السجن الدافئ
قصة حقيقة حدثت ويايه ….
” عندما قابلتك أدركت إن لكل شيء في طبق الحياة طعماً مختلفاً واحد عن الآخر ….. “
ناعمة الطراز …خفيفة الظل ….ذات صوت يشبه صوت معزوفة الهدوء وسط صخب الحياة ….ذات بشرة مخملية وشعر خمري ينسدل على كتفيها …وصف بسيط لفتاة الأمل والطفولة تخر من شعيراتها الخمرية حتى أصابع قدميها ….
لا زلت أذكر اليوم السابع من يوليو .في أمسية هادئة كهدوء أمي عندما أنام …رن هاتفي المحمول بعدة مسجات واحدة تلو الأخرى كالمطر عندما يسقط على أرض قاحلة ويقتلها العطش بعدما كنت أنتظر رداً بأمر كاد أن يقتلني من شدة التفكير فيه …أمر يخص مستقبلي التعليمي …عندما نظرت الى شاشة الهاتف أنا كلي أمل أن يحل هذا الأمر وأرى جواباً وافيا ومريحا
بعدها رأيت عدة مسجات من فتاة غريبة لا أعرفها فقط يجمعني معها فيسبوك بعد القاء التحية على بعضنا الآخر قد تكلمنا عن بضعة أمور وتعرفنا على بعضنا الآخر و دخلنا في صلب الموضوع وتكلمنا وشاء القدر أن نكون سوياً نعاني من نفس المشكلة المتعلقة بمستقبلنا التعليمي ….
ومرت الأيام وقد التقينا على أرض الواقع رأيت فيها جمالاً لا يوصف ونقاء القلب الذي تفتقده بناتنا في الوقت الحاضر …شيء من الطفولة الممزوجة بالرقة الملونة بألوان القوس قزح النابع من بين قطرات المطر الناعمة وتدغدغها أشعة الشمس الجميلة كجمال أميرات ديزني …
استمررنا بالمراسلات اليومية وكانت تتكلم عن حياتها والإسلوب الحياتي الذي تعيش فيه أذكر إنني في وقتها كانت تدمع عيناي عندما تتكلم عن نفسها وعن والديها إنصدمت من أمورً كثيرة لم أكن أتخيل إن هنالك فتيات يعانين من سوء تصرف أهاليهن وكذلك حرامهن من كل شيء في الحياة بحجة الخوف والحرص الذي يزيد عن حجمه الطبيعي … ضيق البيت …دموع مخنوقة …مشاكل مستمرة…عالم مغلق …كل هذا والمجتمع يفرض شخصيته القوية على الناس ويطلب منهم الإستمرار في حياتهم والمواصلة على التعليم والنجاح ومواكبة التطورات الحاصلة في العالم
لا أعلم أي مجتمع هذا الذي يفرض علينا هذه الواجبات وهو بدوره لا يؤدي واجبه على أتم وجه لأبنائه ويجعلهم يعانون ويحطمهم كالذي يحطم عصا خشبية بيديه القويتين ليجعلها حطبا ويقوم بحرقها مخلفاً رماداً اسود اللون كسواد القيود التي يقيدها المجتمع للناس …قيود سوداء ساخنة من شدة الدموع الساخنة التي تنهمر من عيون الناس على هذه القيود وتحمل بين طياتها ألم وعذاب الأرواح البريئة ….
أدركت تماماً إن هذه الفتاة البريئة لا تستحق حياة كهذه بل تستحق حياة أفضل وظروف أجمل …كانت كلماتها كلها تستحق أن تنال عليها جائزة نوبل للصبر …
بالرغم من إنني أعيش حياة افضل منها وتحت ظل عائلتي الجميلة التي احسد نفسي أحياناً عليها وأقول ” الشيء الوحيد الجميل في حياتي وأشكر الله عليه هو عائلتي فقط و إنني لا أستحق كل هذا ” كانت تعطيني حلولاً لمشاكلي وكلماتها التي كانت كمرهم لطيف عالج جميع أمراضي كلماتها كانت عبارة عن قوة وأمل وتحدي والصراع من أجل البقاء …كانت تصارع كل دقيقة وكل ثانية من حياتها في سبيل أن تعيش وتحقق أحلامها وطموحاتها كانت المرأة الخارقة تمتلك العديد من المواهب والقدرة على مواجهة ظروفها … حساسة ورقيقة كأجنحة الفراشة عندما تلامس أصابعنا فإنها تترك ألوانا جميلة كذلك ” ياسمين ” كانت تترك ألوانا جميلة في داخلي عندما أمسك يدها أو حتى عندما أتكلم معها ….للقدر هداياه الجميلة وكانت هديتي إنها اصبحت معي في جامعتي وتخصصي وبيتها مجاور لبيتي فرحت كثيراً الى درجة إن الأرض كادت لا تحملني من شدة فرحتي ….بالرغم من ظروفها القاسية إلا إنها كانت صامدة … لم أفهم حجم التناقض في مجتمعها العائلي الذي تعيش فيه حيث أقساما من العائلة متحررين ومنفتحين والقسم الآخر يخاف حتى من أن يستنشق الهواء …. شيء غريب ومحير حقاً….عانت الكثير عندما دخلت الحرم الجامعي لأول مرة حيث واجهت العديد من الصعوبات في تقبل الحياة الخارجية لإنها كانت كل الوقت تقضيه في البيت وإختلاطها بالعالم الخارجي كان شبه معدوم…. لا زلت أذكر كلماتها حيث كانت تردد ” سوف تبقى نافورة الأمل تضخ مياه الحب والحياة الجميلة ” …
كنت أنا كذلك اغرقها بنصائحي وخوفي عليها والقلق عليها أحياناً عندما ارى post على Facebook حزين وفيه دموع صامتة …في بعض الأحيان أشكر الرب لبعثه إياها وكنت أقول دائماً إنها ملاك بهيئة إنسان حققت بفضلها نجاحاً في اعمالي التي كنت قد إعتبرت جزءاً منها إنه قد تم غلق باب الأمل ….لكنها أعطتني مفتاح هذا الباب وإستطعت فتحته والدخول فيه والغوص في نجاحاتي والتمتع بلذة الصعود للنجاح على سلالم الحياة وهكذا استمرت علاقتنا وصداقتنا ….وفي النهاية هنالك كلمتين فقط تصف حال هذه الفتاة بريئة النفس وتصف بيتها الذي تعيش فيه هو ” السجن الدافئ ” …
أسراء اياد صادق- بغداد
























