الشاعر المخضرم سعد سباهي: القصيدة  لحظات جنون وشرود

الشاعر المخضرم سعد سباهي: القصيدة  لحظات جنون وشرود

نجم الجابري

 سعد سباهي شاعر مخضرم كتب القصيدة العمودية وقصيدة النثر والحر ايضا له دواوين اربع طائر الليل وهناك انتظرني واتيت ثانية اليك ثم العزف على الوتر الخامس شاعر ملتزم شارك في مهرجانات عديدة كالمربد لكن ظلت تجربته محلية ولم يحاول الظهور عربيا  السماوي شاعر مجيد لكل اغراض الشعر وللحديث معه طعم خاص فلغته وتعابيره ومصطلحاته مميزه واعده واحدا من اشعر السماويين  تميز شعره اجمالا بالحبكة وتنوع الصورة وتطعيم النصوص برؤية خاصة حين حاورته للمرة الثانية وجدته قرأ الكثير واصدر ديوانيين في ظرف سنتين او اقل ويرى أن الشعر هو طاقة لفظية وسيلتها الأنساق اللغوية والأساليب المأهولة في عصرها.

{ يقال إن الشعر يمرّ بين متعاركات متضادّة منتصراً للحرية وللجمال وحتى للإنسانية الى أيّ مدى يقودنا هذا الى سفر شيّق للخصوبة بوصفه شهادة؟

ـ بهذا التصور وبهذه الرؤية نجد أن الشعر هو طاقة لفظية وسيلتها الأنساق اللغوية والأساليب المأهولة في عصرها فرضت وصفها وفنَّها ثقافة وإرث من الوعي والتطلع فضلاً عن الحاجة النفسية في النفس الشاعرة لتكون الشاهد على الانحياز الى صوت الإنسان الصارخ في داخل النفس ليبوح بذلك الانحياز الى الجمال والحب والإنسانية  متلمساً لذلك ما أوتيَ من دربةٍ وسلطان ٍ على أدوات التعبير والفن لكي تولد القصيدة ـ ذلك الكائن الافتراضي الأنيق ليستفزّ  الذهن الوادع الرتيب ويسجل حضوره في ذائقة عصره .

{ الشعر أحياناً تحكمه الشساعة تقديم الجمال  المتخيل  وفي طرح الإبداع مستنفراً ذكريات الطفولة  ومستحضراً لها أين أنت من هذا كله؟

ـ ما يحكم الشعر هو الإبداع فقط ولاشكَّ إن معايير الإبداع هي نسبية وغير محكومة برؤيا أو قانون إنما هي انطباعات ولّدها الشعور بالحاجة الى الجمال والفن وألْهمت على تبنِّي الصياغات

والتشبيهات والمجازات التي تلهم الذوق وتسمو به وتملأ النفوس  شعوراً بالصدمة والتّفكّر

وباستقراء هذا الموروث وتراكمه ومن زمن سحيق لربما رافق المسيرة منذأن فتح الإنسان الأرض بعقله وبيده وصار له حضور وذكريات عليها لأن الشعر هو الوسيلة المعبّرة عن عواطفه وخياله وأحلامه ولا شكَّ إن الذاكرة الإنسانية  هي أهمّ مصدرٍ لخيال الإنسان ولعاطفته  وهي الملهم الدائم لإيحاءاته وهي المعين الذي ترتوي به النفس الشاعرة لتنتج ولتعبِّر عن الحنين تارةً وعن التطلع تارة أخرى

رسائل الحداثة

{  قرأتُ عذاباتك كلّها فوجدتُ دهشة الحنين والفرح الطفل ؟ لماذا كلّ هذا الحزن السومري يستوطن يقينك؟

ـ نحن أبناء الذنب نحن أبناء الآلام التي ملأت حتى آمالنا وضاقت بها دروب الضوء الذي في عيوننا الى الغد فما زلنا ندثر أحلامنا تلك التي ملأتنا بها حكايات أهل عالمنا هذا والتي نراها كل يوم عبر وسائل الحداثة نراها ماثلةً ونرى الى جانبها أن عقولنا ودواخلنا ما زالت تغطيها رمال الصحراء وعواصف البوادي  كل يوم نحن في باحات الموت وأمام سيل الرصاص ـ من أين نجد النفاذ الى العالم الذي يهب أنوفنا أنفاس العصر ومن أين نأتي بالشعور بإنسانيتنا  وفي كلّ ضحىً نرى ونسمع طبول الميدان ووقع  الخيول وهي تثير غبار النقع.

ما يريد أن يسجل به سبقاً في كشف المستور لديك مرّةً ومرّةً أخرى قد تجده يناور بغية ملء فراغٍ مسطّحٍ ـ وماعليك إلا أن تضع نقاطك على حروفه بعد أن يمتلئ ذهنك بحجم صفحته التي تنتظرك؟

{ تبدو هادئاً أحياناً وأحياناً متفجراً مشاكساً. مستسلماً تفتنك اللغة إلى أي مدى أثّر اختصاصك في التدريس في رسم بوصلتك

ـ أنت كما أنا تعلم أن للمهنة أثراً في سلوك الإنسان وتصرفاته الى حدٍّ قد تتغلب معه لغة العمل واصطلاحاته على طريقة الأداء في مجالات الحياة الأخرى وقد يصل هذا التأثير الى تحديد نمط المزاج والسلوك والتفكير وقد تطبع اتجاهاته السلوكية والتعبيرية بطابعها

{ أريد أن ألامس المناطق الخفية للشاعر وأبدأ بسؤالٍ  عن فحوى القصيدة ومنطق الكتابة ومتى يعدّان إبداعاً في يقين المتلقي؟

ـ القصيدة هي ملاذ الشاعر حين يقع تحت طائلة الضغط النفسي ـ. ـ القصيدة هي زفير ساعة أَلَم ـ وأنا أؤمن بأن الشاعر لايهرم ولا تشيخ نفسه لأن لديه الوسيلة التي يصرّف بها الهموم  ويقتل بها الشعور بالبؤس والانكسار من خلال البوح والإفضاء بما يثقله من جراح وهموم والشيء الذي أجد التطرق إليه ضرورياً هنا هو أن الشاعر مهما كان موضوع قصيدته بعيداً عن شواغله وعن تجاربه الحياتية فإنك تجد أعماقه حاضرةً في صوره وفي أفكاره وحتى في ألفاظه فتجد ذلك مبثوثاً عن دراية أو عن عدمها بين سكوره وخلف بنائه الفني

{ يقال إن  مصافحة الشاعر الأولى للقصيدة شرسةٌ وتنهش فيه وتحمله الى أرضٍ جديدةٍ وبعيدة أنت كيف تواجه هذا الطقس المتغيّر؟

ـ نعم القصيدة قد تولد في ساعةٍ ملغومةٍ بالاضطراب والقلق اللذين يبعدان الشاعر عن ملامسة موضوعه بصدق

فقد نجدها سيّالةً متدفّقةً يجري فيها القلم جريان السيل في منحدر وما يعيّن طبيعتها ويمنحها وصفها من النجاح أو الهبوط أحياناً هو مزاج الشاعر ساعة معراجها  فضلاً عن مدى أثر التجربة فيه نعم أنا أواجه طقسها حين الساعة غير ساعتها بالهروب الى الشاطئ أو اللوذ بالسفر إلى محطات الذاكرة وأقوم بإبعادكلّ شيءٍ أَلَفْتُ مواجهته وأغادر المكان الى مشاهد أخرى.

{ يفتح النص أبواباً للشاعر حينما  تبدأ لحظة مخاض القصيدة  أيّ الأبواب أقرب إليك ـ الأم ـ الحبيبة ـ الشهيد؟

ـ لكلّ ساعةٍ من ساعات قيامة الشعر فروضه التي تؤجّج في النفس  ذاكرتها وصورها وحضورها

الأم العالم الساحر الهاطل حبّاً والمكتظّ بالصدق والنقاء  وموضوعه رغم تقادم السنين وابتعاد أيامه فهو مازال وميضاً يبعث سخونته من تحت رماد الأيامـ الحبيبةـ  ومامعنى الحياة دون حبّ

ماهي إلا جدول مواعيد النوم ـالاستيقاظ ـ الأكل ـ السفر ـ العمل الشهيدـ  وإنك تجد نفسك مدانا في كلّ حين لأن هناك من دفع دمه فاتورةً وثمناً لتبقى تأخذ أنفاسك حرّاً طليقاً

{ القصيدة تستضيف الشاعر أم هو يستوطن لحظاتها كيف تقبل المكوث في ثناياه وكيف تصنعك القصيدة؟

ـ قال الأقدمون الشعر أما أن يكون صنعة أو طبعاً وأول من التفت الى ذلك هو ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء والمحدثون وعلى لسان الجواهري العظيم يقول فكأننا لأدائها قلم نعم الشعر هو ما كانت القصيدة هي التي تفرض حضورها وجدواها على الشاعر

وأما الذي يشبه الشعر فهو الذي يفرض الشاعر نفسه على القصيدة لتكون نظماً وهذياناً ولااجد نفسي شاعراً إلا حين يدعوني هاجسْ ويرتفع صوت القصيدة من داخلي  يدعوني الى سفرٍ مع الروح الى خارج هذا العالم لكي أرى ما أراه في حلمي وأسمع مالم أسمعه في يقظتي فما هذا العالم إلا مقاطع من أصواتْ متكرّرة تتشاكل في كلّ لفظة مع غيرها لتولد معنىً آخر وما هو إلا مرئيات تتجدد في كلّ حينٍ رغم اختلاف وجودها في أيّة باحةٍ القصيدة عندي هي لحظة من لحظات الجنون والشرود الى فيوضٍ من عالمٍ غير مرئيٍّ وأنا في معجمها مفردةٌ ليس أمامها معناها

كوميديا ساخرة

{ ماهوشعر الفنتازيا وهل جرّبتَ الكتابة فيه فهو يحمل فكرة ما الشعر لا يولد من عبثْ أو فراغٍ أو إنه يحيى في اللاشيء أويكون له؟

ـ الفنتازيا مفهوم يوناني يدنو من معاني السخرية والهزء في لغتنا ـ أيْ ـ هو من الكوميديا الساخرة ـ

نعم جرّبتُ الكتابة فيه وأجد أن معاودته ضرورية ٌ في أحيانٍ كثيرةٍ يفرضها تردّي المشاهد أو حين يمنح الزمن فرصته الغبية الى غير أهله هذا الاتجاه في الشعر له حضوره وإرثه عبر عصور أدبنا العربي وله أعلامه وشواخصه وأصبح مادة مهمة  في الدراسات والبحوث ومن اظهر العصور التي ازدهر بها هذا اللون من الشعر هو العصور المتأخرة  أي بعد سقوط بغداد سنة 656هج على يد المغول وبعد تردّي الذائقة والذوق وبعد نكوص الاوضاع السياسية والاجتماعية تحت وطأة الثقافات الوافدة مع سياط الغزاة وسيادة عجمة الألسن

{ متى يكون الشعر نافذة يطل منها الشاعر على عالمه السري وهل هي عالم في جغرافيا الوجود أم انها قرار قبل الولادة وبعدها؟

ـ الشعر مهما تدثرت معانيه بالرمز وتسلطت على صوره الإشارة والإيماء فهو يدلي بموضوعه ويكشف عن سره بسهوله فالشعر إنجاز همٍّ روحي وبوح عن مكنونات الذات أي أنه بوح غير مرئي يعتمد الفن والإيماء  أكان عن دراية من منشئه ام لم يكن كذلك

{  هل وقعت يوماً ما في مأزق النص فهناك من يعتقد أن الشعر صعب وأعسر من قلع ضرس كما قال الفرزدق بمعنى ان تجد نفسك في منتصف الوقت بين الفكرة وألم ولادة النص أم لا؟

ـ  نعم وهناك اوقات تكون فيها أضافة جملة الى ماقبلها أكلف من قلع الضرس بلا بنج وقد تكون مدعاة الى اهمال مواصلة الكتابة

{ في أحد دواوينك هناك نصوص مليئة بالتفاصيل في جغرافيا المتن الشعري المعاصر هل نجحت في إعطاء بعد ابداعي في هكذا اشتغال بعد القصيدة العمودية ام هناك احتمالات أخرى ؟

ـ اجد المكان في كل النصوص التي كتبتها وليس في مجموعة واحدة

أنا ابن بيئة هي اشبه ماتكون بقرية لصقت عيون أبنائها بصرائفها  بجداولها بالنخيل

بالشاطئ بالنهر حتى بات يرى تلك المشاهد مشبهاً به امام اي شيء

{ إلى أي مدرسة شعرية تنتمي أنت وأي الشعراء أقرب إليك في أسلوبك ؟

ـ أقرب مدرسة الى عقيدتي الشعرية هي مدرسة أوبولو لما أشاعته وماآمنت به ولمحاولات شعرائها في التجديد

{ النقد العربي امتداد للنقد العالمي هل تعتقد بان لدينا نقدا عربيا ومدرسة نقدية واضحة كيف تقيم الاداء النقدي العراقي ؟

ـ نعم ما لدينا في عموم الادب العراقي هو نقد جرت معاييره على وفق العطاء النقدي العالمي

والان على ساحة الادب في العراق هناك نقاد كبار ولهم باع وحضور مؤثرفي الفكر النقدي المعاصر

{ لدينا في الجامعات عشرات الأكاديميين النقاد نلاحظ اشتغالاتهم لا تتناسب مع وفرة الانتاج الادبي برأيك الى اي سبب تعزو ذلك؟وهل النقد احتراف ام موهبة؟

ـ النقد أراه موهبة رغم أهمية الاحتراف كونه يمد الناقد بالتجربة وباستيعاب تطور الفن  وحضور الأمثلة التي تثري ملكة الناقد وتوفر له قرائن الظواهر المستحدثة

س

يقول لوركا الشعر لايحتاج الى فنيين ماهرين بل الى عشاق برأيك ماذا يحتاج الشاعر والشعر في الشرق ؟

ـ حاجة الشعر والشاعر الى العشق

والى التجربة الحياتية  الى الألم الى الامل

الى ملكة وهيمنة على معارف اللغة والبلاغة والمعارف السائدة لان الشعر هو حوار النفس مع الوجود وهوشهيق العاطفة وزفير الألم الإنساني

س

 هل لك ان تقيم تجارب الآخرين

عبد الحميد السماوي ـ كاظم السماوي ـ د باقر جلاب

.ـ عبد الحميد السماوي ناطحة سحاب في سماء الادب العراقي في الزمن الذي رمدت به العيون

كاظم السماوي .شاعر الوطن والغربة والموهبة الصادقة

د باقر جلاب الشاعر العذب والمرهف الحس

س

سؤالي ما قبل الأخير اريد منك أن تعطيني آخر نص  شعري ؟

ـ قالت ـ

أوتلك من حدثتني عنها

وقلتَ تجيئوني

في كل ليلْ

في المنام حمامةً

تأتي لتملأ ليلتي حلماً وتغمرني هوىً

قالت أتلك فقلت أي والله

تلك هي التي كانت تعاودني

أجل تلك الملامح ـ ـ ـ ذلك الصوت الذي مازال يخطف مسمعيَّ بشجوه

قالت أما حدّثتَ نفسك من تكون

فقلتُ لا

قالت أجل

هي روح أمّك في مداك

تحوم حولك

س ـ أحياناً يكون السؤال مكيدةً لكنّي أجد في إجاباتك مكائد ـ. كيف تقرأ بحدس الشاعر محاورك في مكمن السؤال

ـ حين يكون المحاور على درجةٍ من الفطنة والذكاء وأنت تقرأ في نصوص أسئلته أنها تخفي استفزازاً لما أنت حريصٌ  على عدم البوح به فعليك هنا أن تستنفر نباهتك لتعبر خطوط لعبته ولربما يكون السؤال ممهِّداً الى اللحظة التي تضطرك الى ذلك البوح العميق فلاشك أنك تجد في ضمير المحاور