الرؤية القصدية والتحقيق المشروط

الرؤية القصدية والتحقيق المشروط

علاء حمد

 كلّ شيء له مقاصده الحتمية، وطالما أنّنا مع الحتمية، فللأشياء المنظورة واستيعابها لها أسبابها، كأن تكون عوامل التأثر عالية، أو تكون من الأحداث النوعية غير المكررة، فالرؤية بهذا الاتجاه لها قصديتها، فيتحرك الفعل القصدي نحو النتائج أكثر من تحركه نحو الأسباب، فالسبب من تواجد الأشياء من ضمن خصوصية الأشياء نفسها، لذلك يكون الفعل القصدي إلى جانب الرؤية والتي تحيط بالأشياء من جوانب عديدة، وذلك لتكوين شبكة من العلاقات الديناميكية لكي تقضي الذات على حالات التفكر والسكوت المتقطع، وهذه الوسائل تساعدنا على التلقائية.

قد ننحاز إلى الشعر والتصوير، طالما أن الشعرية عبارة عن صور، والنصّ الشعري صورة تحوي على أجزاء متتالية لتكوين المنظور الأكبر، لذلك كلّ نص يعتمد على بعض البنى، ومنها البنى الصغيرة والبنى الكبيرة. الصورة التي يتصورها الشاعر ماهي إلا بعض التصورات التي قصدها بفعل غير مباشر، فالحلم يأتي من خلال الخيال، والخيال يحوي على أحلام عديدة، فهو يمتلك مساحة لانستطيع قياسها بشكل مباشر، ولكن يتم قياس هذه المساحة ومدى استغلال الشاعر مساحته الكافية من المساحة الكلية، وهذا ماتقرره مساحة النصّ الشعري وعلاقاته المفتوحة مع الكل، والكل مع الخارج، حيث إن الفضاء الخارجي يمثل مساحة لاحصر لها. كلّ نية من نوايا الشاعر وهو يميل إلى الخلق الشعري، يتبعه الفعل القصدي، فحالة الإشباع التي يرسمها في النصّ المقروء، تكون نفسها حالة الإشباع في النصّ المكتوب، فنحن مع النصية الآن، والنصية لا تتحدد في حالة من الإشباع، فهي فضاء مفتوح لعلاقات عديدة، تمثل العلاقات الداخلية للنصّ، والعلاقات الخارجية أيضا، لذلك لانستطيع أن نحدد الحالات الفنية في النص والنصية بشكلها المتقولب، ولكن نستطيع أن نكون مع بعضها حسب الحاجة الملحة لهذه العلاقات التي تحدث في النصية.

تحقيق مشروط

ينجز الفعل القصدي تحقيقا مشروطا عندما يتم تحقيق القصد في النصّ الشعري؛ ويكون لأفعال الكلام الأهمية في تحقيق الفعل القصدي، ولكن إذا لم يتم تحقيق القصد من وراء القول والقول الشعري، فلا يمكننا أن نطلق على هذه الحالة بأن هناك قصدية في القول الشعري، فالرغبة بالكتابة متواجدة، وهي رؤية الفنان في تحقيق رؤيته الكتابية، ولكن إذا لم تتحقق هذه الرغبة وتبقى عالقة، يكون الشاعر في هذه الحالة مازال يرغب الكتابة ولكنه لم يقصدها. والفعل القصدي لكي يمارس نشاطه بين حيثيات النصّ الشعري، نكون قد حققنا الرغبة الكتابية وإلا لاتواجد لهذا الفعل خارج الكتابة والمقاصد المزعومة في رسم وتفكيك النصّ. ونستطيع أن نذهب إلى الاعتقاد أيضا وهي اعتقادات لاعلاقة لها بحركة الفعل القصدي، فأنا اعتقد بأن الشاعر يجيد الكتابة ولكنه لايكتب، وإنّ الكتابة لم تبلغ مفعولها التفاعلي بين حركة أفعال الكلام الانتقالية، وفي هذه الحالة أيضا يبتعد الفعل القصدي عن حركة الأفعال التي تعتبر من شروط الكتابة وآلياتها المعتمدة، والتي تنقلنا من حالة زمنية إلى أخرى، فالتحديد الزمني يتم من خلال حركة الافعال، فهل الفعل من أفعال الحركة الانتقالية أم من أفعال الحركة التموضعية، فبعض الأفعال تتموضع في مكانها ولكنها دالة أيضا، وبعضها تتحرك وتنتقل من دلالة إلى أخرى من خلال الإشارات والتي تؤدي إلى دلالة الفعل وما يعنيه الشاعر في رسم وتحقيق قصديته بين هذه الأفعال.تتحقق شروط الخروج من المفاهيم الغامضة غير العالقة بالذات؛ قصديتها عندما يكون للشاعر نوايا تحقيق ذلك، ولكن عند الرغبة، رغبة اللغة الغامضة والتي تؤدي إلى معاني مخفية، تكون القصدية شرطا من شروط الباث الذي يسعى إلى توظيف شروطه اللغوية بين التوضيح والغموض، ومعظم الصور الشعرية لايناسبها الغموض المباشر، بل يناسبها الغموض غير المباشر، وكذلك تناسبها الانزياحات والاختلاف اللغوي، وهنا يكون للفعل القصدي مساحة ولو جزئية إلى جانب مساحة فعل المتخيل، حيث إن الخيال يعتبر شرطا من شروط الاختلاف اللغوي في إيجاد الصيغ المناسبة لرؤية الشاعر وهو يسبك لنا لوازمه الفنية في النصّ الشعري الحديث. ونعتبر الوعي اللغوي والوعي الذاتي جزءا من قصدية الشاعر عندما ينقل الأحداث الشعرية ويترجمها شعرا أو قولا شعريا.