رسائل الى رجل حكيم
الرسالة التاسعة والسبعون – ناجي التكريتي
أيها الرجل الحكيم:
اود ان اذكرك بوجود مقولة, يتداولها الذين ادركهم تداول الافكار وصنع الكلمات, انه ما ان يظهر الكاتب افكاره على الملأ وينشره امام الناس, حتى تتداعى عليه الافكار من كل جانب, وكانه تذكر اشياء واشياء, وكأنه صار ناقداً لافكاره, ولكن بعد فوات الاوان.
هذا الحكيم حين يراجع ما كتبه, يلوم نفسه على اشياء ذكرها وهو يلوم النفس بان ما كان عليه ان يقولها, وافكار اخرى تترآى امام العين يلوم نفسه لانه لم يذكرها…وهكذا.
انت اذن لست وحدك الذي يكون عرضة لهذه التداعيات من اللوم والاسف على ما كان.
هذا يدل دلالة واضحة على انه لا يوجد انسان كامل مهما خيل اليه انه وصل من العلم الى اعلى الدرجات.
لو ان حكيما واحداً وصل الى درجة الكمال, لاطمأن الناس كلهم بما قد اتى به من افكار, ولما كان هناك صراع في الافكار وجدال بين العقول.
هذا الحال في رأيي, فيه خير كبير, للحضارة الانسانية, وان كل حضارة من الحضارات تنشأ وتتطور وتنضج من خلال هذا الحوار الفكري الذي ليس له نهاية, والذي لن ينتهي ابداً.
السبب وراء كل ذلك, لان الانسان غير مكتمل البناء, وانه يسعى دائماً لتحقيق الكمال, وانه لن يدرك الكمال مهما سعى وجد واجتهد, بل هو دائم المسير والطريق شائك وطويل.
لا بأس عليك ما دمت تواصل الدرب جاداً غير منقطع ولا متردد, ما دام هدفك اخلاقياً, يهمك خير الانسان ودعوته لعمل الفضيلة, وهدفك الكبير سعادة الانسان.
حاول ان تعيد النظر في كتابك قبل ان تظهره على الملأ, واستشر من تثق به من الاقران, واذا ما اقتنعت بما اعطيت, فلا تثريب عليك, في ان تقدم ما انت قادر عليه, بكل ثقة وايمان.
اذا لاقيت تزمتاً عند بعض الناس, ونقداً جارحاً من آخرين, فلا تيأس ولا تقنط, فمن ادراك ان النقص يكمن في الآخرين, لغرض في انفسهم, وليس في ما قدمت من افكار.
مع هذا, انت ادرى بان الكمال عزيز, وعليك ان تجتهد وتقدم ما هو افضل على الدوام.
يكفيك فخراً واعتزازاً, ان هدفك انتشال الناس من الحياة الجامدة المملة, لتأخذ بيدهم الى فضاء التفكير الحر والطموح الى غد افضل.
تذكر دائماً, ان كثيراً من الحكماء صفق لهم مواطنوهم, ولكن تبين خطأ نظرياتهم فيما بعد, وان كثيراً من الحكماء لم يصدقهم مواطنوهم, فسخروا من افكارهم واظهروا لهم العداء, ولكن آمنوا بهم وبافكارهم, واعادوا لهم الاعتياز, ولكن بعد فوات الاوان.
لا تحزن ولا خوف عليك ما دمت اخلاقياً ولم تكن نفعياً, لان كل ما هو اخلاقي سيعطي أكله عاجلاً ام آجلاً, وان كل تفكير نفعي فان ماله الى السقوط والاندثار.
اني ارفع لك يدي محيياً, ما دمت لا تسعى الى مجد شخصي خاص, بل انت تسعى الى ما يفيد الانسان, وما يجلب له الخير ويرشده الى الدرب الصواب.

















