
(الزمان) تصل الرقم الصعب
العاملون يهزمون كورونا بالوفاء للمؤسسة والمحبة للمهنة
أحمد عبد المجيد
بغداد
واجهت (الزمان) خلال الألفية الماضية من أعدادها جوائح عديدة ، لكنها ظلت واقفة على قدمين ثابتتين، وعاشت اياما عصيبة، ايضا، لكن العاملين في اقسامها واصلوا عملهم ، تاكيدا لحبهم لها وتعزيزا لروح الثبات التي تحلوا بها منذ ان حملوا هويتها الصحفية، ودخلوا مدرستها لاستكمال شوط كفاحهم المهني.
ومنذ آذار 2020 عايشت (الزمان) ظروف انتشار جائحة كورونا وادت واجبها الوطني في التعريف بخطورتها وآثارها وحثت المواطنين على الالتزام بالتعليمات الصحية للوقاية من الاصابة، وانقاذ مايمكن انقاذه من شرورها.
لص محترف
ولأن الجائحة تتصف بالغدر وتتسلل الى الاجساد خلسة كلص محترف، فانها تدهم الاشخاص والمنازل وتخترق حصون المناعة الجسدية والمتاريس الصحية لتستقر في جوفها، وتبدأ عملها العدواني، دفعة واحدة وبالسرعة القياسية. وهكذا وجد عدد من العاملين في (الزمان) انفسهم، فجأة، ضحايا الجائحة وعانوا اوجاعها وآلامها الشديدة، لكن دون ان ينسوا واجباتهم في العمل او يقطعوا صلتهم بالمهنة التي تعيش في ضمائرهم ،حيث لا تقوى اشرس الهجمات على دحرها او دفعهم للتخلي عنها.
وصادف ان اول ضحاياها ، كان سكرتير التحرير قصي منذر ، الذي طرحته كورونا ثلاثة اسابيع، دون ان تترك له فسحة او تسمح له بهدنة مؤقتة ، كان وقع المرض عليه شديدا كغيره، لكنه بدا مقاوماً صلباً ومنتمياً حقيقياً لمؤسسة احتضنت موهبته وترعرع في اقسامها، وزامل الذين سبقوه الى رحاب (الزمان). وبالقوة والولاء الذي عرف به، ظل يتواصل رقمياً بالجريدة وينتهز اي فرصة لتحسن وضعه الصحي، لكي يديم وجوده ويرفد الجريدة بما يتيسر من اخبار وتقارير ومتابعات يومية، وهكذا حظي باحترام زملائه وتقدير عال من رئاسة التحرير.
وكانت زيارة البابا للعراق والاهتمام الدولي بها اختباراً لحسن تدبير وكفاءة ادارة التحرير، برغم انقطاع رئيس التحرير، عن الدوام بسبب الاصابة بكورونا، واقتصار الاتصال به للقضايا الطارئة، وهي محدودة،فان جهاز التحرير اصدر اعداد الجريدة، طيلة مدة الزيارة ، بأبهى تغطية صحفية.
ولم تمض سوى اسابيع حتى نهشت الجائحة اجساد زملاءآخرين ، بدأت برئيس التحرير الحريص على الالتزام بالتدابير الصحية الوقائية وعرف بالحذر من المصافحة واستقبال الضيوف، الا في الحالات النادرة، لكنه لم يفلت من هجمة كورونا بمخالبها القوية وشراسة سلوكها الفايروسي، واضطر الى حجر نفسه في منزل العائلة نحو شهر كامل، تلقى خلالها العلاجات اللازمة وامنيات مختلف الاوساط الاعلامية والثقافية بالشفاء ، ولم يمنع هذا الظرف العاملين من مواصلة الجهود والتعاون الفذ لانجاز صفحات الجريدة بجهد مهني مشترك ، وتواصلت (الزمان) بالصدور دون تعثر، بالاعتماد على جهود لم تعرف التراجع ولا تذعن الى الاستسلام امام كورونا او بقية الجوائح ومنها تداعيات الحظر الذي كاد في وقت سابق من العام الماضي، يتسبب باغلاق او احتجاب عدد من الصحف . وهنا لابد من تاكيد حقيقة ان (الزمان) رفعت علامة الصمود ورفضت اي شكل من اشكال التفرج على واقع طارئ لم تلتفت اي جهة حكومية او تنظيمية اليه، للمساعدة في تداركه او منع وقوع واتساع اثارة الخطرة.
كانت (الزمان) اول مطبوعة عراقية تبادر الى انتاج الجريدة من منازل الفنيين والمحررين عبر ما يعرف بتقنية (أون لاين)، وشكل صدورها بأربع صفحات في اليومين الاولين، حافزاً لبقية زميلاتها فحذت حذوها وصدرت بالممكن من المحتوى . وفي وقت تهيأ لبعضها دعم حكومي تمثل بالاستثناء من الحظر ،اعتمادا على هويات معتمدة للمؤسسات ،او تدابير الوصول الى العمل لاستثمار الاجهزة الالكترونية غير الشخصية، في اصدار الجرائد، فان (الزمان) واصلت الاصدار بثماني صفحات، اعتمادا على نفسها وتحديا للمعوقات التي فرضها الحظر الناجم عن الجائحة. وهنا تسجل (الزمان) للزميلين المصممين البارزين كمال مصطفى واشرق صادق وبقية المجموعة الشجعان في القسم الفني تقديرها وشكرها، نظرا للجهد الفردي الشامل الذي بذلاه والاداء الجيد الذي قاما به، كما تسجل لفرق التحرير ، وعلى رأسها الزميلة مديرة التحرير ندى شوكت وبقية الطاقم، الاعجاب والعرفان، لما تحملوه من عناء في انتقاء الاخبار واقتناص المعلومات التي توظف في الصحيفة ،تمهيدا لاكتمال كل عدد طيلة ايام الاسبوع. ولاتنسى (الزمان) طبعا ،في ظل الحظر الذي استمر اكثر من شهر الزملاء الكتاب الذي واظبوا على رفد الجريدة بالمقالات والتحليلات، سواء كانت تحت عنوان إلتزامهم الاسبوعي او نهجهم في التواصل مع قراء الجريدة، دورياً .فقد امكن لـ(الزمان) ان تطل في مواعيدها الكترونيا، والقيام بتوزيعها رقمياً بحيث حظيت باعجاب وثناء ملايين القراء في العواصم والقارات، حيث كان نمط التوزيع التقليدي يحول دون وصول الجريدة اليهم. وهكذا حلت في عيونهم حاملة اخبار الوطن وتضحيات اهله وانجازات مبدعيه.
إصابة وحجر
هذا المشهد الخلفي لايحجب تداعيات ما بعد اصابة الزميلين اعلاه، بالجائحة اذ لم تمض الا ايام حتى اطاحت كورونا بالزميلة ندى شوكت واضطرت الى حجر نفسها في المنزل، وبرغم ذلك حرصت على اكمال انجاز صفحتين عهد اليها تحريرهما، وقالت (برغم اني لم اكن استطيع فتح عيوني او رفع رأسي من الوسادة الا ان المسؤولية مع الزمان لم تثقل كاهلي)، فقد غابت ندى شوكت عن مكتبها، لكن طيفها كأخت وأم وزميلة، ظل ماثلا في اقسام الجريدة. وبعد نحو ثلاثة اسابيع دحرت كورونا واستأنفت الدوام، رافعة معنويات الاخرين الذين تلقوا مصيرا مماثلا لمصيرها مع الجائحة، فقد اضطر المصممان كمال مصطفى وخالد طاهر، الى حجر نفسيهما مع حرص عجيب على التواصل الهاتفي للاطمئنان على بقية الزملاء وتعزيز ارادة الصمود الصحي عندهم وابلاغهم بالاستعداد لتنفيذ اية مهمة مهنية توكل اليهما ، فيما تحمل اعباء انجاز تصميم الصفحات طيلة ذلك الغياب أشرق صادق (الانتحاري)، كما يحلو لبعض الزملاء تسميته، الى جانب كل من عادل غالب المبدع الفني الذي دأب على الوصول الى الجريدة على دراجة هوائية من منزله الواقع في الزعفرانية الى البتاويين، كل يوم وهي مغامرة تحمل في ثناياها ابعاداً ايجابية نادرة، منها الوفاء للمؤسسة وحب العمل الصحفي وتقدير المسؤولية في الظرف الصعب. اما الشخص الذي رافق اشرق وعادل في امتحان الصمود امام تحدي كورونا، فهي الزميلة ابنة الجريدة خلود محمد، النحلة التي لاتعرف التعب او تمل من العمل، حد تحمل المهمات عن طيب خاطر وحسن تدبير واخلاص.
اداريا.. تمكنت الجائحة في وقت متزامن من اسقاط المحاسب والاديب حمدي العطار وزميله عارف السيد، اللذين رفعا الراية البيضاء أمام كورونا وظلا في الحجر المنزلي اسابيع ثلاثة بانتظار مسحة الشفاء من الفايروس، وهي عملية يلجأ اليها كل مصاب بعد مرور نحو اسبوعين على بداية الاصابة. وللحق فان الزميلين حمدي وعارف اظهرا كبقية فريق (الزمان) صبرا واستعدادا، وكانا في غاية السعادة لحظة اعلان شفائهما واستئناف عملهما على الفور.
وفيما كان المصابون يرزحون تحت وطأة الحمى والسعال الشديد وضيق التنفس، فانهم كانوا يرفعون اكفهم الى السماء، متضرعين الى الله ان يشفي المرضى في المستشفيات ويجنب زملاءهم في العمل احتمالات الاصابة، محبة بهم و حفاظا على ضمان استمرار صدور الجريدة.
كانت تجربة الاصابة بكورونا إحدى ابرز التحديات، لكنها ليست اقساها، ولاشك في انها لن تكون الاخيرة فـ(الزمان) مشروع يواجه كل عقد تحدياً من نوع معين، أمنياً خرجت (الزمان) متعافية، محافظة على امن العاملين فيها باعتماد المصداقية والموضوعية والنأي بنفسها عن اثارة النعرات الطائفية والاثنية والسياسية ،كما خرجت قوية صلبة من تحدي الضائقة والازمات المالية بسبب تراجع واردات الاعلانات وضغط الميزانية الحكومية بعد الحرب على داعش عام 2014 . كما خرجت من امتحان محاولات الاطاحة بها، كمشروع مهني وطني غير سياسي لخدمة العراق ورفع قيمة المواطنة ، وذلك بقيام اطراف بالطعن بوطنيتها واستقلاليتها واسباغ صبغة ما ،غير حقيقية على محتواها.
(الزمان) تصارع امواجاً متلاطمة في بحر من التحديات الصعبة ، لكنها تبقى علامة فارقة في تاريخ الصحافة العراقية وتتواصل مع قرائها بعزيمة قوية، وهما نادرتان بدليل بلوغها الرقم الصعب 7000.























