها على نفسه، ايام الاعتقال تلك، اية خسارة هذه، توصل المرء الذي لا يمكنه ان يحيا من غير الناس، الى هذه النتيجة القاهرة المدمرة؟ فرح لانه لا يعرف احدا، ولا يعرفه احد، ما الذي اوقعه به هذا (الاحد) من اذى نفسي وجسدي؟! ويظل شعوره هذا يطارده، حتى وهو في اكناف لندن، التي وجد فيها نفسه، فبعد ان طالب الشرطي العراقي ان ينزع بنطلونه مع سيل من الشتائم، يعتذر منه الشرطي اللندني لانه طالبه – بأدب – ان يسمح له بتفتيش الحقيبة التي كان يحملها معه، فالقانون البريطاني يجيز للشرطي تفتيش حقائب السابلة عند الثانية عشرة ليلا، واذ كانت خمس دقائق فقط تفصله عن الوقت المحدد، يعتذر منه ويتركه لشأنه واذ يصادفه هذا الشرطي ثانية، وكان مضى على انتصاف الليل نصف ساعة، والقانون يجيز له تفتيشه، فيفتش بكل ادب حقيبته، لكن برزت معضلة انقطاع السيارات العمومية، فكيف يصل هذا العراقي الغريب الى منزله؟ الشرطي المتحضر، لديه الحل: يمكننا ان نوصلك باحدى سياراتنا مجانا!!
استخدامه لتيار الوعي الروائي
صلاح نيازي يسرد علينا هذه الوقائع ليرجع الينا مستخدما تيار الوعي الروائي وانثيال الافكار، ليقارن تصرف الشرطي اللندني بتصرف احد طلابه، صارخا به – صلاح من غير استاذ، صلاح خالية من اية عبارة من عبارات توقير الطالب لاستاذه واحترامه، صلحت دفتري الامتحاني؟ درجتي يجب ان لا تقل عن تسعين؟ فهمت؟ احذرك، قبل ان يخرج، التفت اليه مؤشرا باصبع واحدة ونظرة مفترسة صلبة، احذرك.
صلاح نيازي في سيرته الذاتية المكثفة هذه، كان حريصا على عدم ذكر الاسماء؛ اسماء الاشخاص الذين يتحدث عنهم، يقدم وصفا لهم، حتى ذلك المخرج الفلسطيني في الـ B.B.Cالذي كان يتعاطف معه، بسبب الغربة وضياع الوطن؛ فلسطين، والذي طلب منه كتابة احاديث اذاعية عن شخصيات في التراث العربي الاسلامي، عبد الله بن المقفع ومقامات بديع الزمان الهمداني مثلا لم يذكر اسمه، وان كنت اظن انه الاذاعي الشهير صاحب برنامج (قول على قول) الاستاذ حسن الكرمي الذي رحل عن الدنيا بداية شهر مايس 2007، اذ ترين على وجه هذا الفلسطيني كآبات شتى، تذكرك ملامحه المتأزمة بحيف نزل به من جراء ضياع فلسطين، كما انه شريف مع الفتيات، ويتحدث اليهن بلياقة كبيرة ودماثة تخفيان قهرا دفينا. حين يلتفت اليه، تتحنن نظرته، كأنه يتذكر تشرده بالقاهرة، بعد نكبة فلسطين، لكنه يكسر هذا المنهج وهو يحدثنا عن الروائي السوداني الكبير الراحل الطيب صالح (1929 – الاربعاء 18/2/2009) الذي تعرف اليه اثناء عمله بالقسم العربي بهيئة الاذاعة البريطانيةB.B.Cواصفا علوم الطيب بالعافية، كعافية الغذاء تنتشر في الجسد، في حين يراها في العراق معرضا او نياشين، تقرأ لدحر الآخرين او الاستعلاء عليهم، فالجلسة مع الطيب مهدئة للاعصاب، له اسلوب فريد في تشجيعك على مواصلة الحديث، كانت مقابلاته مع كبار الادباء والفنانين من اجمل والذ المقابلات، حميمية مطلقة، وانسياب عفوي ما سمعه مرة يتحدث عن نفسه ليتميز عن غيره، ويخالفك بالرأي بالفاظ مسالمة. رأى مجلة خليجية عنده واظنها مجلة (الدوحة) الرائعة التي كانت تصدر في دولة قطر، صدرت اوائل سنوات الثمانين من القرن العشرين، وسرعان ما انطفأت وتولى رئاسة تحريرها الناقد المصري الراحل رجاء النقاش (3/ايلول/1934 – الاحد 10/2/2008) في المجلة الخليجية التي لم يذكر الاستاذ صلاح، اسمها – وهو كما قلت لا يذكر اسماء – مقال طويل كتبه رجاء النقاش عنه، بعد ايام سأله الاستاذ صلاح هل قرأ المقال، فاجابه: لا، لكن قرأت العنوان فقط. (دي ابن حلال)!! فالطيب صالح لا يقرأ ما يكتب عنه، ربما لثقته بنفسه، او يرى ان نصه قد خرج من بين يديه واصبح بين يدي القارئ او الناقد، فقد سبق السيف العدل!
واذ لم يرد في السيرة – الا نادرا – ذكر لاسماء الشخوص، فانها جاءت خلوا من التاريخ صلاح نيازي لا يؤرخ لنا الحوادث، اذ هو لم يكتبها في حينها، كي يؤرخها، بل كتبها بعد حين من الدهر، قريبة من السرد الروائي، وقد علل عدم التأرخة بأن استذكاراته هذه، انما مثلت خليطا، بوتقة اختلطت الحوادث، فما حدث في الطفولة، لم ينقطع، نما وتداخل وتفاعل، بدأ ولما ينته بعد.
حديث اقرب الى الفلسفة
صلاح نيازي ما قدم لنا في كتابه هذا سيرة ذاتية وحوادث مرت به، بل قدم لنا رأيا في الحياة وفي التأريخ العراقي القريب والمعاصر وتشكل شخصية الفرد العراقي، انه حديث اقرب الى الفلسفة ليصل الى الحيرة، انه حائر على بلده وهو يراه يتمزق ويتشظى، اخبار بلده تعذبه، ليست الحيرة فقط بل الغربة، هذه الغربة الغامضة التي لم يعرف لها سببا، ويظل صلاح نيازي يطلق اسئلته بحثا عن اليقين، وما يقين لديه، وهو يرى كل شيء تذروه الرياح، ترى هل نحن اغصان مطعمة في اشجار غريبة؟! ترى هل نحن اغصان مقطوعة من الشجرة الام تيبست بفعل قساوة الظروف التي مرت على المجتمع العراقي، هل اقول احالته هباء منثورا؟!
ختاما بودي ان اقف عند مسألتين، الاولى. كما يسرد علينا الاستاذ صلاح – انه اتفق مع طالب دكتوراه في كلية الدراسات الشرقية التابعة لجامعة لندن، على مراجعة نصوص عربية شعرية قديمة وتبدأ المراجعة مع هذا الطالب اللندني، بقراءة قصيدة لدعبل بن علي الخزاعي ومطلعها
كانت خزاعة ملء الارض ما اتسعت – فقص مرُّ الليالي من حواشيها
فسأله الطالب اللندني الذكي، هل صحيح ان معنى قص هو تتبع؟
تنفست الصعداء، كما يقول الدكتور صلاح – وانا اتعلم منه ما غمض علي. انقذني من احراج محقق قلت ربما ثمة خطأ في الطباعة، فالتتبع هو لمرور الليالي. القص هنا بمعنى يقطع. ويقال في العربية: قص الموت فلانا! اذا دنا منه، مما ينسجم مع ما آلت اليه خزاعة من انكماش. ص93
اقول: إن ملاحظة هذا الطالب اللندني ذكية جدا، فالقص في معنى من معانيه (التتبع) كما توصل اليه هذا الطالب النابه الذكي، اذ يرد في القرآن الكريم تعبير (قصيه) موجه لاخت موسى النبي، اي تتبعي اثره (وقالت لاخته قصيه فَبَصُرَت عن جُنُب وهم لا يشعرون) 11/ القصص/ 28 اي اتبعي اثره وتعرفي خبره، اذ ابصرته عن بعد او من مكان بعيد.
الثانية: ان اسم المجموعة القصصية التي كتبها الروائي السوداني الرائع الراحل الطيب صالح (دومة ودحامد) وليست (الود حامد) ص162.
وقد قرأت كل منجز الطيب صالح الروائي والقصصي شتاء سنة 1973 مستغلا العطلة الربيعية لطلبة الجامعة، وهي رائعته (موسم الهجرة الى الشمال) و(ضوالبيت – بندر شاه) ورواية (عرس الزين) فضلا على (دومـــــــة ود حامـــــد).
























