
الشاعرة كولالة نوري .. المعنى والمرايا المكسورة
رؤية في لوحات لغوية مغايرة
وجدان عبدالعزيز
بعد قراءة ديوان (قبعات مكسورة) للشاعرة كولالة نوري، تسلسلت امامي تجربتها الشعرية بما تحمل من مخاضات في الرؤية شكلا ومضمونا، الا انها بقيت تلك الشاعرة المتمردة على فوضى فوضتها الخاصة، ناهيك عن تمردها الموضوعي لاسيما في ديوانها هذا، فاللغة عندها ليست مجرد اداة للتعبير، انما هناك لعبة ابتكارات لغوية تجعلها تنتصر على اللغة في تنويعات وتلوينات ، تقترب من السريالية، وحتى لا اقع في تناقض واضطراب بين الوعي واللاوعي، انما اقول كان منحى الشاعرة في ديوانها هذا منحى ســرياليا فعندها الكتابة منطلقة من آلية نفسية، ضاقت ضرعا بالمحيط الموضوعي، فراحت الشاعرة تعرض تعابيرها في توارد نفسي لايخلو من غرائبية وتناقضات متوترة، وكأني بها تغيب عن الوعي لحظات، ثم تعالج الامور بوعي .. يقول بروتون : (اللغة هي إملاء من الذهن في غياب رقابة العقل و خارج أي اهتمام جمالي أو أخلاقي)، واقول المسحة الاولى لوضع اللغة عند كولالة نوري بدون رقابة من العقل، لكن المسحة الثانية في حضور وعي ثقافي، وبهذا جعلت من انتاجها الشعري اشكالية جديدة في عصر العولمة وافرازات الخصوصية الحضارية لبلدها العراق، وما بين المسحتين اجد ان الشاعرة بقيت في فوضاها في الوعي واللاوعي .. أي انها حاولت تصنيع مسار فوضاها باتجاه استقرار رؤيتها في المعالجة، فسلكت التلقائية في الكتابة في اول مراحل الشروع، ثم حضرت بكامل اناقتها في مختبرها اللغوي الشعري .. تقول :
(ألا يوجد في هذا البلد
ما يكفي من أزرار محكمة
وما يكفي من ضوء لأجد يديك أمامي،
بين حشد من قمصاني المقدودة من دبر
وما يكفي من خصوبة التمائم
لأصدم بك كأفرع الصفصاف على الأرصفة (على غفلة متقنة)
متكئة على قُصر قامتي
ألا يوجد في هذا البلد ما يكفي من ندم
لتركع قناديلي على ترابك
تكفيرا لتهذيبي ولإسكات جيش النساء فيّ)
لوحة لغوية
رؤية رافضة في لوحة لغوية مغايرة، تتصاعد تبعا للتوتر النفسي، فالحشد من القمصان المقدودة من دبر، تكفي الشاعرة مؤنة الثورة والانفعال، حتى انها تعمد للتعبيرات التلقائية، وكأنها امتلكت حريتها تحت سياط الوجع والندم (ألا يوجد في هذا البلد ما يكفي من ندم)، تساؤلات ذاتية في لحظاتها الاولى، بيد انها تتحول الى مشاركات موضوعية، حينما تتسرب اسرارها للمتلقي .. ومن هنا فان كولالة نوري تصر على بناء ذاتها الرافضة .. (تَنقصُني الوسائلُ الكاملةُ/لأكونَ وهماً../أو ضحيةً قِرمزيةً لثورِ روحي الهائج./ تَنقصُني الوسائلُ الكامنةُ/ لأرمّم زلّاتي العشر/ لأبني أبراجاً موضُوعِيّةً./ عادةً ما أضعُ زِنادَ القمرِ على الرأس/ ومُقاتِلي التحريرِ منكَ على القلب.)، هل فعلا تنقصها الوسائل في صناعة الوهم؟، ابدا هي في مساحات سريالية فوق واقعية في رؤيتها اللغوية الظاهرة، ولكنها شاهرة سلاحا مرئيا في معالجاتها الرؤيوية تجاه قضايا الحياة والكون .. والشيء بالشيء يُذكر ان السريالية تبدو في الحلم غامضة ومشوشة يصعب فهمها، فمن ثم كانت روعة وجمال هذا الأتجاة المعاصر من أنه يجمع في العمل الفنى بين أشياء التي ليس لها علاقة ما تربط بينهما، كما انها في التكوين تكون بعيدة كل البعد عن الصور المنطقية .. وكانت مساحات تحرك الشاعرة في ديوانها (قبعات مكسورة)، تجري وفق مسيرة فوضوية رافضة، سواء في اعلان لغوي مغاير، ام في مضمونية تتعكز على الاختفاء اكثر الاحيان .. لذا نراها تعلن بهدوء: (لست سوى كولالة نوري)، ثم تقول :
(وسوف تسمع معمعتي مع العالم هذا،
تمدّد هنا.. وضع يديك على صدرك
وانا افعل نفس الشيء
كما الأموات بانتظار الملائكة أخيرا
لإنقاذنا من هذا القبر الممتد
نحو القارات الخمس.
لا تسألني أي شيء
فقط تمدد قرب رأسي
ولا تفكر بصوت عال، منهكة أنا أيضا
من كل الأفكار عالية الصوت،)
هذا المشهد الشعري يحيل الى محاولة فهم الانسان في هكذا تصرف، كما دعوة الشاعرة،
فإنسان من ناحية لفظية، هي كلمة ثنائية الوزن وذلك يتضح من وجود الآلف و النون في نهاية الكلمة آي على وزن فعلان , و بالتالي تكون كلمة إنسان مثنى من مفردة، هي انس ومفردة أخري هي انس أيضا , الآمر الذي يعني لنا ان هناك مركبا من نفس و جسد وهما مركبان ماديان مرتبطان وفي جدال و حوار بينهما دائم .ولكل منهما خصائصه و يحتكمان إلى العقل, وإذا انفصم الارتباط بينهما يحدث انفصام الشخصية ويعطي بالتالي شخصيتان متباينتان في التصرف، ويتميّز وضع الإنسان بشكلٍ عام بسمتين أساسيتين، تتجلى الأولى في كون الوضع الإنساني متعدداً في أبعاده ومكوّناته، وهذا يعطيه صفة التفرّد في النوعيّة لتميزه بالغنى والتعدد، حيث إنّ العقل والحواس والوجدان وغيرها جميعها عبارة عن قوى عظيمة تضفي على تكوينه دلالةً خاصة، وتكون النتيجة الحتميّة للتعداد العظيم من القوى التنوّع في مقدرات وقوى الفرد، فالإنسان هو ذاتٌ أو شخص قادرٌ على احترام الأخلاق والقوانين والامتثال بها. من جهةٍ أخرى فإنّ الإنسان عبارة عن ذاتٍ خلّاقة ومبدعة بفضل امتلاكه لملكة التفكير المتمثلةِ بالعقل، وعلى الرغم من هذا فإن مفهوم الإنسان أو الفرد يبقى ناقصاً من ناحيةٍ فلسفيّة، وذلك نظراً للبعد الميتافيزيقي للذات الإنسانيّة التي تتصف بأنها ذاتٌ عاقلة تمتلك الحريّة والوعي والإرادة، وتحيى وفق القانون والحق ملتزمةً بجميع القيم الأخلاقيّة، وتسعى هذه الذات بشكلٍ مستمر إلى تحقيق الأفضل في سبيل الوصول إلى الغايات المنشودة والتي يثمر عنها الشعور بالسعادة، فهذا الفهم للانسان يجعلنا نساير المشهد الشعري اعلاه، وقد نكتشف هدوء وتلقائية التعبير في رسم لوحة قريبة من المعقول، الا انها تسير باتجاه اللامعقول في رفض الحياة والانعتاق منها، بعلة ضجيجها المتصاعد … (لا تسألني أي شيء/فقط تمدد قرب رأسي/ولا تفكر بصوت عال، منهكة أنا أيضا/ من كل الأفكار عالية الصوت،)، هذه دعوة هادئة بدلالة الفعل “تمدد” ولاتفكر بصوت عال ..لمحاولة حل مشكلة كونية، وهي عملية الانقاذ من الموت البطيء وسط ضجيج الحياة، هذه المشكلة ضمن سلسلة طويلة من الحالات المرفوضة والمدانة .. ويبقى حوارها مع الاخر قلقا مهتزا تخالطه الانفعالات وحالات الرفض، تقول :
(مثل الفجر الفاتح للأسرار
والقش الذي يكسر ظهر الفرح.
ما أكثر التورّم في ذاكرتي
ها أنك تحجز شطرا لك،
تقصّر الكلمات
وتسمَم طفولتي
بأحجارك غير الكريمة.)
حسب الظن ان الشاعرة، كانت سريالية في لغتها، رومانسية في طروحاتها، حاملة ثورة نفسية عارمة على ظروف الحياة والبيئة الاجتماعية، وتحاول بجدية جعل الاخر منقادا لمحاور رؤيتها في المعالجة، بسخرية سريالية تغور بعيدا في التلقائية، الا انها تؤوب ثانية الى لحظات الوعي، تقول :
(كما المعلومات في رسوم اشتراكٍ روتينيّ،
الرأس: على حافة الفرص الكاملة
المسروقةِ من حياة.
القبيلة: قوافل تائهة.
لون العينين: ثلاثة عقود عراقية.
لون الشعر: خربشات أطفال
وخطوط حرية سوداء.
القامة: تسلّل لمبهجات على غفلة من دجلة والفرات.
وكما في رسوم الاشتراك ألقسري
أجلي حواسي عن المكان
أدقّ مسمارين مكان بصمتي
أهرب من نهيقهم.. وأطير بلا علامة
غير قُبلة زرعتَها يوما على عجل
أمام باب دارٍ فُتح على يتيمين.
كما رسوم الاشتراك في عَدَم.)
تجد هنا الفوضى في الوان الرسم اللغوي، تسير وقوافل تائهة، وخطوط حرية سوداء، ثم نصطدم بالعدم .. الا ان الشاعرة تعاود الوعي في قولها :
(بعد أن يجمع العمر ما أمامه وما بعده،
يغادر الأنفة أمام أصابعك
تهديداتي تصاب بالخدر في اختفاء غامض
فهي لا تستمر سوى فصل واحد..
حتى تخضّر ثانية أرياف بهجتي
وتوشك الأشجار على الطيران
حينها أوقف أنهار الزهد
وأقدم العزاء لملاجئ الرغبة)
جماليات النص
يقول حمدة عبداللطيف : (ومن جماليات النص الشعري، أن يتميز بالتكثيف والعمق والمغايرة والتنوع الذي يحدث قدراً من الدهشة والتفاعل وأن يتميز أيضا بالاتساع الدلالي وأن يمنح المتلقي خيارات متعددة للتأويل سواء كان هذا المتلقي في ذهن المبدع أو خارج بؤرة اهتمامه، وأن يتبنى النص الشعري منطقاً ما، حتى وإن اختلف هذا المنطق عن المنطق الحياتي والبديهي، فلا بأس من ذلك، فالبعد عن المنطق بمفهومه التقليدي هو في حد ذاته منطق، حيث الإسراف في الذهنية يخرج النص الشعري من حالة الغموض الرائعة التي تحث على إعمال عقل المتلقي ليصبح شريكاً في العملية الإبداعية بما يمنحه له النص من مدى متسع من التأويلات، إلى نوع من التشرذم الذي يؤدي إلى لا شيء، فيصبح من الصعب الوصول إلى نسق جمالي.) .. اذن نحن امام مساحات مختلفة كلما امعنا القراءة في ديوان (قبعات مكسورة)، تتسع اكثر لتأويلات اخرى، فالديوان فيه مباحث عن الجسد ورمزيته، وتناصات كثيرة تدل على الكثرة في الرؤى، وتبقى الشاعرة كولالة نوري في محك مع الجمالية الشعرية وقربها من انقاذ الانسان من مظنات التحكم المادي فيه .. صارخة بقولها : (اصمتي أيتها المعاني/ فأنني أعرفك كلّكِ/لكن الإعراب مبنيّ على النشاز./هذه هي الهداية أو النهاية ../ممر ضيّق سكران/ مرسوم على مرايا مكسورة.)


















