الرؤوس المتطايرة

الرؤوس المتطايرة

لم يكن المكان ضيقا  بل كان عبارة عن ساحة مستطيلة تؤدي إلى فضاءات على الجانبين والفضاءات بدورها تؤدي إلى فضاءات أخرى . ويتخلل الساحة شارع ينتهي إلى تقاطع مزدحم بكل نوع من وسائط النقل حيث اختلط القديم بالجديد ولم نعد نفرق من الأسرع من هذه الأنواع . وتمتلئ الساحة بالباعة الذين يعرضون بضاعتهم أما في عربات يدفعونها أو في داخل أكشاك كارتونية رسمت عليها دمى مختلفة  والناس من كل أحياء المدينة ومن أماكن أخرى يزدحمون هنا . الباعة لم يتعودوا الصمت إطلاقا .فالكل ينادي بأعلى صوته معلنا عن بضاعته بأنها الأحسن . فبائع الخضار يصيح بان خضرته طازجة وغير مستوردة وبائع الدمى ذات البطاريات مشغول بالصياح وبتحريك الدمى المختلفة وأما بائعة اللبن جالسة عند الركن البعيد من المدخل مفترشة قطعة قماش قد حولتها الأتربة والأوساخ إلى قطعة سوداء مما يُسهّل انتباه المارة إلى تباين الألوان ليتمكنوا من رؤية اللبن في القدور الكبيرة المركونة أمامها وهي تهز بمنديلها تبعد الحشرات عن القدور . والى جانبها بائعة الخضار  الفجل والسبانخ والكراث والريحان وغيرها  وهذه لا تنادي على بضاعتها لان الجميع قد تعود على وجود أحسن أنواع الخضار وأنظفها وهي منهمكة بترتيب وتصفيف الباقات بشكل يلفت النظر . وفي الجانب الآخر عند الرصيف يمتد خطُّ باعةٍ من غير نوع  إنهم باعة السمك المعروض في العربات وتكاد لا تستطيع تميز الأصوات التي ينادي بها هؤلاء للإعلان عن معروضاتهم من أنواع السمك النهري المحلي والمستورد  الكبير الحجم والصغير. وهناك عارضة طويلة تمنع الحافلات الكبيرة من المرور بهذا الشارع ويقف عند هذه العارضة عددٌ من أفراد الشرطة للسيطرة والمراقبة والتحقق من كل شيء مريب .

كنتُ كلما عدتُ من العمل و أصل إلى هذا المكان ابدأ امشي الهوينا لأن المنظر يستهويني كثيرا لأسباب مختلفة منها أن المعروض رخيص الثمن بالمقارنة إلى ما موجود في الأماكن الأخرى ومنها المشهد المثير للتجانس والانسجام بين مختلف الأشياء المعروضة ومنها السيمفونية التي تنطلق من أصوات الباعة

لكنني بالمقابل كلما أصل إلى العارضة والتفتُ إلى الوراء يتملكني هاجسٌ غريب بأن شيئا ما سيحصل في هذا المكان وأظل أسائل نفسي كيف سيكون الأمر لو حصل هذا بالفعل . وفي ذلك اليوم لم يكن في نيتي الذهاب إلى أي مكان لأنه يوم سبت وآثرت أن أبقى راقدا حتى وقت متأخر من النهار لكن رنين جهاز الهاتف الذي لم يرن لمدة أكثر من شهرين افسد عليّ آمالي في الاستمتاع ممدا على الفراش وعندما رفعت السماعة سمعتُ صوتا في الجانب الآخر يستدعيني لحضور مناسبة اجتماعية يحضرها مدعوون من مختلف الأماكن . وكم تثاقلتُ عن الرد الايجابي في بداية الأمر لكنني وافقت في آخر الأمر بدافع الفضول لا بدافع تلبية واجب اجتماعي . وعندما أكملتُ غسل وجهي وارتداء ملابسي وبعد النظر إلى هندامي مثار إعجابي في المرآة تحلق حولي أحفادي الصغار  هذه تطلب دمية وهذا يطلب بندقية آلية وذاك يطلب نوعا من الحلوى …….. نعم هو عالم البراءة الجميل .

خرجتُ من باب الدار المطلة على الشارع مباشرة وأشرت على الحافلة الزرقاء فمرت كالبرق بدون أن يعتذر سائقها عن عدم توفر المكان  أما الحافلة الحمراء فقد أومأ سائقُها من بعيد بان لا مكانَ فارغا . لم تستغرق مدة الانتظار أكثر من خمس دقائق حتى جاء الصقر – الحافلة الألمانية الصنع التي لا يوجد مكان على جهاتها يخلو من شعار من شعارات المرحلة ودعاية لأصحاب الخضار والألبان والبسكت . توقف الصقر واقلني وكان السائق لا يكف عن التندر والحديث عن مرارة العيش والغزو (الخضري والفواكهي) الذي حل في البلد . وكانت أطراف الحديث ممتعة جدا لولا أن السائق أمرنا بالنزول لأنها المحطة الأخيرة . كنتُ أول النازلين لكن امرأة عجوزاً استنجدت بي على مساعدتها بالنزول فأنزلتها بكل رفق وسألتها عن وجهتها فردت لطلب شفاعة سيدنا الحسين وأبطأت كثيرا في السير حتى أتمكن من إيصال العجوز إلى الطريق الأقل ازدحاما .وكان يجلس على حافة الطريق عددٌ من المتسولين . هذا ينادي صدقةٌ يا محسنين وتلك تقول من مال الله وذاك يصيح عطية قليلة تدفع بلاوياً كثيرة وكنتُ ماسكا بيد العجوز وأتكلم معها بدعابة مذكرها بأيام شبابها وهي تتذكر ذلك بحسرة وحدث الانفجار وارتج كلُ شي وتطايرت الأشياء في كل مكان وعلى كل مكان وفي كل الاتجاهات وعلا اللهب والدخان  أيد بشرية تسقط هنا ورؤوس تتدحرج هناك وأرجل تتساقط فوق المحال المسقفة والناس القريبة من مكان الانفجار يدفع بعضها بعضا هاربين من شدة الفزع والخوف وآخرون يركضون باتجاه الانفجار يدفعهم الفضول أو الخوف على عزيز كان يبيع هناك أو طفل خرج ليشتري قطعة حلوى أو أم ذهبت لتتسوق متطلبات ذلك اليوم  انه فعلا مشهد مهول وفزعٌ ما بعده فزع. ولكن لم يصبني خوف أو ذهول لربما لكثرة ما شاهدتُ من تساقط أصحابي وزملائي صرعى أيام الحروب المجنونة وكأنما نفسي متآلفة تماما مع نوع كهذا من الدوي  مشاهد كهذا . هرع أصحاب السيارات إلى إخراج سياراتهم من المحطة يتسابقون والتمستُ احدَهم أن يساعدَ العجوز بالصعود ويأخذها معه .

لم يكن الانفجار يبعد سوى عشرات من الأمتار لكن كان هناك الحائط الذي يفصل بين السوق والمحطة هو الفاصل . حثثت الخطى صوب المكان وقد رأيت الذي لم تره عين …..جثث ينبعثُ منها الدخان بعضها فوق بعض ورؤوس مبعثرة هنا وهناك وأيدي مقطعة تملأ المكان والدم يسيل غزيرا باتجاه منافذ المجاري  أكداس من الجثث هنا  أكداس من الجثث هناك  السيارات ما زالت تحترق على من في داخلها …………..يا للهول يا للمأساة .

وعند مكان بعيد من مكان الانفجار رجل يضرب رأسه بالحائط ويصيح بأعلى صوته  لماذا لم امت معكم لماذا لم امت؟

دنوت منه أخذتُ بيده ضممته إلى صدري وقلت له :

لا باس عليك يا رجل تشجع ليس هذا وقت عويل وبكاء . هذا وقت عمل  دعنا نساعد في لم الأوصال ووضع بعضها مع بعض .

لكن الرجل سرعان ما انهار وبدأ يبكي بكاء شديدا ويردد كلمات لم افهمها لأن العبرة كانت تتكسر في صدره حينما ينطق الكلمة ولما صحتُ عليه اشحذ همته وأحاول تشجيعه أشار إليّ أن انظر إلى العربة المركونة هناك  وعندما نظرت بداخلها رأيت امرأة محترقة على صدرها طفلان محترقان على ثدييها كل ثدي ما زال في فم كل واحد منهما فما كان مني إلا أن اجلس بجانبه وابكي كما يبكي واضرب راسي بالحائط عل راسي ينسى هول المشهد الرهيب .

حمودي الكناني – بغداد