ملحمة الكبرياء
الخلود في الطف
لقد سجل لنا التاريخ عدة ملاحم مرت بالعصور الأولى للبشرية واستمرت حتى ولادة المسيح عليه السلام وسجل التاريخ عدة معارك وملاحم من اجل السلطة والحكم وأتى الإسلام بدين جديد يحمل في طياته التسامح والمحبة والاخاء وينبذ العنف والاقتتال وبعد وفاة الرسول محمد (ص) عاد التاريخ من جديد ليسجل اسمى ملاحم البطولات والتي تختلف عن جميع الملاحم التي سبقتها لان جميع الملاحم السابقة بدأت وانتهت في زمان واحد وقد جسدها الكتاب ورسموا صورها لكن الملحمة الوحيد التي بقيت واستمرت وتبقى وتستمر بالعطاء الى يوم تبعثون هي ملحمة جرت في العراق في ارض اسمها كربلا هي ملحمة عاشوراء .
عاشوراء الدم والتي اختلفت في كل القياسات والموازين (سبعون الف قابلوا سبعين) وقتلوا السبعين ولم يسلم منهم رجل حتى رضيعا لم يبلغ ثلاثة أيام من عمره لم يسلم منهم لكن انتصر الدم على سيوف السبعين الف بإرادة من الله وبصبر رجل عظيم جده رسول رب العالمين هو الحسين بن علي بن ابي طالب عليه السلام .
اليقين المطلق بامتلاك الحقيقة وممارسة ذلك عمليا من خلال تعمقنا أكثر في المحتوى الحضاري والإنساني للثورة الحسينية سوف نجدها بلا شك أكبر من كونها مجرد ثورة فليس كل ثورة تمتلك استحقاق الخلود في لوح التاريخ الممدود وحيث ما يميزها عن عموم الثورات هو خلود مضمونها الرسالي الكبير وما كان قد كشف عنه هذا الجرح الحسيني المفتوح من دروس وعبر فإننا نفضل أن نحترز بها عن هذا العموم بتعويض لفظي أكثر تقييدا هو (النهضة ) بكل ما تعني الكلمة من معنى .
وما يجعلني أرى أن كلمة الثورة لا بشرط القيد الإحترازي المذكور و لا تفي بالغرض في المقام هو أن لا قيمة للثورة إلا فيما تحدثه في الوجدان الجماعي من آثار توقظ العقل وتحرك الروح .
كما أن الثورة هي أمر عام يمكن أن تقوم به جماعة إنسانية في ظروف مختلفة ولغايات لا يتعدى محتواها إلى الدائرة الإنسانية وكم من نظير في التاريخ لثورات قامت ولم تتعد حدودها ولا استطاعت أن تتحول إلى درس تستلهم منه الأجيال مقومات نهضتها ، وثورة الإمام الحسين كانت تعبيرا عن نهضة وردة فعل عن عصور أخذت طريقها نحو الانحطاط ثم هي ثورة أحرار لا ثورة عبيد . وقد بنت ثورة كربلاء مدارس عديدة وكان استاذها ومديرها ومؤلف كتبها الحسين عليه السلام ومن معه من أصحابه وأهل بيته اذ لا يقاس الحســــــين (ع) بالثوار، بل بالأنبياء ولا تقاس كربلاء بالمدن، بل بالسماوات
ولا تقاس عاشوراء بحوادث الدهر، بل بمنعطفات الكون مع الحسين (ع) كل هزيمة انتصار ..
وبدون الحسين (ع) كل انتصار هزيمة لأن قصة عاشوراء لم تكتمل فصولها، فإن ((كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء)).
تركت واقعة كربلاء تأثيرا بليغا على أفكار بني الإنسان حتى غير المسلمين منهم. فعظمة الثورة وذروة التضحية، والصفات الأخرى التي يتحلى بها الحسين عليه السلام وأنصاره أدّت إلى عرض الكثير من الآراء حول هذه الثورة الملحمية، ويستلزم نقل جميع أقوالهم تأليف مؤلف ضخم عنهم، لا سيما وأن بعض الكتاب غير المسلمين دوّنوا كتباً عن هذه الواقعة . وقد نالت ثورة الحسين بن علي عليه السلام اهتمام الادباء والشعراء والمؤرخين والكتاب والمفكرين من مختلف البلدان العربية والاسلامية والاجنبية. والمتبحر في بطون الكتب يجد أن امهات الكتب العربية قد غطت ثورة الحسين عليه السلام ومن بينها: (مروج الذهب) للمسعودي، و(تاريخ الامم والملوك) للطبري، و(البداية والنهاية) لابن كثير، و(بحار الأنوار) للمجلسي وغيرها وكما تناول في التاريخ الحديث والمعاصر المؤرخ الاوروبي ويل ديورانت في موسوعته المعروفة (قصة الحضارة) موقعة كربلاء موضحا بعد المأساة حين ذكر في المجلد 13 (13 – 14) النص الآتي: (لما حمل رأس الحسين إلى الكوفة اقبل عبيدالله ينكثه بعصا، فقال له احد الحاضرين: ارفع عصاك فقال والله رأيت رسول الله (ص) يضع فمه على فمه يلثمه .
وهاهي عاشــوراء قد حلت علينا ذكراها في كل عام من بداية سنة هجرية .
حيدر جاسم الرحماني – ميسان
























