الزمان) ترافق قوات البيشمركة في قاطع الخازر وتسجل تفاصيل معركة القصبات )

هذا ما حصل.. شاويس يصدّ و يهجم بضراوة

(الزمان) ترافق قوات البيشمركة في قاطع الخازر وتسجل تفاصيل معركة القصبات

شامل حمدالله

أربيل

صحت نينوى على يوم مرتبك، ثم نامت على انقلاب صعب التصور متوقع الحدوث.

داعش و مجموعات من النظام السابق تحت جناحيها، او متحججة بأسمها و خلف نقابها، تحرق الارض بمن عليها.

تكذيب و تاكيد اعلاميين، شهادات صوتية مزيفة، تسارع محموم لترتيب اتهامات بحق الكرد، اضطراب اهتز له الاعلام الوطني، و تشابك غريب بين اخر من يتوق منهما التشابك.

انسحبت باقي الايام تحت غمامة ازمات امن و سياسة و مرار ثقيل.

كنت واحدا من الذين لايقبل رأيهم الاعلامي الا بصعوبة لتطويق الشق الذي اندفع لتوسعته كثر، ممن ارادوا ان يحسبوا على طرف بعينه في مشادته مع الطرف الاخر.

روز نوري شاويس، القيادي البارز في الحزب الديمقراطي الكردستاني، و بعد عقده مؤتمرا صحفيا، حول تعليق مشاركة الوزراء الكرد في حكومة السيد نوري المالكي، تحرك بهدوء معروف فيه لأيصال رسائل صحفية عن مضمون تحرك عسكري لصد انسياح داعشي على تخوم الاقليم.

فجأة انفجرت داعش، انفجرت عسكريا و امنيا، ورفعت شعارات تثير الرعب حول حاكميتها وخلافتها و ما اعتقدته من فتح، واندفعت نحو مناطق لا تعترف بخصوصيتها و لا بعائديتها، تريد ان ترتب الارض للغزو الحديث بملابس من القرون الوسطى و اسلحة القرن الحادي و العشرين.

في مقر شاويس

في الطريق الى الموصل يكون مقر شاويس، حيث يقود منه العمليات العسكرية.

وجدت القيادي، الذي رأس حكومة و برلمان كردستان قبل سنوات، قد لبس زيا عسكريا، في غرفة بسيطة امتلأت بالخرائط، وبقيادات من البيشمركة.

وبأستثناء ضحكته المميزة، وسيماء الفطنة على تقاسيم وجهه، فأن الدكتور” هكذا نناديه” او كاك دكتور” كتوم بطبعه، لا تقرأ افكاره و لا تتفلت منه اشارات الا اذا تعمدها.

شاويس الحاصل على شهادة الدكتوراه في الهندسة من المانيا، هو ايضا قائد عسكري و سياسي، يسير بثقة على خطوط النار، ويمتهن الايقاع بالعدو.

معركة جبل زرتك

زرتك او العين الصفراء كانت تلمع بعين شاويس، ذلك الجبل الذي صعدت له قوات الدولة الاسلامية.

وصلت الى مقر الدكتور، ابتسم لي و هو يكلم شخصا على الهاتف، لم بيدو عليه اي قلق، سألت المحيطين به و بعض قيادات صديقة من البيشمركة ممن جمعتني معهم ايام العمل السابق.

– اين داعش؟

-من السهل في قرية حسن شام الى جبل زرتك.

-كم يبعدون؟

– كانوا قريبين جدا، و دفعتهم قوات البيشمركة التي تأتمر لشاويس.

كان المقر في حراك دائم، لا يهدأ الا و يعود لحركاته بين عتاد وتجهيز.

كل شيء يسير نحو حركة لايؤخرها شاويس الا لتغمض عين العدو.

الدكتور في السادسة و الستين، لكنه لا يتعب، ربما لايتعب، لكنه مستنفر القوى بتوأد.

قبل اكثر من ثلاثة اسابيع، وليلة الخميس الخامس من ايلول، لمحت انه يريد ساعتين من النوم، ناداني بعدها.

– اركب احدى السيارات. سنتحرك، قال شاويس.

في الساعة الثالثة فجرا تحرك الرتل بأضواء خافتة و بطريق ترابي يصعب خزن تعرجاته ومتاهاته، ليلتف بين التلال ويصعد احداها.

كان شاويس قد اصدر اوامره لبدء قصف  تمهيدي لقض المجاميع المسلحة بين سفح الجبل و قمته، ثم وقف بين المدفعية و الهاون  وهما يشقان الليل بضوء وصوت يعلنان الموت بأقواس من النار سريعة.

كانت الوان السماء تتبدل بمجيء الفجر، و الدكتور يحمل منظاره العسكري ويطلب من  البيشمركة عدم التواجد بشكل ظاهر وباكثر من خمس في كل مجموعة.

من اليمين الى يسار الجبهة كانت نيران الرجال تلاحق مخابئ مسلحي داعش وقد بتنا نراهم نحن بوضوح اكثر الان، نرى اسلحتهم و عجلاتهم بعضها يقاوم و الاخر يريد ان ينجو بأي شكل، وكان سفح جبل زرتك يشبه شوكة تباعدت اسنانها اتخذها داعش مواقع لنصب اسلحته تجاه مصادر نيران شاويس، اربع ساعات و اكثر من تبادل نيران مستمر، انهاه الدكتور بقصف مركز ثم ساد الصمت.

بعد المعركة الاولى

لاتسيطر الفرحة على روز نوري شاويس، لقد رد على التهاني بأبتسامة تقطعها نصيحة عسكرية للقيادات التي تنتظر اوامره.

– تقوية الدفاعات و عدم دخول المخابئ الا للقوات المدرية على ذلك.

– هناك جثث لداعش في كل مكان” نداء من احد القادة.

–           رد شاويس بالقول” قد تكون بعضها مخخة، و البيوت ملغمة. و كان ماقال صحيحا.

–           بعدها و بعد ساعات قتال عنيف طلب شاويس الجهد الهندسي في قوات البيشمركة لاجتماع على التلال المجاورة للجبل، ووضع سيطرات للمنطقة العسكرية الممحررة و تطمين الاهالي الذي فر اكثرهم مع مجيء داعش للمنطقة قبل اسابيع.

عدنا الى المقر و الوجوه متعبة والاسلحة تفوح بروائح بارود ملأت المكان و الدخان الاسود والابيض و الرمادي و الوان اخر تتدرج مع الوان المنطقة تعلن كلمة النهاية الاولى في الافق. لقد عاد جبل زرتك واصبحت مقتربات نينوى تراها العين.

معركة القصبات السبع

جبلان و اسفلهما قوسان  متقابلان من القصبات ، القصبات بيد المسلحين، و لايمكن بأي قياس عسكري الاستهانة بالخطر الذي يمثلونه.

شاويس تسلق بقوات البيشمركة الى الجبلين، لكن المنطقة تحتاج الى تجميع للقدرات لأنتزاع اسفل الوادي من اليسار، انتزاعه من داعش.

شاويس كان يعقد اجتماعات بكل مكان و هاتفه يحتاج الى الشحن حتى في السيارة.

اكثر من اربعين ليلة يبيت بالمقر في غرفة بجوار غرفتنا، زيه العسكري و سلاح قنصه و خرائط الحرب قرب رأسه.

لم تغادره الابتسامة حين تجد طريقها اليه، لكنه سرعان ما يرجع مقاتلا شرسا او ترتسم على بروفايل وجهه حنكة السياسي والمخطط.

شاويس متمرس  في التمويه العسكري، فقد تعمد بث الحيرة في نفوس اشباح في الطرف المقابل لمعسكرنا على بعد كيلو ونصف الكيلو متر، تقطعها سواتر تعلن الارض الحرام بيننا وبين داعش.

طالت فترة الصمت قرابة الاسبوعين، فجأة تحركت صوب المعسكر و لساعات قيادات يستدعيها الدكتور، يبدو ان ثمة تحرك… لا احد الا قلة يعلم بذلك.

قبلها و لأيام كنا نسرق الوقت لمقابلة صحفية معه، اعلاميون من كوردستان و العراق واوربا يثقلون بالاتصالات و نثقل عليهم بالتمهل، شاويس يحتاج الكثير من الوقت في مواجعة حماية خاصرة كردستان بالخازر.

الاسلحة و الذخيرة والتموين والجهد الهندسي و قبلها المعنويات والاجتماعات السياسية والزيارات الميدانية في ذروة الخطر وسموم الصيف، يواجهها شاويس، و للاعلام حصة ايضا.

اخذ الدكتور فرشاة اسنانه وتوجه ليشطف وجهه ويتمدد على اريكة غير مريحة لساعة من نوم.

بعدها بساعة او اكثر، كأن شيئا لم يكن. شاويس يركب بموكب من البيشمركة ليلتف خلف الجبلين بطريق طويل متعرج ترابي ليصدم داعش من الخلف، كان يقود الفك الاسفل من فم يعض على داعش في القصبات التي ارتمت اسفل الوادي.

بدأت الارض تندك من وقع الصواريخ و رعد المدافع، اما قواته الاخرى فقد انتظرتهم على الطرف المقابل.

ثمان ساعات مرت ثقيلة عنيفة، وعندما ادركت داعش ان ثمة هزيمة اخرى تلوح في افق مغبر مطلع الفجر، ارادت استخدام تكتيك يروع قوات البيشمركة فأرسلت شاحنة الى طريق شاويس، سارع الدكتور لضربها بقذيفة “ار بي جي” فأذا بأنفجار يوقض صوته الموصل و ليس الخازر فقط، لقد كانت شاحنة محملة بالكامل بال” تي ان تي”.

كل النداءات التي تصل من جهاز مخابرة شاويس تطلب للبيشمركة القصف و سحب داعش خارج القصبات و عدم مطاردتهم الى داخل البيوت،… البيوت كلها مفخخة..جنبات الطرق… مصائد كثيرة وضعتها داعش… حتى راياتها على السطوح هي بمثابة صاعق ينفجر اذا ما تم نزعه.

بعد الظهر بساعات عاد شاويس مبتسما و ماهو اكبر من التعب يبدو على وجهه و من معه.

– لقد وصلنا الى الجسر.. هكذا قال.

الان الجبلان و الخازر و قصباته بلا داعش… لكن اثارهم باقية.. عبواتهم في كل مكان… اعتقد اننا دخلنا سبع عبوات و ليس سبع قصبات.

استنفرت قوات الجهد الهندسي وليومين نسمع صوت الانفجارات يعلو دخانها بعد الصوت من قرب و صوتها يأتي بعد الدخان عن بعد.

بعد النصر بساعات تحركنا خلف شاويس ليتفقد البيشمركة قرب جسر الخازر الاخير…. و تعرضنا للقصف.. لكن شاويس كان ممسكنا بالارض يطلب من البيشمركة ان لا يتجمعوا خوفا عليهم ان وقع المحضور.

الخازر بوسع ارضها اصبحت حرة.

قتلى داعش كانوا بأعمار بين العشرين و الخامسة و العشرين حسب تقديري، لحى كثة و شعر رأس طويل و بعضهم حليقو الشارب.. من رأيتهم لم يكن بحوزتهم اي هويات ثبوتية  تدل على جنسيتهم لكني لم اشأ ان ارى كل الجثث، اقتربت من احدهم، جسده يحوم عليه ذباب الظهيرة،  طوله بحدود الـ180 سنتمتراً، ضخم البنية يحمل هاتف بلاك بيري، تلقى رصاصات في الصدر و البطن و الصدغ، ملامح الموت تدل على انه قتل قبل ساعات قليلة، وجهه اسيوي الملامح، و ملابسه داكنة اللون فصالها يعيد للذهن ملبس الظواهري بأستثاء انه حاسر الرأس. سألت نفسي، ما اتى بمثل هذا الى مصرعه؟ اهي الفتوى، ام عقيدة شوهاء ام البحث عن دور يفقدك الارض بحثا عن مكان في عالم اخر تطاردك فيه صرخات ضحاياك الابرياء؟

الغريب ان مجموعة القتلى كانت ترتدي نفس الجوارب بنفس اللون والنقش.

وصل الفريق الطبي و قام بعمله

بعدها بساعات ابلغت ان الدكتور سيزور بغداد لحضور اجتماعين سريعين و يعود بعدها الى الجبهة، تعودت عليه بالزي العسكري، في الصباح كان الدكتور يلبس بدلة زرقاء و ربطة عنق ارجوانية داكنة… ابتسمت في سري… لقد بدأ يقرأ مقالا عن التاريخ وهو يرتشف القهوة في الطائرة.