الدكتور خليل شكري هياس ينصح الشباب بالقراءة الواعية: مشكلة النقد تكمن في مواءمة المنهج لطبيعة المتن – إنتصار النعيمي

الدكتور خليل شكري هياس ينصح الشباب بالقراءة الواعية: مشكلة النقد تكمن في مواءمة المنهج لطبيعة المتن – إنتصار النعيمي

الناقد الدكتور خليل شكري هياس، ناقد حقيقي لا يكتب إلا عن النصوص التي تثيره وتستفزه قرائياً، تتجسد جهوده عبر إشتغالاته النقدية ومتابعاته الجادة للمنجز الابداعي العراقي والعربي، وفي خضم هذه المتابعة لا يألو جهدًا في اقتحام مناطق جديدة تفتح آفاقا مهمة على معطيات الخطاب الجديد، وإذا كان الأدب السيري هو حقله الأثير فإنه استطاع أن يرسخ جهوده بالتوصل إلى قراءات وكشوفات جديدة في مجال التشكيل السيري .. وهو لن يتردد في التصدي لكل إنجاز ابداعي لافت، وملاحقة كل موهبة تبشر بالخير والعطاء الثر ومواصلة اجتهاداته المنبثقة من دراسات اكاديمية رصينة تستند على ذخائر معرفية فاعلة ومؤثرة.. له وجهة نظر مثيرة حول العروض النقدية المقالية التي نجدها منشورة في بعض الصحف  غير المهنية،  فهي تفتقر إلى أبسط شروط المنهج النقدي حتى لو كانت عروضًا تعريفية، إذ لا يمكن استسهال الكتابة النقدية بأي شكل من الأشكال، وتصدى أيضًا للمؤسسة الأكاديمية أستاذً وإدارياً، إذ عمل في رئاسة قسم اللغة العربية لأربع دورات، ومعاونًا للعميد في الشؤون الإدارية لدورة، ولديه مواقف حازمة فيما يتعلق بالجانب العلمي، ويرفع نداء إصلاح التعليم العالي، وأن نكون جميعًا إزاء مسؤولية مواجهة التدني والضحالة التي غزت المؤسسات الاكاديمية.

{ يقال: الناقد أديب فاشل .. ، إلى أي حد يمكن أن تكون هذه المقولة صحيحة، أو أن تكون متقاطعة مع الحقيقة؟

– العلاقة بين النقد والأدب علاقة تكاملية، فإذا لم تكن تمتلك مقومات الأديب لن تكون ناقدًا ناجحًا، وإذا لم تكن تمتلك مقومات الناقد وتمارسه على أدبك لن تكون أديبًا ناجحًا، وكلاهما الناقد والأديب يشتغلان في منطقة واحدة هي الإبداع، لأن الأدب بكل أنواعه إبداع يستند بطريقة أو أخرى إلى النقد بمختلف منطلقاته ومنهجياته، والنقد إبداع على إبداع حسب النظريات الحديثة ومنها نظرية التلقي التي تقول بأن القارئ منتج ثانٍ للنص، ولو استعرضنا المبدعين الذين اشتغلوا في ميدان النقد والأدب عراقياً وعربياً فهم كُثُر، وأغلبهم نجحوا في المجالين، خذي مثلًا الناقد الدكتور علي جعفر العلاق الذي أبدع في مجال النقد والشعر معاً، والدكتور محمد صابر عبيد الناقد الشاعر، ومؤخرًا خاض مغامرة كتابة الرواية أيضا، فضلًا عن سردياته المفتوحة التي تغلب عليها الطابع السيري. خذي أيضا جبرا إبراهيم جبرا الناقد الشاعر الروائي الرسام.

قضية مواءمة

{ مازال النقاد منقسمين بين التحليل النقدي السياقي والنصي .. في أي منطقة تجد اشتغالك على منجزك النقدي؟

– أنا أعتقد أن القضية ليست قضية انقسام وإنما قضية مواءمة المنهج لطبيعة المتن، والمنهج ما هو إلا وسائل تقود إلى غايات ومقاصد، واستطيع القول: إن هذه الوسائل لا تختلف مثلًا عن وسائل الفلاح من أرض وجرّار الحراثة والحبوب والحاصدة، فترى فلاح يجيد استخدامها فيحصل على منتوج وافر وفاخر، وآخر يحصل على محصول مقبول، وثالث يخسر، إذًا العبرة ليست في الوسيلة/ المنهج، بل في طريقة توظيفها، أما أنا فشخصياً أشتغل في المنطقة النصية، ليس لقصور في المنهج السياقي كما يصوره البعض، بل لأنني تشكلت نقدياً على هذه المناهج مع مجموعة من أساتذتي في جامعة الموصل وبعض الأصدقاء النقاد الذين توغلوا عميقًا في المناهج الحديثة، وغالبًا أفيد من المناهج السياقية في إضاءة زاوية معينة، ولاسيما وأني متخصص في النقد السيري الذي يكون دائمًا قريبًا من واقع الأديب الحياتي.

{ يقال أن النقد في العراق لم ينصف انجازات الأدباء الشباب، وبقي يدور في فلك الأسماء اللامعة .. كيف تدافع عن نفسك؟

– كي نكون منصفين، لابد أن نشير إلى أن هناك كمًا كبيرًا من المنجز على صعيد الكبار والشباب معًا لا يستطيع النقد أن يغطيه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نسبة كبيرة من المنجز لا يحفز ولا يثير الناقد إبداعياً بسبب ضعفه، وبسبب كثرة الطارئين على الأدب لاسيما أدباء قنوات التواصل الاجتماعي، أما ما يتعلق بتغطية النقد لأدب الشباب فهناك أسباب أخرى كثيرة أدت إلى عدم إنصاف هذه الطاقات، منها تعالي بعض النقاد عن دراسة هذا الأدب بحجة عدم نضوجه، مع التنويه أن البعض الآخر أخذ كثيرًا بأيدي الشباب وجعلهم يقفون على أرض إبداعية ثابتة، ومنها قلة خبرة الشباب في الترويج والتسويق لأدبهم، ومنها قصور في الجانب الإعلامي الحكومي وغير الحكومي في تسليط الضوء على منجزهم، ومنها عدم تشجيع ودعم الحكومات لهذه الفئة، أما قدر تعلق الأمر بي فلست بحاجة للدفاع عن نفسي لأن لي اشتغالات مهمة في هذا الجانب ولست بصدد ذكر الأسماء، كي لا أدخل في باب التفضل على أحد، ومن يقرأ منجزي النقدي ولاسيما كتابي تمثلات النص الشعري قراءة في النص المهمش يدرك تمامًا موقفي المساند لهم.

{ في كتابك الأخير والصادر عن اتحاد الادباء والكتاب _ المركز العام ( تمثلات السرد القصصي.. قراءة في نماذج عراقية ) تناولت نماذج عراقية منتخبة .. على اية معايير نقدية استندت في هذا الاختيار؟

– كلنا نعلم أن النقد يقوم على الانتخاب والاختيار للنصوص مثار النقد، واختياراتي للمتون السردية القصصية في هذا الكتاب استندت على مجموعة اعتبارات، يمكن أن تُجمل بالآتي: التوزيع الجغرافي على مختلف مناطق العراق شمالًا ووسطًا وجنوباً، الحضور القوي لبعض الأسماء في الساحة السردية العراقية والعربية، الحضور القوي للمتن نفسه، وطبيعة خطة الكتاب ومنهجيته النقدية.

{ كيف تختار النص الذي تتصدى له نقدياً وتتعامل معه برؤيتك المتميزة؟

اختياري للنصوص ينبني على مسببات ومعايير كثيرة ومختلفة، منها يأتي من باب الدعوة للمشاركة في مشاريع نقدية مهمة لاسيما وأني اشتغلت سنوات طويلة في المخبر النقدي الذي شكله د. محمد صابر عبيد عام 2006 أو 2007  إذ كنا نتفق على تناول منجز مبدع معين فنتناوله بالدراسة كلٌّ من زاوية نقدية معينة، ومن ثم بدأت أنا أيضا بإدارة بعض المشاريع في هذا المخبر المهم،  ومنها ما يتم اختياره لتلائم محاور مؤتمر أو ندوة عربية أو محلية، أو دولية، ومنها ما يحصل من تحفيز وإثارة للمتن الابداعي نفسه على نحو يبهرك فتقرر الكتابة عنه، وفي كل ذلك لا يمكن أن تتم الكتابة إلا باستجابة المتن الأدبي للمعايير النقدية الأصيلة ولمنهجياتها النصية والسياقية معًا.

سيرة ذاتية

{ اشتغالاتك على الأدب السيري أكسب منجزك آفاقا رحبة لدخول مناطق جديدة في فضاء الابداع ..هلا حدثتنا قليلًا عن رؤيتك النقدية التي تناولت هذا الجانب؟

– علاقتي بالأدب السيري تعود إلى أيام دراستي للماجستير حين اخترت لرسالتي عنوانًا في السيرة الذاتية هو (سيرة جبرا الذاتية في البئر الأولى وشارع الأميرات)، وعندما خضت غمار هذا الموضوع وجدت نفسي في منطقة نقدية لم يشتغل عليها بشكلٍ وافٍ، وأن أغلب الدراسات السابقة اشتغلت على السير اشتغالات مضمونية وليست تشكيلية، ووجدت أن الأدب السيري أجناسياً يحوي على أنواع سيرية كثيرة أغلبها إن لم يكن كلها بحاجة إلى دراسة، ومنذ ذلك الحين وأنا اشتغل في هذا المجال، وقد أتبعتها بدراسة معمقة وجديدة على الساحة النقدية العربية تمثلت بالقصيدة السيرذاتية حين جعلتها ميدانًا لمرحلة الدكتوراه طبعت لاحقا في كتاب بطبعتين أحداهما عن عالم الكتب الحديث عام 2010 والآخر عن دار غيداء عام 2018 وكانت بعنوان (القصيدة السيرذاتية بنية النص وتشكيل الخطاب)، وفي هذه الدراسة بحثت عن هذا التلاقح الأجناسي بين الشعر والسيرة الذاتية الذي تمخض عنه نوعاً سيرذاتياً مهمًا هو القصيدة السيرذاتية، ثم توالت دراساتي في هذا المجال فدرست في بحوث الرواية الرسائلية والقصة السيرذاتية والتجربة الذاتية القصصية والرواية السيرية، والمذكرات، واليوميات، والقصيدة الذاكراتية، ولكل نوع من هذه الأنواع اشتراطاته الأنواعية والكتابية. وهناك مشاريع مستقبلية لتناول الحوار السيرذاتي، والسيرة الغيرية – وبمناسبة ذكر السيرة الغيرية أشرف الآن على رسالة ماجستير خاصة بالسيرة الغيرية في القرآن الكريم- وأدب الاعتراف عند يوسف الصائغ.

{ نقرأ هنا وهناك عروضًا نقدية في الصحافة العراقية تمجد هذه الرواية أو تلك ..هل ترى في هذه الكتابات مساسًا بالعملية النقدية أو تواصلًا معه ولاسيما أن أغلب هذه المقالات تعد انطباعات سريعة ليس إلّا، بمعنى آخر كيف تنظر إلى المشهد النقدي في العراق ولا سيما أن الكثير من أدعياء النقد اقتحموا هذا المشهد من دون مرجعيات ثقافية تساهم في تكوين رؤية واضحة لدور النقد ومهامه الكثيرة ؟

– لا شك أن هنالك دخلاء على كل المجالات ومنها النقد الذي دخل عليه طارئون كُثُر، استسهلوا كثيرًا الكتابة النقدية، والمفارقة أن البعض لم يطلعوا على المدارس النقدية أو مرّوا عليها مرور الكرام من دون فهم لها، فجاءت كتاباتهم كما أشرتِ انطباعية، أما البعض الآخر فظل أسير النقد التحكيمي، وكأن النص والناص في محكمة قرائية، وعليهما أن يحصلا على إجازة الجودة، وهذا النوع من النقد ما عاد مجدياً، مع أننا نجده شاخصًا إلى الآن في الوسط الصحافي، وحتى الأكاديمي، في حين أن النقد الحديث تجاوز هذا الموضوع إلى التركيز على القيم والمقصديات والدلالات الجمالة، وفي مناقشات كثيرة مع الأصدقاء في ميدان النقد والثقافة أثيرت تساؤلات كثيرة في كيفية إبعاد النصوص الرديئة عن الوسط الثقافي إذا لم يمارس النقد دوره التقييمي في ذلك، وكنت أجيب دائمًا، أن أفضل طريقة لإبعاد الرديء هو بتجاهله، وأن الناقد الحقيقي لا يكتب إلا عن النصوص التي تثيره وتستفزه قرائياً، بقيت مسألة أخرى لابد من الإشارة إليها وهي الدور التخريبي الذي تمارسه الصحافة وحتى الكثير من دور النشر، عندما أخذت تنشر هذا النوع من النقد من دون تمحيص وفحص ومن دون أن تمر الدراسات تحت يد الخبراء الحقيقين، بل أن بعض من هذه الوسائل ألغت دور الخبير، وهذه طامة كبرى ففتحت المجال أمام من هبّ ودبّ لمزاحمة النقاد في مجال عملهم.

{ يقول رولان بارت: النقد نص مؤسس على نص إبداعي آخر.. كيف تفهم هذا التصور؟

– هذا الكلام من المسلّمات المهمة نقدياً، إذ لا نقد من دون النص، والنقد على صعيد التأصيل الأجناسي إنما قام على النصوص الأدبية، ونظرية الأجناس بمختلف مدارسها ولاسيما المدرسة الكلاسيكية التي قالت بصفاء الجنس والنوع الأدبي، إنما أصلت للأجناس من خلال الآليات والمرتكزات التي تقوم عليها النصوص، وكذلك المدرسة التي قالت بالتهجين الأجناسي إنما أصلت لذلك من خلال النصوص المهجنة من أكثر من نوع أو جنس أدبي، وحتى المدرسة التي قالت بالنص المفتوح أيضا أصلت بناءً على نصوص أدبية لم يستطع النقد تبويبه في جنس أو نوعٍ أدبي.

{ هل تساعد قراءة النقد بالنسبة للمبدع على انضاج وتطوير النص الابداعي.. إلى أي حد يمكن أن يكون هذا صحيحا؟

بالتأكيد أن قراءة النقد مهم جدا للمبدع، لا بل لا يمكن للمبدع أن يكتب من دون وعي نقدي، فالنص الإبداعي الآن ما عاد نصًا ذوقياً أو انطباعياً يراهن على الموهبة حسب، بل أصبح النص الآن نصًا ثقافياً وجمالياً وفكرياً مرهونًا بمدى عمق الثقافة والذخيرة المعرفية، لذا المبدع اليوم لا يكتفي بقراءة النقد وإنما قراءة مجموعة من المعارف والعلوم، وكلما اتسعت هذه الذخيرة كلمات تعمق النص عند المبدع.

تجارب حياتية

{ نقرا لك احيانا مقطوعات شعرية جميلة ..هل سنجدها قريبا بين دفتي كتاب؟

– منذ زمن ليس بالقصير وأنا أكتب ما يجول في خاطري من مشاعر وأحاسيس، تنتج من تجارب حياتية مؤثرة فيَّ، لا أرتاح إلا بعد أن أترجمها على الورق، أغلبها تصاغ شعرًا وقلة منها سردًا موجزًا، مع ذلك لم أطرح نفسي شاعرًا أو ساردًا، لأني أجد أن تبني صفة الشاعر أو السارد مسؤولية كبيرة من جهة، وملزمة من جهة أخرى بإثبات الذات في هذا الجانب والإتيان بمنجز جديد يضفي تمايزًا واختلافًا عن السائد والمألوف وهذا ليس بالأمر الهيِّن.

{ يعاب على العروض النقدية الصحفية كونها عروض انطباعية ويعاب على الرسائل الجامعية المعنية بالأدب الحديث، فقر ثقافة الطلبة الذين يتصدون لهذا الموضوع أو ذاك ، ولهذا تفشت ظاهرة الكتابة بالنيابة لقاء مبالغ مجزية أو تدخل المشرف في تفاصيل الرسالة وطروحاتها.. ماذا ترى انت؟

– قضية فقر الطالب ثقافياً، نعم هذه القضية شكلت وللأسف ظاهرة لافتة للنظر، على نحو محرج للطالب والأستاذ معًا، محرج للطالب من حيث كونه يكون في موقف لا يحسد عليه أمام المحاضر في قاعة المحاضرة، وأمام نفسه وهو يحاول كتابة رسالته أو أطروحته، وأمام لجنة المناقشة عندما تُعرَض دراسته عليها، ومحرج للأستاذ في قاعة الدرس لأنه لا يستطيع التعمق والتوسع في الدرس بسبب ضعف الطالب، ومحرج للأستاذ المشرف الذي يتطلع إلى اختيار موضوعات حديثة أو مبتكرة، أو تقديم دراسة متميزة وعميقة، وهنا أريد أن أحمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بعض المسؤولية في قبول مثل هؤلاء الطلبة بسبب نهجها غير الدقيق في وضع آليات واستراتيجيات القبول في الدراسات العليا، ولا أريد التفصيل في تلك الآليات لأنها بحاجة إلى مقالة منفردة، ولكي نكون منصفين أكثر نشير إلى أن جزءًا من المسؤولية يتحملها بعض الكوادر التدريسية الذين يتساهلون أحيانا في هذا الجانب، فلا يحاسب الطالب كما ينبغي، ولا يحاول النهوض بواقع هؤلاء الطلبة، بقي أن أشير إلى أن لجوء بعض الطلبة إلى أسلوب شراء الرسائل أو الأطاريح، يعود إلى هذه الأسباب التي ذكرتها، وكذلك ضعف الواعز الأخلاقي والديني لدى مثل هذا الطالب، ولدى من يكتب له، وكذلك تساهل بعض لجان المناقشة وعدم اختبار الطالب بشكل جدي وصحيح وعلى وفق مبادئ أكاديمية صحيحة. ولكن لكي لا نظلم الطلبة كلهم في هذه القضية، لا بد أن نشير إلى قلة متميزة منهم أثبتوا جدارة في قاعة المحاضرة وفي كتابة الرسالة أو الأطروحة،

{ بماذا تنصح الأدباء الشباب لكي يتمكنوا من مواصلة العلاقة والاستفادة من آراء النقاد، ولاسيما أن بعض هذه العلاقات تحكمها العلاقات الشخصية والمحسوبية.

لا شك أن الكتابة الإبداعية بكل تمفصلاتها لا تأتي إلا بعد جهد ومران وسعي دؤوب، ويظل مفتاح كل ذلك القراءة الواعية القائمة على تخطيط وبرنامج قرائي لا تقتصر على المجال الذي يكتب فيه المبدع وإنما يشمل مختلف العلوم والمعارف التي تتعلق بالكتابة مباشرة من جهة، وتلك التي تُنَّمي الثقافة بمختلف أنواعها الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والعولمية، فالكاتب اليوم ما عاد يكتب من وحي الفطنة والطبع ولا يعول فقط على الموهبة حسب، وعلى الكاتب الشاب أيضًا أن يحتك بالوسط الثقافي بقوة ولاسيما أولئك الذين اختبروا الكتابة وامتهنوها بحرفية ودربة، ليكتسبوا منهم الخبرة، وعليهم أيضا أن لا يغفلوا عن الكتابات النقدية والاطلاع الواسع على مختلف المناهج النقدية والتيارات الحداثوية، كي يكتب النص المثقف إذا صح التعبير، يستطيع من خلاله مجاراة ما هو موجود في الساحة الإبداعية وتثبيت بصمته واحتلال موقع له داخل المنطقة الإبداعية.

{ تناولك للأدب السيري في المنجز الابداعي العراقي والعربي أكسبك امتيازًا وتفردًا وجعلك تتعمق في هذه المنطقة الخصبة والجديدة ..إلى أي مدى سيستمر مشروعك النقدي؟

– لا أخفيكِ أن هذا هو مشروعي الدائم الذي أحب العمل فيه، مع أنني اشتغلت أيضا في المنطقتين الشعرية والسردية بمختلف أشكالهما، ويعود السبب في ذلك إلى خصوبة المنطقة السيرية وبكارتها، إذ إن هناك الكثير من الأنواع السيرية في التراث العربي الأدبي وفي الأدب المعاصر لم يُشتغل عليها نقدياً على نحو صحيح ومواكب للحداثة، أو أن النقد تناولها بشكل سطحي أو موضوعاتي/ ثيمي، وفي هذا الصدد ألفت نظرك ونظر القارئ إلا أن هناك أكثر من أربعين نوعًا سيرياً حسب ما تناولها الناقد العراقي والعربي المهم محمد صابر عبيد، في كتابه الخاص بالمصطلحات النقدية السيرية، وأغلبها بحاجة إلى وقفات نقدية جادة لأنها لم تدرس بعد.