
الدبلوماسية الثقافية قوة ناعمة نفتقدها – كفاح حيدر فليح
الثقافة هي خارطة طريق ذهنية تقدم المعرفة والارشاد وتحدد الكثير من الفواعل وسلوك هذه الفواعل في السياسة الدولية، ولتعزيز السلام الدائم والتفاهم المتبادل في أنماط العلاقات الدولية، ولخلق علاقات دبلوماسية أفضل لأبد من التركيز على الدبلوماسية الثقافية لأنها تُعد أداة جديدة فاعلة لخلق أفضل العلاقات الدبلوماسية، إذ أن تَغيير أفكار الجمهور يرتبط بنشر الثقافة لبلد ما وهو ما يرتبط بالصورة الذهنية لهذا البلد أو ذاك والمرسومة في إذهان الجمهور، والثقافة الدبلوماسية تُعد من الأنماط الدبلوماسية الدولية الجديدة والمتطورة تسير جنبا لجنب مع تطورات المعلوماتية ووسائل الاتصال الجماهيري، وهي تُعنى بتبادل المعلومات والنظم والقيم والأفكار وغيرها من الجوانب الثقافية بين الجمهور، وقد عُدت الثقافة بُعداً رابعاً للسياسة الخارجية للدولة مضافة للأبعاد التقليدية( السياسية والاقتصادية والعسكرية)، فهي تُسهم في فتح قنوات الحوار وتزيل حواجز التأزم في الأوقات والظروف الصعبة، وتكون أكثر استمرارية واستقرار من استخدام الوسائل العسكرية والاقتصادية، أن أهمية الوسائل الثقافية تتزايد في العلاقات الدولية بحكم ما يشهده العالم من تطورات تكنولوجية( ثورة تكنولوجيا وسائل الاتصال)، أن التفاعل والتكامل بين القوة الناعمة( من مواردها الثقافة) والتي هي القدرة على تحقيق الأهداف عن طريق الجاذبية الثقافية بدلاً من الإرغام والإكراه أو دفع الأموال كما يصفها منظرها جوزيف ناي، وبين ما ترعاه الدولة من الدبلوماسية العامة التقليدية التي تهدف كذلك للتأثير في الرأي العام وإعلام الجمهور في البلدان التي توجه اليها أساليب القوة العامة للأقناع والتأثير فيهم واستمالتهم لجانبها.
تأثير القوة الناعمة الثقافي
تُعد القوة الناعمة موضوعاً يَشغل الصدارة في النقاشات السياسية والإعلامية وفي العلاقات الدولية، فقد تصدر مفهوم القوة الناعمة هذه النقاشات في العقد الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، إذ لا يزال هذا المفهوم يتبلور علمياً ونظرياً ونظراً لتداول هذا المفهوم أو المصطلح بنحوٍ كثيف بعد أن حقق انتشاراً واسعاً بين الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية، لا سيّما مع التطورات الحاصلة في المجتمعات وهو من المصطلحات الجديدة والمستحدثة في عالم الدعاية، إذ يرتكز على أساليب الإقناع والتأثير في للآخرين وجذبهم دون استخدام أساليب الإكراه والقوة الصلبة، ويعود استعمال وانتشار هذا المصطلح بعد فشل طغيان القوة الصلبة التي استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث(11 أيلول 2001 في افغانستان والعراق وتراجع قوتها وسيطرتها وتغير موازين القوى الدولي بعد عام 2003 لذا فإن الولايات المتحدة تحولت نحو استراتيجية إحداث التغيرات من داخل المجتمعات عبر توظيف القوة الناعمة معتمده بذلك أساليب الدبلوماسية الثقافية, ويمكن للعراق الذي يمتلك أرثاً ثقافياً يحظى بأهمية كبيرة لدى الآخرين من حضارة تمتد في بطون التاريخ والتي تعد معالمها وآثارها من أهم أساليب الجذب الثقافي للآخرين، ويملك مكانة دينية تمنحه قدسية خاصة لدى جمهور البلدان الأخرى وهي عامل جذب، ولكن تقاس قدرات الدولة على دعمها للثقافة ودعم الآخرين لهذه الثقافة ويقاس هذا عبر العديد من المؤشرات منها التبادل الثقافي والبعثات الدراسية والإعانات الاقتصادية للآخرين، والعراق ربما خطى بخطوة على هذا النحو عندما قدم مساعدات للأشقاء اللبنانيين في محنة تفجيرات ميناء بيروت، وأيضاً ما يقوم به من دبلوماسية ناعمة لتقريب وجهات النظر بين دول المنطقة مؤخراً، ومن أهم المؤثرات الثقافة استخدام وسائل الإعلام والاتصال لتشكيل رأي عام تجاه البلد عن طريق ما تبثه من صور للعالم الخارجي لتغير الصورة الذهنية التي رسمت في عقول الشعوب الأخرى اتجاه العراق، ودخول الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي للعراق بعد عامة 2003? اتاح الفرصة أمام الدبلوماسية الثقافية العراقية (أن كانت موجودة) للانتشار خارج الحدود وبشكل أكبر لنقل الصورة عن الواقع العراقي الجديد والتغييرات التي حصلت فيه ولمحو صورة ذهنية سابقة وتشكيل رأي عام جديدة وصورة أخرى جديدة عن العراق، إذ من الصعب فصل المتغيرات الثقافية عن الاستراتيجيات السياسية للدولة في الوقت الحاضر لتشابك العناصر الفكرية والمادية والمصالح، هكذا تعمل الثقافة الدبلوماسية في صياغة السياسيات وتشكيل الرأي العام نحو بلد ما، ندعو للإفادة من تجارب الأخرين في مجال الدبلوماسية الثقافية وتفعيلها ونحن نملك الكثير من أساليبها.
























