
يمتلك الأدب الساخر قدرة خارقة على التغلغل في نفس المتلقي، لما يكمن فيه من قوة جذب تمكنه من خلق اجواء تفاعلية من خلال التناقض واللا معقولية المغلفة ببساطة العرض، رغم عمق المدلولات الرمزية التي تتخفى وراء الصورة الظاهرة، غير أن هذا النوع من الأدب يحتاج الى قدرة ابداعية خاصة تمكن مبدع النص من خلق تناسق هارموني بين الموضوع واسلوب العرض، وبين الصورة وما خلفها، وقد يكون الادب الساخر أكثر واسرع تأثيراً من الأدب الجاد اذا ما تهيأ له المبدع المتقن القادر على توظيف ادواته بالشكل الذي يمنحها القدرة على خلق الدهشة، او الصدمة التي تكسر أفق التوقع، والمعرفة المترسخة في ذات المتلقي.
وأرى أن الادب الساخر او التهكمي في بعض تمفصلاته يمكن أن يدخل تحت عباءة الأدب السريالي باعتباره يرتكز على اللامعقولية او التناقضية في اسلوبه الخطابي.
وبناء على ما سبق سنحاول قراءة وتحليل ما يدخل ضمن هذا المنحى مما انطوت عليه بعض نصوص مجموعة (اكليل موسيقى على جثة بيانو) للشاعر جواد الحطاب الصادرة عن دار الساقي عام 2008.
وابتداء من النص الأول(المتنبي) يرسم الحطاب أول صوره التهكمية التي تفتح أول نافذة على طبيعة التناقض الذي يحيطنا زمانيا ومكانيا، فبعد أن يستعرض صفات أو اسماء الخلفاء المضافة للفظ الجلالة بدءا من (المتوكل على الله) وليس انتهاء بـ(المستعصم بالله) يختم النص بصيغة تهكمية صادمة:( يااااااااه/ تضحكني هذي الاسماء/ أرب هذا/ أم: شماعة أخطاء؟!).
ونلحظ أن هذه الخاتمة التهكمية تستبطن في داخلها صورة عميقة لرفض عملية تزييف الواقع التي يمارسها التاريخ؛ بوصفه شاهدا مزورا للحقائق، وليس المقصود هنا بالتاريخ المُحَدَّدِ بقدمية الحدث، بل بخاصيته التدوينية والاعلامية، سواء كان الواقع الذي ينقله ماضيا أم حاضرا، وما تلك الأسماء التي ذكرها الشاعر سوى قناع، تختفي خلفه وجوه المتسلطين المتناقضين بشتى مسمياتهم.
ثم يتخذ الشاعر من أداة الشرط (لو) – وهي حرف امتناع لامتناع كما هو معروف- وسيلة للتلبس بقناع المتنبي، خاتما ذلك بمقطع تهكمي أيضا، يؤكد فيه الصورة السابقة لإدانة ورفض تناقضات أولئك المتسلطين فيقول:( لو كنت مكان المتنبي/ لوضعت الأمراء جميعا في الحمام/ وسحبت(السيفون)ط.. و..ي..لا).
وقد قسم الحطاب نص المتنبي الى عدة مقاطع، اتسمت كلها أو معظمها بالصور السريالية المحملة بشيفرات ذات دلالات عميقة، تعبر عن الادانة الصارخة للتناقض بين ظاهرية وباطنية السلطة.
وفي مقطع يخاطب به المتنبي قائلا: (ماذا لو قدت الكلمات الى الإضراب/ وصرخت بباب الدولة: يا سيف الدولة حاميت (ثغور) الأمة/ وأضعت (فروج) الناس؟!) هذا التساؤل المحمل بالخطاب الاحتجاجي المرتكز على المفارقة بين(الثغور والفروج)، وما تستبطنه كلمة(فروج) من دلالة رمزية تنطوي على مثير استفزازي يتغلغل في العمق الاجتماعي والعقائدي لمُتلَقّي الخطاب. كما أن اللازمة التي يقول فيها:(هل فاتك… فاتك/ أم أن الفتاك جميعا كمنوا فيه…؟) والتي تكرّرت عدة مرات جاءت مكتنزة برمزيتها العالية التي ترسم صرخة الاحتجاج ضد مغتالي الكلمة، رغم أن الحطاب قد ختم هذه اللازمة بتغيير الجملة الأخيرة بجملة(أم… نحن جميعا كنا فيه؟) والتي أراد منها-كما أرى- أن تحمل دلالات على ان فعل (الاغتيال) هو فعل جمعي غير مقيد بـالفاعل المباشر(الفاتك) فقط؛ على اعتبار أن السكوت هو اشتراك لا ارادي أو لا مباشر في الفعل. ولو تمعنا في الشكل الظاهري لهذه اللازمة ايضا، سنرى أن الحطاب قد استخدم تقنية (الفراغ الناطق) في كل تكرارات اللازمة قبل علامة الاستفهام، في حين انتقل ذلك الفراغ الى ما بعد (أم) المنقطعة، واضمرت اداة الاستفهام؛ ليسبقها لفظة(ها) وهي هنا تفيد التنبيه او تأكيد الجواب. وبالجمع بين مدلولية انتقال (الفراغ الناطق) وحلولية لفظة (ها) بأيّ مما توحيه، فان الشاعر هنا أراد كما يبدو التأكيد على الاشتراك الجمعي في فعلية (الفتك). وفي نص (ابراهيم آخر) يعمد الحطاب الى توظيف تعالق نصي مع قصة ابراهيم النبي:( لما جنّ علينا الليل رأينا طائرة…/ قلنا: هو ذا الربّ/ فلما ضربتنا/ قلنا/ نحن براء/ حاشا أن ينزل فينا الرب كتاب قنابله) !! هذا التوظيف التناصي بما يحمله من شيفرات تنفتح على أكثر من مدلول، ترتسم في بعض ملامحه حالة الحيرة والترقب والانتظار المغلف بالمجهول الذي يتأرجح بين الخوف والأمل، غير أن الأمل ما يلبث أن يتبدد؛ ليعبر عنه الشاعر بأسلوبه التهكمي:( قلنا: ربّ يعرض للجنرالات مؤخرته ليس بربّ/… هذا ربّ الحرب الأتوماتيكي) ليبقى (إبراهيم) يبحث عن الربّ الذي(يندسّ بوردة/ وينامُ كطفل).
كما انطوت المجموعة على نصوص قصيرة تنوع فيها اسلوب الخطاب الاحتجاجي بين الصيغة التهكمية المرمزة والنبرة الجادة بإدانة عمليات القتل الجماعي والاحتلال المتغطرس للوطن.
إن مجموعة (اكليل موسيقى على جثة بيانو) قد انطوت على نصوص تميزت بأسلوبها (السهل الممتنع)، وموضوعاتها التي جاءت متناسقة مع لغتها التي اتسمت ببساطة المفردة والجملة، وعمق المضمون وانسيابية الايقاع؛ وقد سعى الشاعر كما يبدو من خلال ذلك الى ايصال خطابه الاحتجاجي الى اوسع ما يمكن من المتلقين بمختلف تصنيفاتهم تماهيا مع غائية الخطاب.
..
-2-
(مقبرة الغرباء)
بين رثاء الذات ورثاء الشاعر
لعل من بدهي القول أنّ الرثاء يعد من بين اكثر الاغراض فاعلية في الشعر، على مر العصور ولمختلف الثقافات، وربما يحدث التمايز في كيفية التعبير ومدياته بين ثقافة واخرى، وبين عصر وآخر، غير أن الباعث الاساسي والمحرك الفاعل في عملية الرثاء هو ذات الشعور بفداحة الفقدان، ومن الطبيعي ان تكون حجم الفداحة هذه مختلفة من راث الى آخر تبعا لدرجة التأثر، والذي يخضع لعدة مؤثرات منها على سبيل المثال لا الحصر: عظمة المرثي ودرجة القرابة وليس المقصود بها هنا القرابة النَسَبِية وانما القرابة التفاعلية.
واذا كان المفهوم المتعارف او الشائع للرثاء أنه مقصد استذكاري بكائي للفقيد أو تعداد لمناقبه، أو استعراض لمشاعر الحزن التي تعتلج في نفس الراثي، فإن الرثاء في نماذج كثيرة يتحول الى فعل إثاري، سواء كانت هذه الإثارة تحريضية ام تنويرية. وسواء كان خطاب التحريض أو التنوير هذا موجها للذات أم للغير. وتأسيسا على ما تقدم يمكنني أن أقف عند (قصيدة) الشاعر جواد الحطاب التي قرأها في الجلسة الافتتاحية لمهرجان المربد الثالث والثلاثين، والمنشورة في مجموعته(إكليل موسيقى على جثة بيانو) تحت عنوان” مقبرة الغرباء” محاولا قراءتها على وفق ضوء الموجّه القرائي الذي وضعه تحت عتبة النص على انها “ نص في رثاء الجواهري” و سأبدأ من أخر مقطع والذي يقول فيه:
“بعيدا عن دجى وطني
أنا؛ والشمس؛ نرتجفُ
فهل موتي: أودسيوس
وأيثاكا: هي النجفُ”
ومن خلال الثنائيات المتقابلة في الشطرين الاول والثاني والمتمثلة بـ:
بعيدا نرتجف
أنا والشمس دجى وطني
نلحظ ان الشاعر لم يجعل ذاته والشمس، بمقابلة ضدية مع دجى الوطن كما يوحي به المعنى التضادي لمفردتي (الشمس والدجى)، بل جعلها مقابلة (تكاملية) إن جاز التعبير، مقابلة الجزء المحتاج للآخر المُكَمِّل، وبناءً على هذا قرن الابتعاد عن الوطن بالإرتجاف، وسواء كان هذا الارتجاف ناتج عن الخوف وعدم الإحساس بالأمان، ام هو ناتج عن الإحساس بالبرودة وفقدان الدفء، رغم أنه قد جعل ذاته بصحبة الشمس، والتي هي باعث للدفء والأمان باعتبارها مصدر الضوء والحرارة، الا أنّه يرى أن الوطن رغم العتمة التي تحيطه والتي هي مصدر الخوف والبرد يبقى الباعث الاقوى للإحساس بالأمان والدفء.
ثم ينتقل الى ثنائيتين آخرتين هما :
موتي = اوديسيوس
أيثاكا= النجف
ومن خلال هاتين الثنائيتين نرى أن الشاعر يفتح بابا للتساؤل عن الكيفية التي يلتقي بها بالجواهري أو يسترده من غربته، وهو تساؤل لا أحسبه استفهاميا بقدر ما هو أسى وحسرة على غربة الجواهري وبعده عن وطنه.
وهل يمكن أن يكون الموت هو الوسيلة التي يدخل من خلالها الى طروادة الجواهري ( مقبرة الغرباء) متخليا عن النجف التي هي مملكة الجواهري الافتراضية كما تخلى أوديسيوس عن ايثاكا!؟
وهو قبل هذا قدّم شكوكه بأنْ تكون مقبرة الغرباء موصلة إلى آخر الصراط؛ كونها تحتاج الى حشد من (العظماء) مقارنة بمقبرة النجف، والتي يرى أنها ستكون اكثر يقينية بالوصول إستنادا الى عاملين رئيسين: الاول هو: ما ترسَّب في قناعة العراقيين من المكانة القدسية للنجف، والثاني: هو فرضية أن تراب الوطن هو القادر على منح الانسان التوازن في السير على الصراط، بكل ما يحمل الصراط من دلالات رمزية. وبناء على ذلك فإني أرى أن مرثية جواد الحطاب لم تكن مرثية بكائية ولا مناقبية، بقدر ما هي فعلا تحريضيا ضد الظلم الذي يدفع بالمبدع أن يعيش ويموت بعيدا عن وطنه، وأن لا يحظى بمكان رمزي فيه. و(النص) بالنتيجة ليس رثاء للجواهري فحسب، بل لكل مبدع مهدد بالعيش والموت غريبا سواء في وطنه أم خارجه.
اذن هي رثاء تحريضي ضد (تغريب) الانسان بصفة عامة والانسان المبدع بصفة خاصة مهما تنوعت أشكال هذا (التغريب) وأساليبه.
ونتيجة لماسبق فإني أرى أن جواد الحطاب قد قدم نصا عاليا جديرا بالاحتفاء به؛ لما يحمله من دلالات وجماليات متعددة لا يقل جمالا عن نصوصه الأخرى الزاخرة بالإبداع.
























