الخاتونية ومحلة الشفاء في الموصل – ابراهيم خليل العلاف

الخاتونية ومحلة الشفاء في الموصل – ابراهيم خليل العلاف

وانا اكتب عن محلات الموصل وخاصة القديمة في الجانب الايمن لكان لابد ان اتوقف عند واحدة من أعرق محلات (أحياء بلغة اليوم) الموصل وهي محلة الخاتونية  والتي تتداخل مع محلتي الشفاء وعبدو خوب حيث مدرستي الابتدائية قبل سبعة عقود وهي مدرسة أبي تمام الابتدائية للبنين .

ومحلة الخاتونية تقع في الجانب الغربي من نهر دجلة وهي قريبة من النهر ولاتبعد عن حافته اليمنى سوى 500 متر لا اكثر وهي الى الجنوب من محلة حديثة تعود الى الثلاثينات من القرن الماضي القرن العشرين هي محلة الشفاء .

يقول المؤرخ الموصلي الكبير الاستاذ أحمد علي الصوفي ان الاسم الاول لمحلة الخاتونية كان محلة الجصاصين وكان هناك احد ابواب الموصل وهو (باب الجصاصين ) وهذا الباب يقع بين باب العمادي (عند مطبعة الجامعة سابقا في شارع ابن الاثير وباب الميدان عند بناية الثانوية الغربية سابقا في باب سنجار في اعلى المدينة وباب الجصاصين كان مفتوحا  حتى اواخر القرن التاسع عشر  وقد اغلق بعد تأسيس دائرة انحصار التبغ (الريجي) منعا للمهربين لكنه فتح بعد اعلان اعادة العمل بالدستور سنة 1908 وسمي بباب الحرية وكان عامة الناس يسمونه باب الحجارين ولايزال قسم من ابناء محلة الخاتونية يزاولون هذه المهنة ويسمون الحجارين وهناك  عند باب الجصاصين جامع البنجة (بنجة علي أي كف الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ورضي الله عنه)  وهو مكان رباطة الصوفية . ويقول الاستاذ سعيد الديوه جي في تعليقه على ما كتبه نيقولا سيوفي في كتابه (مجموع الكتابات المحررة في ابنية مدينة الموصل) 1956 انه ادرك مسجد البنجة وكان يقع خارج الباب العمادي وادرك القبة وادرك ما في المسجد من محراب نقلته مديرية الاثار القديمة الى القصر العباسي ببغداد وكان حول القبة آثار الرباط وما كان فيه من مرافق مختلفة واقدم ذكر لهذا المشهد هو ما ذكره الهروي المتوفى سنة 611 هجرية – وكان يشرف على هذا الرباط نقباء الموصل وبقي بأيديهم حتى القرن التاسع عشر الميلادي وكان في الرباط أثر كف في الرخام يذكرون انه كف الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ورضي الله عنه . وقد ذكره المؤرخ محمد امين العمري في كتابه (منهل الاولياء ومشرب الاصفياء في الموصل الحدباء ) وكان هذا الرباط رباط بعض الصالحين وخانقاه للغرباء والمتصوفين .

ومحلة (الخاتونية ) كانت ولاتزال مزدحمة بالسكان حالها حال محلات اخرى في الموصل القديمة ومنها مثلا محلة المشاهدة ومحلة باب الجديد . وكما هو معروف فان مدينة الموصل بعد ان فتحها العرب المسلمون سنة 16 هجرية -637 ميلادية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت تعج بالقبائل العربية وكانت لتلك القبائل العربية احياء خاصة بها لذلك استقبل ابناء هذه القبائل وكانوا موجودين في الموصل قبل الفتح العربي الاسلامي اخوانهم الفاتحين العرب وقدموا لهم ما بوسعهم من طعام ومياه حتى ان بطريرك الموصل وهو من قبيلة تغلب قال للمسيحيين اذهبوا واستقبلوا اخوانكم العرب ويشير الى ذلك عدد من المؤرخين والكتاب منهم الاب جون فييه في كتابه (الاثار المسيحية في الموصل) .

امارة الحمدانية

كانت محلة الخاتونية موطنا لعشيرة الخواتنة التي سكنت المنطقة قبل الاسلام وعشيرة الخواتنة ترجع بنسبها الى بني حمدان ( الحمدانيون)  .. والحمدانيون كما سبق ان اشرنا تمكنوا فيما بعد من تأسيس الامارة الحمدانية في الموصل وحلب والجزيرة وقد عرفت بالدولة الحمدانية وتاريخها ينحصر بين سنتي 905-1001 ميلادية ، وقد كتب عنها المؤرخ العراقي الكبير الاستاذ الدكتور فيصل السامر كتابا بجزئين وعنوانه (الدولة الحمدانية في الموصل وحلب) .

في محلة الخاتونية واعرفها جيدا واعرف اهلها منذ عقود وهي ليست بعيدة عن محلتي الاصلية محلة (رأس الكور) الكثير من المعالم البارزة ولازلت اتذكر (جامع الشيخ حنش ) و(المقابر ) العديدة التي تضمها وعددها ثلاثة مقابر تقع احداها بالقرب من هذا الجامع وهي على منطقة مرتفعة وقريبا منها مرقد الامام عبد الرحمن و(حديقة الطوالب ) وبيوت ال توحلة  وبيت اسماعيل عباوي مدير شرطة الموصل سنة 1959.

اقول فيما يتعلق ب(محلة الشفاء) ،  وهي محلة حديثة بالقياس لمحلة الخاتونية ان محلة الشفاء تقع في الجهة الشمالية من مدينة الموصل القديمة وبالمصطلح التاريخي القديم في الموصل فأنها تقع في الربض الاعلى وهي منطقة مرتفعة عن ما يجاورها وسميت ب(محلة الشفاء)  لأن المستشفى الملكي والذي سمي بعد ثورة 14 تموز 1958 بالمستشفى الجمهوري يقع الى شمالها ومن اهم معالم محلة الشفاء قلعة باشطابيا اي القلعة الرئيسية وقره سراي ومرقد الامام يحيى بن القاسم وعين كبريت وجامع الامام محسن وقاعة علي النقيب ودور ال النقيب نقباء اشراف الموصل ودائرة صحة نينوى وكنيسة الطاهرة الفوقانية او الخارجية.

وكان في محلة الشفاء ايضا وفي ما يسمى دورة المستشفى حيث عيادات الاطباء وعدد من الدكاكين ومدرسة الطاهرة ونقليات الهاشمي مكتب ادارة مصلحة نقل الركاب ومنذ سنة 1957 عندما دخلت الموصل سيارات المصلحة الحكومية مصلحة نقل الركاب والتي كان يسميها الناس الامانة ولها خطوط سيرها المحددة في شوارع ومحلات مدينة الموصل .

ومحلة الشفاء تضم بيوتا سكنية حديثة وشوارعها مستقيمة ، وحديثة وهنا لابد ان اؤكد ان محلة الخاتونية تقع الى الجنوب من محلة الشفاء .وهي قريبة من الجسر الخامس .

اتذكر ان من بيوتات محلة الشفاء بيوت ال النقيب ومنهم رؤوف النقيب وولده الاستاذ نزار رؤوف النقيب وبيوت آل العاني ومنهم محسن العاني وعبد القادر العاني وبيوت ال توحلة ومنهم الحاج سعد الله توحلة وبيوت ال عباوي ومنهم اسماعيل عباوي مدير شرطة الموصل 1959 والضابط الذي اشترك في انقلاب الفريق بكر صدقي سنة 1936 وبيوت ال السراج ومنهم الحاج صالح والحاج عبد القادر السراج ولهم دكاكين في سوق باب السراي  وبيوت آل الشاروك ومنهم الاستاذ الدكتور زهير محمد عبد الله الشاروك عميد كلية التربية السابق – جامعة الموصل  وبيت ال الغضنفري وبيت ال الديوه جي ومنهم الجيولوجي بسام محمد أحمد الديوه جي 1947-2020 وبيت بشير عبد الله حمو الجمعة العلاف ولا ننسى انه في محلة الخاتونية تقع بيوت آل شلاوي وهم الذين عرفوا بتربية الجاموس وبيع القيمر ومنهم افاضل خدموا في محالات عديدة منها ميدان التربية .

وكان في محلة الخاتونية (ميتم جمعية البر الاسلامية ) التي تحدثت عنها مرة في مقال  وقلت  انه في بداية الامر كان بناية مؤجرة واضفت :” ان  الجمعية فتحت  في 27 من تشرين الاول 1928 ميتما اسلاميا انتظم فيه اول الامر قرابة عشرين يتيما واستؤجرت للميتم بناية في محلة الخاتونية واتخذ القسم الخارجي للميتم مركزا جديدا للجمعية وافتتح الميتم باحتفال تحدث فيه الشيخ عبد الله النعمة ، ومعتمد الجمعية وكاتبها السيد رؤوف النقيب وقد استعرض السيد رؤوف النقيب أعمال الجمعية ونشاطاتها وحث الحضور على الاخذ بيدها ودعمها وشد ها ” .

ثم تمكنت الجمعية من تشييد (بناية جديدة)  وفخمة للميتم على أرض مساحتها (5200) متر مربع بالقرب من مرقد الامام يحيى بن القاسم القريب من باشطابيا وقد قامت وزارة المالية بتمليك الجمعية بناية هذا الميتم .وقد بلغت تكاليف البناية مبلغ ( 872 و15) دينارا وجرى افتتاحها في 22 من شباط سنة 1957 في احتفال كبير برعاية وكيل متصرف الموصل آنذاك الاستاذ صبحي علي وعند ذلك الافتتاح جاد المدعوون الى هذا الاحتفال بمبالغ كبيرة ساعدت الجمعية جمعية البر الاسلامية وميتمها على تطوير نشاطاها وتوسيع قاعدتها لخدمة اليتامى والارامل والفقراء والمعوزين .

ومن معالم محلة الخاتونية جامع الشيخ الغوث سعيد كرجية في الموصل وهو من ابرز شيوخ الموصل الزاهدين المعروفين وجامع الشيخ سعيد كرجية يقع بالقرب من الجسر الخامس على جهة شارع الفاروق قبل النفق.

وفي الخاتونية مدرستي (مدرسة ابي تمام الابتدائية للبنين) ، وهي من المدارس العريقة ولي عنها مقال منشور كما قدمت عنها حلقة من برنامجي التلفزيوني (موصليات) من على قناة الموصلية الفضائية  وكانت بنايتها تعود لآل توحلة. وفي الخاتونية أسواق ومقاه شعبية ، ودكاكين وهي محلة حميمية كما هي محلة الشفاء محلة حميمية ايضا …عندما نسأل عن محلة الخاتونية بموروثها التاريخي الشعبي ، نتذكر القابلة أم طماس ، والملا  كسو ، وعلي الطحان ، ونوفل البقال .

كما نتذكر الكاتب والصحفي الصديق الاستاذ اياد فتحي شهاب الطائي المعروف ب (أياد الموصلي) .

كنيسة الطاهر

ومن معالم محلة الشفاء  الرئيسية مزار وكنيسة الطاهرة  الفوقانية التي تعود في تاريخها الى القرن السادس الميلادي والكنيسة ملاصقة للقلعة الرئيسة باشطابيا وتعتبر هذه الكنيسة تحفة فنية بزخارفها ونقوشها التي تعود للفترة الجليلية في الموصل 1726-1834 وفيها ايقونة العذراء المرمرية وهي نصب تذكاري انجز سنة 1743. ويلحق بالكنيسة مطرانية الكلدان التي تم اعادة ترميمها وتغليفها بالحلان والزخارف في التسعينات من القرن الماضي لكنها للاسف تعرضت للتدمير خلال سيطرة عناصر داعش 2014-2017 ونأمل في ان يلتفت المسؤولون الى اهمية اعادة اعمارها .

تحياتي لأهلي في الخاتونية ، ومحلة الشفاء وارجو من المسؤولين الاهتمام بها واعادة بناء ما دمر فيها خلال سيطرة عناصر داعش على الموصل ، ومعركة تحرير الموصل من بيوت ، ومدارس ، ومستوصفات ، ومرافق اخرى .

{ مؤرخ وكاتب عراقي