الرصاصة المزروعة في دماغي
ما كاد ابي يضع قدمه خارج المنزل حتى ركضت بجنون هستيري الى الغرفة المهجورة اسفل الدار، تعثرت على السلم مرتين وصرت اركض بيديّ ورجليّ حتى بلغت فناء الغرفة، وقفت متسمرا كسائق يستعمل الكابح بعد سرعة فائقة، رأسي وحده يطوف بين الصناديق الكثيرة، كانت المسدسات مصفوفة بشكل أنيق في علبها الخشبية، يومها تحسست حديد مسدس حقيقي لأول مرة، امررت يدي على قبضته كما يمرر مراهق يده على فخذ فتاة في موعدهم الأول، ثم اذ وجدته قريبا لروحي وكأني عقدت معه حبا من أول لمسة، مسحت خدي بقبضته واستنشقت رائحة ماسورته التي لارائحة لها؛ لأن مجموعة المسدسات هذه لم تطلق منها طلقة واحدة للآن،
قال ابي، نائب الضابط في الجيش، وأمين المشجب، أن الحكومة اذا سقطت فسنشتغل بتجارة الأسلحة، واذا عاد – صدام – سأكون نائب الضابط الأمين الذي حافظ على أسلحة المعسكر في بيته انطلاقا من شعوره بالمسؤولية وايمانا منه بمبادئ الحزب والثورة!!، ويبدو ان ابي كان يعد لهذا الأمر جيدا طيلة ليالي الحرب، قبل ان يبت فيه آخر ليلة قبل السقوط . وبالفعل اصبحنا تجارا، وصار يقصدنا ليلا انواع الرجال وأصنافهم، من كل الأعمار و المدن، واذا كان ابي امتنع عن بيع سلاح يوما، فهو لمن لايملك ثمنه،اما ان يكون الشاري طفلا أو شيخا، مجنونا أو عاقلا، امرأة حتى، فمن حق كل منهم ان يمتلك سلاحا مادام يملك ثمنه.
وحققت مسدسات ابي اول سبق لها، يوم سببت الحادث الكئيب في بيت جاسم – حواسم – ، جيراننا لصق دارنا، ارعب الحادث المحلة، اطلق الطفل تجاه صدغه وهو يلاعب عقرب المسدس رصاصة حفرت مكانها في الجدار الصفيحي لحوشهم بعد ان خرجت من يافوخه الصغير. وكانت الفاجعة الأولى في المحلة وليست الأخيرة.
هل سيردعني هذا الحادث عن هوسي وعشقي؟! أشك في ذلك؛ يشبه الأمر الادمان على الحشيشة او السيجار، فيّ شبق الى رائحة السلاح لا أستطيع مقاومته، هل تصدقون اني كنت احشر طلقة المسدس في أنفي لأشبع من رائحتها، بل وجربت ان افتح غطاء الرصاصات لأستخرج بارودها واستنشق عطره.
واخفيت مسدسا في غرفتي تحت وسادتي، كان ذلك في اليوم الثالث لاستخدام باحة بيتنا الخلفية لخزن صناديق ابي؛ بعد ان غصت بها الغرفة التحتية.
كفاني تمنعا عن كل هذا الاغراء اليومي، لابد للعاشق من موعد اول. بمجرد ان تعبر البستان ثم النهر قبال محلتنا الى الضفة الاخرى ستواجهك يابسة شاسعة، وستكون ملكك لك وحدك، كان برفقتي كلب البيت، وكنت احاكي مشهد فيلم امريكي يقضي بأن اقتله، لأخطو الخطوة الاولى تجاه حلمي بالقتل كحرفة؛ ان تشاهد كائنا حيا يموت بفعل يدك. تطلب مني ذلك خمس اطلاقات ومشاهدة بطيئة لاحتضار كلب عجوز، حتى هدأت روحه تماما، بعدها، استمتعت باستنشاق رائحة بارود حقيقية تنبعث من فم المسدس، ابتدأ الامر بصديقي الكلب ولم يتوقف بعدها ابدا..
بعد عشر سنوات من الموعد الاول، حظيت أخيرا بفرصة لاريح جسدي وروحي، راحة اجبارية، لم يفارقني خلالها، حتى في يقظتي ، كابوس الكلب الصديق الذي يبعث فجأة من موته ويطاردني، مارا بكل الوجوه التي حفرت ملامحها في جزء ما من دماغي، يستخرجون الرصاصات المغروسة في عيونهم و اصداغهم او افئدتهم، ويقذفون بها تجاهي، فتتحول الى كلاب تنضم لقافلة الكلاب المسعورة التي تلاحقني في ازقة المحلة، وحين تفغر الكلاب فكوكها ويملأ هريرها اذني، يعاجلني كلب اعرفه، لينهش كتفي ويغرس نابه قرب عمودي الفقري ..
مهوسة بي هذه الطلقة الخبيثة، اختارت مكانها بعناية، مسافة مليمات عن حبلي الشوكي، لكنها لم تضعني امام قدري بنهاية حياتي واختارت الخيار الاصعب، الشلل.. تحقق مبيعات قصصي اليوم ارقاما خيالية، رغم اني اكتب بلا محسنات لغوية او تفاهات بلاغية، معتمدا على موهبة الطفولة، ولكن هل هو الصدق في لغتي الذي يجذب هؤلاء القراء، ام الرعب الذي يمتلك مجامع قلوبهم وانا اصف بدقة ملامح الوجوه التي اضعها امام نهاياتها برصاصة محترف، رصاصة واحدة فقط .
يقرأ قصصي اولئك المرعوبون منا، الذين ينتظروننا كل ليلة، ينتظرون طرقنا المخيف على ابوابهم، اما زملائي المحترفون، فلا وقت عندهم لقراءة الحكايا، فهم منتشرون في جنح الليل بانتظار ان ينهي ضحاياهم قصتي، لتبدأ قصصهم ..
عقيل عبدالله – الديوانية
























