الخطاب السريالي.. قراءة في (إكليل موسيقى على جثّة بيانو)- أحمد الشطري

يمتلك‭ ‬الأدب‭ ‬الساخر‭ ‬قدرة‭ ‬خارقة‭ ‬على‭ ‬التغلغل‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المتلقي،‭ ‬لما‭ ‬يكمن‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬جذب‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬اجواء‭ ‬تفاعلية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التناقض‭ ‬واللا‭ ‬معقولية‭ ‬المغلفة‭ ‬ببساطة‭ ‬العرض،‭ ‬رغم‭ ‬عمق‭ ‬المدلولات‭ ‬الرمزية‭ ‬التي‭ ‬تتخفى‭ ‬وراء‭ ‬الصورة‭ ‬الظاهرة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬قدرة‭ ‬ابداعية‭ ‬خاصة‭ ‬تمكن‭ ‬مبدع‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬تناسق‭ ‬هارموني‭ ‬بين‭ ‬الموضوع‭ ‬واسلوب‭ ‬العرض،‭ ‬وبين‭ ‬الصورة‭ ‬وما‭ ‬خلفها،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬الادب‭ ‬الساخر‭ ‬أكثر‭ ‬واسرع‭ ‬تأثيراً‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬الجاد‭ ‬اذا‭ ‬ما‭ ‬تهيأ‭ ‬له‭ ‬المبدع‭ ‬المتقن‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬ادواته‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يمنحها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬الدهشة،‭ ‬او‭ ‬الصدمة‭ ‬التي‭ ‬تكسر‭ ‬أفق‭ ‬التوقع،‭ ‬والمعرفة‭ ‬المترسخة‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬المتلقي‭. ‬

وأرى‭ ‬أن‭ ‬الادب‭ ‬الساخر‭ ‬او‭ ‬التهكمي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬تمفصلاته‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬تحت‭ ‬عباءة‭ ‬الأدب‭ ‬السريالي‭ ‬باعتباره‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬اللامعقولية‭ ‬او‭ ‬التناقضية‭ ‬في‭ ‬اسلوبه‭ ‬الخطابي‭. ‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬سنحاول‭ ‬قراءة‭ ‬وتحليل‭ ‬ما‭ ‬يدخل‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬مما‭ ‬انطوت‭ ‬عليه‭ ‬بعض‭ ‬نصوص‭ ‬مجموعة‭ (‬اكليل‭ ‬موسيقى‭ ‬على‭ ‬جثة‭ ‬بيانو‭) ‬للشاعر‭ ‬جواد‭ ‬الحطاب‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الساقي‭ ‬عام‭ ‬2008‭.‬

وابتداء‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬الأول‭(‬المتنبي‭) ‬يرسم‭ ‬الحطاب‭ ‬أول‭ ‬صوره‭ ‬التهكمية‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬أول‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬التناقض‭ ‬الذي‭ ‬يحيطنا‭ ‬زمانيا‭ ‬ومكانيا،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬يستعرض‭ ‬صفات‭ ‬أو‭ ‬اسماء‭ ‬الخلفاء‭ ‬المضافة‭ ‬للفظ‭ ‬الجلالة‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ (‬المتوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭) ‬وليس‭ ‬انتهاء‭ ‬بـ‭(‬المستعصم‭ ‬بالله‭) ‬يختم‭ ‬النص‭ ‬بصيغة‭ ‬تهكمية‭ ‬صادمة‭:( ‬يااااااااه‭/ ‬تضحكني‭ ‬هذي‭ ‬الاسماء‭/ ‬أرب‭ ‬هذا‭/ ‬أم‭: ‬شماعة‭ ‬أخطاء؟‭!).‬

ونلحظ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخاتمة‭ ‬التهكمية‭ ‬تستبطن‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬صورة‭ ‬عميقة‭ ‬لرفض‭ ‬عملية‭ ‬تزييف‭ ‬الواقع‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬التاريخ؛‭ ‬بوصفه‭ ‬شاهدا‭ ‬مزورا‭ ‬للحقائق،‭ ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬بالتاريخ‭ ‬المُحَدَّدِ‭ ‬بقدمية‭ ‬الحدث،‭ ‬بل‭ ‬بخاصيته‭ ‬التدوينية‭ ‬والاعلامية،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬ينقله‭ ‬ماضيا‭ ‬أم‭ ‬حاضرا،‭ ‬وما‭ ‬تلك‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬ذكرها‭ ‬الشاعر‭ ‬سوى‭ ‬قناع،‭ ‬تختفي‭ ‬خلفه‭ ‬وجوه‭ ‬المتسلطين‭ ‬المتناقضين‭ ‬بشتى‭ ‬مسمياتهم‭.‬

ثم‭ ‬يتخذ‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬الشرط‭ (‬لو‭) – ‬وهي‭ ‬حرف‭ ‬امتناع‭ ‬لامتناع‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭- ‬وسيلة‭ ‬للتلبس‭ ‬بقناع‭ ‬المتنبي،‭ ‬خاتما‭ ‬ذلك‭ ‬بمقطع‭ ‬تهكمي‭ ‬أيضا،‭ ‬يؤكد‭ ‬فيه‭ ‬الصورة‭ ‬السابقة‭ ‬لإدانة‭ ‬ورفض‭ ‬تناقضات‭ ‬أولئك‭ ‬المتسلطين‭ ‬فيقول‭:( ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬مكان‭ ‬المتنبي‭/ ‬لوضعت‭ ‬الأمراء‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬الحمام‭/ ‬وسحبت‭(‬السيفون‭)‬ط‭.. ‬و‭..‬ي‭..‬لا‭).‬

وقد‭ ‬قسم‭ ‬الحطاب‭ ‬نص‭ ‬المتنبي‭ ‬الى‭ ‬عدة‭ ‬مقاطع،‭ ‬اتسمت‭ ‬كلها‭ ‬أو‭ ‬معظمها‭ ‬بالصور‭ ‬السريالية‭ ‬المحملة‭ ‬بشيفرات‭ ‬ذات‭ ‬دلالات‭ ‬عميقة،‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الادانة‭ ‬الصارخة‭ ‬للتناقض‭ ‬بين‭ ‬ظاهرية‭ ‬وباطنية‭ ‬السلطة‭. ‬

وفي‭ ‬مقطع‭ ‬يخاطب‭ ‬به‭ ‬المتنبي‭ ‬قائلا‭: (‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬قدت‭ ‬الكلمات‭ ‬الى‭ ‬الإضراب‭/ ‬وصرخت‭ ‬بباب‭ ‬الدولة‭: ‬يا‭ ‬سيف‭ ‬الدولة‭ ‬حاميت‭ (‬ثغور‭) ‬الأمة‭/ ‬وأضعت‭ (‬فروج‭) ‬الناس؟‭!) ‬هذا‭ ‬التساؤل‭ ‬المحمل‭ ‬بالخطاب‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬المفارقة‭ ‬بين‭(‬الثغور‭ ‬والفروج‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬تستبطنه‭ ‬كلمة‭(‬فروج‭) ‬من‭ ‬دلالة‭ ‬رمزية‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬مثير‭ ‬استفزازي‭ ‬يتغلغل‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والعقائدي‭ ‬لمُتلَقّي‭ ‬الخطاب‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اللازمة‭ ‬التي‭ ‬يقول‭ ‬فيها‭:(‬هل‭ ‬فاتك‭… ‬فاتك‭/ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الفتاك‭ ‬جميعا‭ ‬كمنوا‭ ‬فيه‭…‬؟‭) ‬والتي‭ ‬تكرّرت‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬جاءت‭ ‬مكتنزة‭ ‬برمزيتها‭ ‬العالية‭ ‬التي‭ ‬ترسم‭ ‬صرخة‭ ‬الاحتجاج‭ ‬ضد‭ ‬مغتالي‭ ‬الكلمة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الحطاب‭ ‬قد‭ ‬ختم‭ ‬هذه‭ ‬اللازمة‭ ‬بتغيير‭ ‬الجملة‭ ‬الأخيرة‭ ‬بجملة‭(‬أم‭… ‬نحن‭ ‬جميعا‭ ‬كنا‭ ‬فيه؟‭) ‬والتي‭ ‬أراد‭ ‬منها‭-‬كما‭ ‬أرى‭- ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬دلالات‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬فعل‭ (‬الاغتيال‭) ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬جمعي‭ ‬غير‭ ‬مقيد‭ ‬بـالفاعل‭ ‬المباشر‭(‬الفاتك‭) ‬فقط؛‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬السكوت‭ ‬هو‭ ‬اشتراك‭ ‬لا‭ ‬ارادي‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬الفعل‭. ‬ولو‭ ‬تمعنا‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬الظاهري‭ ‬لهذه‭ ‬اللازمة‭ ‬ايضا،‭ ‬سنرى‭ ‬أن‭ ‬الحطاب‭ ‬قد‭ ‬استخدم‭ ‬تقنية‭ (‬الفراغ‭ ‬الناطق‭) ‬في‭ ‬كل‭ ‬تكرارات‭ ‬اللازمة‭ ‬قبل‭ ‬علامة‭ ‬الاستفهام،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬انتقل‭ ‬ذلك‭ ‬الفراغ‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ (‬أم‭) ‬المنقطعة،‭ ‬واضمرت‭ ‬اداة‭ ‬الاستفهام؛‭ ‬ليسبقها‭ ‬لفظة‭(‬ها‭) ‬وهي‭ ‬هنا‭ ‬تفيد‭ ‬التنبيه‭ ‬او‭ ‬تأكيد‭ ‬الجواب‭. ‬وبالجمع‭ ‬بين‭ ‬مدلولية‭ ‬انتقال‭ (‬الفراغ‭ ‬الناطق‭) ‬وحلولية‭ ‬لفظة‭ (‬ها‭) ‬بأيّ‭ ‬مما‭ ‬توحيه،‭ ‬فان‭ ‬الشاعر‭ ‬هنا‭ ‬أراد‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬الاشتراك‭ ‬الجمعي‭ ‬في‭ ‬فعلية‭ (‬الفتك‭).  ‬وفي‭ ‬نص‭ (‬ابراهيم‭ ‬آخر‭) ‬يعمد‭ ‬الحطاب‭ ‬الى‭ ‬توظيف‭ ‬تعالق‭ ‬نصي‭ ‬مع‭ ‬قصة‭ ‬ابراهيم‭ ‬النبي‭:( ‬لما‭ ‬جنّ‭ ‬علينا‭ ‬الليل‭ ‬رأينا‭ ‬طائرة‭…/ ‬قلنا‭: ‬هو‭ ‬ذا‭ ‬الربّ‭/ ‬فلما‭ ‬ضربتنا‭/ ‬قلنا‭/ ‬نحن‭ ‬براء‭/ ‬حاشا‭ ‬أن‭ ‬ينزل‭ ‬فينا‭ ‬الرب‭ ‬كتاب‭ ‬قنابله‭) !! ‬هذا‭ ‬التوظيف‭ ‬التناصي‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬شيفرات‭ ‬تنفتح‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مدلول،‭ ‬ترتسم‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬ملامحه‭ ‬حالة‭ ‬الحيرة‭ ‬والترقب‭ ‬والانتظار‭ ‬المغلف‭ ‬بالمجهول‭ ‬الذي‭ ‬يتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الخوف‭ ‬والأمل،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأمل‭ ‬ما‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يتبدد؛‭ ‬ليعبر‭ ‬عنه‭ ‬الشاعر‭ ‬بأسلوبه‭ ‬التهكمي‭:( ‬قلنا‭: ‬ربّ‭ ‬يعرض‭ ‬للجنرالات‭ ‬مؤخرته‭ ‬ليس‭ ‬بربّ‭/… ‬هذا‭ ‬ربّ‭ ‬الحرب‭ ‬الأتوماتيكي‭) ‬ليبقى‭ (‬إبراهيم‭) ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الربّ‭ ‬الذي‭(‬يندسّ‭ ‬بوردة‭/ ‬وينامُ‭ ‬كطفل‭). ‬

كما‭ ‬انطوت‭ ‬المجموعة‭ ‬على‭ ‬نصوص‭ ‬قصيرة‭ ‬تنوع‭ ‬فيها‭ ‬اسلوب‭ ‬الخطاب‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬بين‭ ‬الصيغة‭ ‬التهكمية‭ ‬المرمزة‭ ‬والنبرة‭ ‬الجادة‭ ‬بإدانة‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬الجماعي‭ ‬والاحتلال‭ ‬المتغطرس‭ ‬للوطن‭.‬

إن‭ ‬مجموعة‭ (‬اكليل‭ ‬موسيقى‭ ‬على‭ ‬جثة‭ ‬بيانو‭) ‬قد‭ ‬انطوت‭ ‬على‭ ‬نصوص‭ ‬تميزت‭ ‬بأسلوبها‭ (‬السهل‭ ‬الممتنع‭)‬،‭ ‬وموضوعاتها‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬متناسقة‭ ‬مع‭ ‬لغتها‭ ‬التي‭ ‬اتسمت‭ ‬ببساطة‭ ‬المفردة‭ ‬والجملة،‭ ‬وعمق‭ ‬المضمون‭ ‬وانسيابية‭ ‬الايقاع؛‭ ‬وقد‭ ‬سعى‭ ‬الشاعر‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬الى‭ ‬ايصال‭ ‬خطابه‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬الى‭ ‬اوسع‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬المتلقين‭ ‬بمختلف‭ ‬تصنيفاتهم‭ ‬تماهيا‭ ‬مع‭ ‬غائية‭ ‬الخطاب‭. 

              ..‬

-2-

‭(‬مقبرة‭ ‬الغرباء‭) ‬

بين‭ ‬رثاء‭ ‬الذات‭ ‬ورثاء‭ ‬الشاعر

لعل‭ ‬من‭ ‬بدهي‭ ‬القول‭ ‬أنّ‭ ‬الرثاء‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬اكثر‭ ‬الاغراض‭ ‬فاعلية‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور‭ ‬ولمختلف‭ ‬الثقافات،‭ ‬وربما‭ ‬يحدث‭ ‬التمايز‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬التعبير‭ ‬ومدياته‭ ‬بين‭ ‬ثقافة‭ ‬واخرى،‭ ‬وبين‭ ‬عصر‭ ‬وآخر،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الباعث‭ ‬الاساسي‭  ‬والمحرك‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الرثاء‭ ‬هو‭ ‬ذات‭ ‬الشعور‭ ‬بفداحة‭ ‬الفقدان،‭ ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬حجم‭ ‬الفداحة‭ ‬هذه‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬راث‭ ‬الى‭ ‬آخر‭ ‬تبعا‭ ‬لدرجة‭ ‬التأثر،‭ ‬والذي‭ ‬يخضع‭ ‬لعدة‭ ‬مؤثرات‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬عظمة‭ ‬المرثي‭ ‬ودرجة‭ ‬القرابة‭ ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬بها‭ ‬هنا‭ ‬القرابة‭ ‬النَسَبِية‭ ‬وانما‭ ‬القرابة‭ ‬التفاعلية‭. ‬

واذا‭ ‬كان‭ ‬المفهوم‭ ‬المتعارف‭ ‬او‭ ‬الشائع‭ ‬للرثاء‭ ‬أنه‭ ‬مقصد‭ ‬استذكاري‭ ‬بكائي‭ ‬للفقيد‭ ‬أو‭ ‬تعداد‭ ‬لمناقبه،‭ ‬أو‭ ‬استعراض‭ ‬لمشاعر‭ ‬الحزن‭ ‬التي‭ ‬تعتلج‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الراثي،‭ ‬فإن‭ ‬الرثاء‭ ‬في‭ ‬نماذج‭ ‬كثيرة‭ ‬يتحول‭ ‬الى‭ ‬فعل‭ ‬إثاري،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الإثارة‭ ‬تحريضية‭ ‬ام‭ ‬تنويرية‭. ‬وسواء‭ ‬كان‭ ‬خطاب‭ ‬التحريض‭ ‬أو‭ ‬التنوير‭ ‬هذا‭ ‬موجها‭ ‬للذات‭ ‬أم‭ ‬للغير‭.  ‬وتأسيسا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أقف‭ ‬عند‭ (‬قصيدة‭) ‬الشاعر‭ ‬جواد‭ ‬الحطاب‭ ‬التي‭ ‬قرأها‭ ‬في‭ ‬الجلسة‭ ‬الافتتاحية‭ ‬لمهرجان‭ ‬المربد‭ ‬الثالث‭ ‬والثلاثين،‭ ‬والمنشورة‭ ‬في‭ ‬مجموعته‭(‬إكليل‭ ‬موسيقى‭ ‬على‭ ‬جثة‭ ‬بيانو‭) ‬تحت‭ ‬عنوان”‭ ‬مقبرة‭ ‬الغرباء”‭ ‬محاولا‭ ‬قراءتها‭ ‬على‭ ‬وفق‭ ‬ضوء‭ ‬الموجّه‭ ‬القرائي‭ ‬الذي‭ ‬وضعه‭ ‬تحت‭ ‬عتبة‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬انها‭ ‬“‭ ‬نص‭ ‬في‭ ‬رثاء‭ ‬الجواهري”‭  ‬و‭ ‬سأبدأ‭ ‬من‭ ‬أخر‭ ‬مقطع‭ ‬والذي‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭:‬

“بعيدا‭ ‬عن‭ ‬دجى‭ ‬وطني‭ ‬

أنا؛‭ ‬والشمس؛‭ ‬نرتجفُ

فهل‭ ‬موتي‭: ‬أودسيوس

وأيثاكا‭: ‬هي‭ ‬النجفُ”

ومن‭ ‬خلال‭ ‬الثنائيات‭ ‬المتقابلة‭ ‬في‭ ‬الشطرين‭ ‬الاول‭ ‬والثاني‭ ‬والمتمثلة‭ ‬بـ‭:‬

بعيدا‭                    ‬نرتجف

‭ ‬أنا‭ ‬والشمس‭               ‬دجى‭ ‬وطني

  ‬نلحظ‭ ‬ان‭ ‬الشاعر‭ ‬لم‭ ‬يجعل‭ ‬ذاته‭ ‬والشمس،‭ ‬بمقابلة‭ ‬ضدية‭ ‬مع‭ ‬دجى‭ ‬الوطن‭ ‬كما‭ ‬يوحي‭ ‬به‭ ‬المعنى‭ ‬التضادي‭ ‬لمفردتي‭ (‬الشمس‭ ‬والدجى‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬جعلها‭ ‬مقابلة‭ (‬تكاملية‭) ‬إن‭ ‬جاز‭ ‬التعبير،‭ ‬مقابلة‭ ‬الجزء‭ ‬المحتاج‭ ‬للآخر‭ ‬المُكَمِّل،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬قرن‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬بالإرتجاف،‭ ‬وسواء‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الارتجاف‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬الخوف‭ ‬وعدم‭ ‬الإحساس‭ ‬بالأمان،‭ ‬ام‭ ‬هو‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬الإحساس‭ ‬بالبرودة‭ ‬وفقدان‭ ‬الدفء،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬جعل‭ ‬ذاته‭ ‬بصحبة‭ ‬الشمس،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬باعث‭ ‬للدفء‭ ‬والأمان‭ ‬باعتبارها‭ ‬مصدر‭ ‬الضوء‭ ‬والحرارة،‭ ‬الا‭ ‬أنّه‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الوطن‭ ‬رغم‭ ‬العتمة‭ ‬التي‭ ‬تحيطه‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬الخوف‭ ‬والبرد‭ ‬يبقى‭ ‬الباعث‭ ‬الاقوى‭ ‬للإحساس‭ ‬بالأمان‭ ‬والدفء‭. ‬

ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬الى‭ ‬ثنائيتين‭ ‬آخرتين‭ ‬هما‭ : ‬

موتي‭ = ‬اوديسيوس‭ ‬

أيثاكا‭= ‬النجف‭ 

ومن‭ ‬خلال‭ ‬هاتين‭ ‬الثنائيتين‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬يفتح‭ ‬بابا‭ ‬للتساؤل‭ ‬عن‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬يلتقي‭ ‬بها‭ ‬بالجواهري‭ ‬أو‭ ‬يسترده‭ ‬من‭ ‬غربته،‭ ‬وهو‭ ‬تساؤل‭ ‬لا‭ ‬أحسبه‭ ‬استفهاميا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أسى‭ ‬وحسرة‭ ‬على‭ ‬غربة‭ ‬الجواهري‭ ‬وبعده‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭. ‬

‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الموت‭ ‬هو‭ ‬الوسيلة‭ ‬التي‭ ‬يدخل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الى‭ ‬طروادة‭ ‬الجواهري‭ ( ‬مقبرة‭ ‬الغرباء‭) ‬متخليا‭ ‬عن‭ ‬النجف‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬مملكة‭ ‬الجواهري‭ ‬الافتراضية‭ ‬كما‭ ‬تخلى‭ ‬أوديسيوس‭ ‬عن‭ ‬ايثاكا‭!‬؟‭ ‬

وهو‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬قدّم‭ ‬شكوكه‭ ‬بأنْ‭ ‬تكون‭ ‬مقبرة‭ ‬الغرباء‭ ‬موصلة‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬الصراط؛‭ ‬كونها‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬حشد‭ ‬من‭ (‬العظماء‭) ‬مقارنة‭ ‬بمقبرة‭ ‬النجف،‭ ‬والتي‭ ‬يرى‭ ‬أنها‭ ‬ستكون‭ ‬اكثر‭ ‬يقينية‭ ‬بالوصول‭ ‬إستنادا‭ ‬الى‭ ‬عاملين‭ ‬رئيسين‭: ‬الاول‭ ‬هو‭: ‬ما‭ ‬ترسَّب‭ ‬في‭ ‬قناعة‭ ‬العراقيين‭ ‬من‭ ‬المكانة‭ ‬القدسية‭ ‬للنجف،‭ ‬والثاني‭: ‬هو‭ ‬فرضية‭ ‬أن‭ ‬تراب‭ ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬الانسان‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬الصراط،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭ ‬الصراط‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬رمزية‭.   ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فإني‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬مرثية‭ ‬جواد‭ ‬الحطاب‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مرثية‭ ‬بكائية‭ ‬ولا‭ ‬مناقبية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬فعلا‭ ‬تحريضيا‭ ‬ضد‭ ‬الظلم‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬بالمبدع‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬ويموت‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬وطنه،‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬يحظى‭ ‬بمكان‭ ‬رمزي‭ ‬فيه‭. ‬و‭(‬النص‭) ‬بالنتيجة‭ ‬ليس‭ ‬رثاء‭ ‬للجواهري‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬لكل‭ ‬مبدع‭ ‬مهدد‭ ‬بالعيش‭ ‬والموت‭ ‬غريبا‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬أم‭ ‬خارجه‭.‬

اذن‭ ‬هي‭ ‬رثاء‭ ‬تحريضي‭ ‬ضد‭ (‬تغريب‭) ‬الانسان‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬والانسان‭ ‬المبدع‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة‭ ‬مهما‭ ‬تنوعت‭ ‬أشكال‭ ‬هذا‭ (‬التغريب‭) ‬وأساليبه‭.‬

ونتيجة‭ ‬لماسبق‭ ‬فإني‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬جواد‭ ‬الحطاب‭ ‬قد‭ ‬قدم‭ ‬نصا‭ ‬عاليا‭ ‬جديرا‭ ‬بالاحتفاء‭ ‬به؛‭ ‬لما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬وجماليات‭ ‬متعددة‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬جمالا‭ ‬عن‭ ‬نصوصه‭ ‬الأخرى‭ ‬الزاخرة‭ ‬بالإبداع‭.‬