الدولة بين متلازمتي  (1) – مزهر الخفاجي

الدولة بين متلازمتي  (1) – مزهر الخفاجي

غموض الوجود والحضور المصادر

لقد اصبح من المؤكد ان الصراع جوهر الوجود الانساني واذا كنا نعرف ان الصراعات قد تعددت اشكالها وانواعها وصفاتها ..لكن يبقى صراع الفرد مع نفسه في مقدمة الصراعات الانسانية ..

ان تاريخ الصراع بين الروح والجسد والتي تعد مظهراً من مظاهر الصراع الوجودي وهو بحق من اقدم انواع الصراعات واذا دققنا في تاريخ كل منها فاننا نجد ان هذا الصراع رغم ان تاريخ الروح اكثر من تاريخ ولادة الجسد …

رغم هذا السبق المفتعل تبقى مشاكل الجسد او قل حرائقه المجتمعيه والفكرية والثقافية هي مشكلة المشاكل …

ورغم اعتقادنا فاعلية الروح التي تصل البشر ..ظلت جدلية الصراع الكوني (التي تتصارع فيها ارواح الناس واجسادهم )جدلية تحرك جميع التغيرات الحاصلة في عالمنا القديم والحديث والمعاصر…

وكان الصراع البشري ونقصد (الفرد مع الجماعة) كان نتيجة طبيعية للتغيير الحاصل في المعمورة..

اذا أن ازلية الصراع او قولو بدئيته او بدائيته كانت قد احتدمت ذات الفرد (صراع بين الروح والجسد بين المقدس والعادي بين الحق والعدوان )

 ولا مناص من ان نقول ان الفرد ذاتاً والارض مكاناً والتاريخ زماناً كان جوهرة عملية الصراع وادارته والعنصر الفاعل فيها ، وان الصراع بين روح الفرد وجسده ظلت تتناوبان على كفتي ميزان الصراع وقد يقول قائل ان خلق الروح كان اسبق من خلق الجسد واصحاب هذا القول لم يقصدوا ابراز وفعالية الروح التي تصل البشرية ببعضها البعض …

ان فاعلية الروح او قل نواياها كانتا هما الحافز والدافع للجسد …هذا المفهوم هو الذي دافع عنه الفيلسوف (غادمير هوبز) والذي الزم فيه خاصية الفعل الانساني  تبعاً لفهم الانسان او مدركه العقلي البشري (الديني ،الثقافي ،الاخلاقي..الخ)

ان الفهم والادراك الروحي والعقلي هو المنير للفعل الجسدي او هو المتحكم فيه ولاننا مازلنا نعتقد ان الفعل الروحي لايتصارع مع الفعل الجسدي انما يحتاجان الى ثالوث ونقصد فيه جدوى الفعل (الروحي والجسدي ) ويحتاجان كذلك الى الالتزام به وثالثهما يحتاج الانسان روحاً وجسد لانهاء فكرة الصراع و يحتاج الى مهارات او قل ان تبصر النفس البشرية او تعقل ( غائية وجدوى الصراع ) وحشد المهارات (الروحية والعقلية والجسدية) لاتمام هذا الفعل …

ان مستلزمات نجاح الفعل الخير والهدف الخير يحتاج الى ثلاثة مرتكزات كما نعتقد :

 1- الاحاطة بالمبدأ (اي الفعل _ السياسي الديني الاخلاقي )

2- الايمان به

3-التقدير له

ولان الفرد كما تذكر كل المدونات التاريخية والانثربولوجية روح المجتمعات الفردية وهو يتصارع على مدار وجوده البشري بين خياراته الاصعب والمجتمع جسد هذا الفرد لانه طريقه تمكينه ان تتحول رؤاه الى مزامير تحضر له في وسط صحرواته مبررات وجوده كونها تمثل الصورة النهائية لصراعه الوجودي ونقصد صراعه في اتجاهات

ثلاث هي الهدف من الوجود ، والتطلع الى التغيير نحو الاحسن والوظيفة ( الغاية التي نشأ من اجلها الصراع )   كما يقول عبدالله العروي ان ثنائية صراع الفرد الروحي والجسدي وصراع المجتمع…

مما تقدم يبدو ان ظهور الدولة لم تكن مصادفة تاريخية جارية

بمعنى اخر ان الدوله لم تكن معناها في تاريخ المجتمع بل هي ماهيته (وعنوانه وجوده الانساني) التي دونها لايكون المجتمع مجتمعاً..

ان الدولة كما تقول كتب السياسة هي حاصل جمع مجموعة من الافكار والانفعالات للجماعه التي تحدث عنها كل من افلاطون وارسطو والتي كرسَ مضامينها في جمهوريته ..

دولة معقولة

حينما قالوا  ان الدوله المعقولة في نظر الفرد والجماعة هي التي تعبر عن حرية الذات وتعمل على اغراق الذات في مبادئ العامه اي تتساوق مع قيم المجتمع  …

بهذا المعنى يصبح من مهام الدولة العمل على تقويم النظام والسلوك نظرياً وعقلياً وبنحو مستمر كونه منطلقاً للممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصحيحة وتحقق الامن … وتشيع مفهوم العدل بمفهومه النسبي وليس المطلق ..

وعليه فأن الدولة الحقة

هي التي تسلم بدءاً بحق الفرد وحريته مقابل احترام الفرد لسلطة و مركزية الدوله (افراد ومؤسسات وقوانين) …

وعوداً على بدء لابد ان نقول ان جدلية الصراع المزمن (بين الفرد في بعديه الجسدي والروحي والمجتمع في بعديه القيمي والسلوكي_ المقدس والاخلاقي) واللذان يشكلان جوهر وماده حضور مفهوم الشعب يرتبط وجودهما مع مفهوم الدولة  التي نتحدث عنها قد مرت بمراحل وتسميات عديدة عبر التاريخ منها الدولة المعقولة التي ترتب ايمانها بين ثالوث الارض والشعب  …

وبين الدولة اللامعقولة والتي في وجود الارض والشعب الحاكم بغياب العقد الاجتماعي المنظم (الدستور المنظم)..

ان من شروط تفاعل كيمياء الدولة والشعب يكمن في

1-القبول التام لسلطة الدولة

2-احترام الدولة لمصالح الجماعة (والرأي العام ) والعمل على الاخذ بمصالحه في قراراتها

3-اعمال القانون في حل القضايا بين الفرد ودولته

واذا رجعنا لتأصيل فكرة الصراع بين الروحي والمادي في جسد مجتمع الدولة والذي يصفه (جان جاك روسو) في العقد الاجتماعي والذي يذكر فيه ان الفرد يولد حراً ويظن انه سيعيش حراً لكنه بواحدة من مركزيات الدولة او قل عبوديات من نوع جديد

ونقصد عبودية اللاهوت ونسق العشيرة وقيمها ومركزية او عبودية التراث

ان التناقض بين مركزية الدين والعشيرة والعرف يبقى في جسد الدولة كما يقول (جون لوك) مهدداً للدولة التي تبدأ مشوارها وهي تمضي في فرض سلطتها المشروعة المتمثلة في احترام القانون وفق العقد الاجتماعي المبرم بين افراد الدولة ومجتمعها  …

ان اتفاق هوبز وجون لوك وروسو على ضرورة اتباع المركزيات الثلاث(الدين والعشيرة والمجتمع) واحترامها  للعقد الاجتماعي (الدستور)

يعد احترامها نقله في حياة الافراد الغير منظمة الى حياة الجماعة السياسية المنظمة وحددت في الوقت نفسه مقوله ان الشعب هو صاحب الحق في وضع الدولة وسلطاتها وهو الذي يبني الدوله ويغيرها  والشعب نفسه  ونقصد الرأي العام هو الذي يصدر احكامه عليها في ان يوصفها دولة خيره او دولة فاسده تبعاً لادارة الدولة ومايربطها بالشعب من خدمة …

نعم لقد كانت الدولة الحديثة  هي النمط السياسي السائد في نظام الحكم في القرنين القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر الميلادي في اوربا وقد استعارت المجتمعات العربية النمط السياسي السائد انذاك …

متناسختاً قيمها السياسية واساليب الوصول لمفهوم الدولة العربية والتي استعارت مفاهيم الليبرالية الغربية او الفلسفه الماركسية ونجد اشتراك كل النموذجين (الليبرالي – القومي) في انتاج الدولة المركزية والتي كان قوامها يرتكز على اقتران كيان الدولة بالقوة والسلطة والعنف و غياب التداول السلمي للسلطة …هذا النمط من انظمة الحكم كانت تعتقد الجماعة السياسية هو النمط  المطلوب انذاك وهو الذي شرعنَّ استمرار بقاء الدولة ووجودها واستمرار بقاء مؤسساتها السياسية

والدولة هذه كانت تعلن انها مع حرية الفرد لكنها تكبح حريته باسم النظام والقانون وان الماركسية ضد حرية الفرد وتجاوزه لرأسمالية الدولة كونها هي المالك الشرعي لحــــياته ومستقبل وجوده…

نموذج آخر

وقد وجدنا نموذج اخر للدولة خارج اطار مفهوم الدولة الليبرالية او الدولة القومية فهو قد تناسل وجوده وسبب بقائه لمفهوم الاوليغاركية (الجماعة او البيوتات الاقلية الحاكمة)

والتي عزز وجودها منطق السيطرة والقوة او الشرعيه التاريخية المدعاة

مابين هذه النماذج الثلاث الليبرالي الماركسي والقومي

والنموذج الرابع العوائلي المتناسل تاريخياً …

كانت المجتمعات العربية تدافع مرة رافضة نموذجها (القومي والماركسي ) والذي رفضه الاقطاعيين العشائريين والجماعات الاوليغاركية وانضمت اليها الاقطاعيات الدينيه لتتهم الدولة بالكفر معتمدة على مفهوم ان لا دولة ولا حكم الا لله وان هذه الدولة نبتاً كافراً في روح الفرد …

وتدميراً لنسيج المجتمع العربي المسلم …كما ان المجتمعات وقفت بلضد من النموذج الثالث للدولة الاوليغاركي العائلي الوراثي ووقفت المجتمعات العربية بالضد من حكوماتها المتناسلة راغبة في تغيير نمط دولتها السياسية كونها اي الدولة الاوليغاركية فاقدة لشروط وجودها ونقصد (رضى الشعب) وضرورة ان تختار الشعوب  بحرية لمن يقودها..

فحدث التغيير في المشرق العربي طولياً وفي المغرب العربي عرضياً وان كان هذا التغيير في جوهره لم يمسس

مطالب الناس …

والذي لابد ان نشير له هنا ان كلا المؤسستين (القبلية والدينية) رغم انهما كانتا جزءاً في نسق اجتماعي مقبول ونسق ثقافي متوارث الا انهما لم يقدما نموذجاً للدولة الا تحت حيز الدولة العالمية ضمن مفهوم  جاهلية المجتمع غير المسلم كما هو واضح في مشروع الاسلام السياسي الذي اعلنه (حسن البنا)عام 1928،

والنموذج الثاني ونقصد القبلي قدم الدولة التي لا تقوم على استمرار الحكم وفق مفهوم التبادل السلمي للسلطة   وتعاضد الوطني مع العروبي في انماط الحكم انما تقوم على فرضية الولاية القبلية (انما وليكم الله ورسوله ) وتوكيد نمط الحكم بمفهومه القبلي البدائي ولم تقدم الاقطاعيات القبلية لحكم عصبوي قبلي متنوَر نموذجاً كما هو معتاد في الملكيات (المملكة المتحده بريطانيا والنظام الملكي المتنور في اسبانيا) في هولندا .. الخ

ونقصد ان الملكيات المتنورة في اوربا رافعة شعار انها تسود ولا تحكم) وهي مصونه غير مسؤولة عن شكل النظام الديمقراطي الذي تتطلع اليه مجتمعاتها المتنورة …

وهي مع خيارات الشعب في حمايه التداول السلمي للسلطة وخياراته لحكوماته ومؤسساتها التي تدير شؤونه التشريعيه والتنفيذية والقضائية …

مما تقدم يمكن القول ان تشكل نواة الدولة الحديثة في الوطن العربي رغم نظالات جماهيرها وولادتها لنماذجها الثلاث ونقصد الدولة القومية او الليبرالية او الاوليغاركية هذا الامر هو الذي جعل عملية التغيير في نمط خيار الدولة السياسي منقوصاً اذ ظلت كل من المؤسستين الاقطاعية القبلية والاقطاعية الدينية تتوافقان مره على الجماعه التي تحكم  فتدفع بها حيث تريد او ترفض حين تشعر انها تهدد مصالحها وتصطدم مع تطلعاتها في الحـــفاظ على اقطاعيها …

وما بين الاقطاعيتين القبلية والاقطاعية الدينيه ظلت (الجماعه الوطنية ) والتي تعد روح وجسد المجتمعات العربية تمشي خبباً فتضيع خياراتها …او تنتهك وطنيتها حين لا تلتقط انفاسها الا في احضان مستعمر او محتل فضاعت اولوياتها …وتحولت الدولة في مجتمعاتنا العربية الى خصم لشعوبها او صوتاً يجلد عقل وضمير وحاجات الناس …