السيناريو الأمريكي المكرّر – علي الدليمي

السيناريو الأمريكي المكرّر – علي الدليمي

منذ مطلع التسعينيات وبالتحديد عام 1991، لم تكن السياسة الخارجية الأمريكية مجرد ردود أفعال تجاه أزمات دولية، بل كانت تتبع «سيناريو» مرسوماً بدقة متناهية.

هذا المخطط، الذي يهدف إلى فرض السطوة السياسية والعسكرية المطلقة، لا يبحث عن حلول بل عن «ذرائع» لإعادة تشكيل خارطة النفوذ العالمي بما يخدم مصالح واشنطن وحدها.

العراق.. الضحية والنموذج

كان العراق هو المختبر الأول لهذا السيناريو. بدأت الحكاية بفرية «امتلاك أسلحة الدمار الشامل»، وهي الكذبة التي شرعت الأبواب أمام لجان التفتيش الدولية. تلك اللجان التي لم تترك زاوية في العراق إلا وفتشتها، ورغم أنها لم تعثر على أثر لغرام واحد من تلك الأسلحة المزعومة، إلا أن «السيناريو» كان قد كُتبت نهايته مسبقاً.

لم يكن الهدف هو البحث عن السلاح، بل كان الهدف هو: استنزاف القدرات السيادية، عبر لجان تفتيش تمادت في غيها وتجاوزت حدود مهامها التقنية. ثم التدمير الممنهج، وهو ما تحقق بنجاح كبير عام 2003، حيث تم تفكيك الدولة ومؤسساتها، وترك العراق يواجه تبعات التدمير حتى يومنا هذا.

إيران: السيناريو نفسه بحذافيره

المراقب للمشهد السياسي اليوم، يجد أن الولايات المتحدة لا تبذل جهداً كبيراً في ابتكار أساليب جديدة، بل تعيد تدوير «السيناريو العراقي» وتطبيقه على إيران بحذافيره.

ذات اللغة التصعيدية، وذات الاتهامات بامتلاك برامج تسليح محظورة، وذات الضغوط الدولية لفتح المنشآت أمام التفتيش اللا متناهي. إنها تمضي في مسار تصادمي غايته النهائية ليست «الاتفاق النووي» أو «السلم الإقليمي»، بل تدمير إيران عن بكرة أبيها، تماماً كما فعلت بجارتها من قبل.

«الغاية لا تبرر الوسيلة في العرف الأمريكي، بل إن الغاية هي السيطرة، والوسيلة هي صناعة الأزمات وتعميقها حتى تنهار الدول من الداخل.»

إن ما يصفه البعض بـ «الأهداف الشيطانية» في تدمير مقدرات الشعوب، ليس إلا تجسيداً لواقعية سياسية أمريكية متطرفة، لا ترى في الشعوب الأخرى سوى ساحات لتجارب الهيمنة.

يبقى السؤال: هل سيكرر التاريخ نفسه بالكامل، أم أن القوى الإقليمية استوعبت الدرس القاسي الذي دُفع ثمنه من دماء وتاريخ العراق؟

والمضحك المبكي حقاً.. انه بعد سنوات من تدمير العراق، تنطلق أصوات سياسية دولية رفيعة المستوى لتؤكد عدم امتلاك العراق أية أسلحة محرمة!!

اعترافات متأخرة

«وفي فصول هذا السيناريو، يبرز المشهد الأكثر سريالية؛ وهو ما يمكن وصفه بـ ‘المضحك المبكي’. فبعد أن أُحكمت القبضة ودُمّر العراق عن بكرة أبيه، بدأت الأقنعة تتساقط. انطلقت أصوات سياسية دولية رفيعة المستوى، لم تكن مجرد مراقبة بل كانت صانعة للقرار، لتعترف ببرود تام: ‘العراق لم يكن يمتلك أي أسلحة محرمة’. اعترافات جاءت بعد فوات الأوان، لتؤكد أن دماء الشعوب ومقدرات الأوطان ليست سوى ‘أضرار جانبية’ في مسرحية السطوة الأمريكية.»