الحلم المسافر

الدكتور محمود البستاني أديباً

 

 الحلم المسافر

 

 

زهير غازي زاهد

 

 

ما أصعب الكلام عن الصديق في هذا الموقف.

 

فالكلام عن محمود البستاني ينقلني إلى محطات العمر التي فات ربيعها وخريفها يكاد، ولم يبق سوى النزر اليسير منها ما تمرد على قيد الزمن برعايته تعالى ، ليظل شاهدا على عهود انطوت غير مأسوف على جلها ، ومأسوف على سنيّ العمر التي انطوت فيها فسبحان الخالق تعالى عما يصفون .

 

عرفته رحمه الله في أواسط ستينيات القرن الماضي حين كنا ندمن قراءة مجلة الآداب البيروتية ، ونفخر بالنشر فيها ، وذلك ما لم يقدر عليه الكثير ، وكنت اقرأ بين الحين والحين قصيده للشاعر محمود البستاني على طريقة الحداثة ، مضمونها وصورها جديدة ، لكنها بهيكل القصيدة المقفاة أو المتنقلة القافية على ما شاع في شعر المهاجر ، كنا نندفع إلى هذا الاتجاه من التجديد مع الاحتفاظ بالأصالة الإبداعية ، وكان الصراع في حينها بين شكلي الشعر العمودي والحر محتدما . كنا نرى ان التجديد ينبغي له أن يكون الامتداد الناضج للأصالة والإبداع في التراث ، لا القطعية معه كما كان هوس التيار الأخر الداعي للتجديد ، وبين سنة 66-67 ألفنا ندوة الاداب والفنون المعاصرة ، وكنا مجموعة من الشباب المتحمس للتجديد ، وقد انقسمنا إلى تيارين كما هو القائم في افاق الشعر آنذاك ، فكنت ومرتضى فرج الله وعبد الاله الصائغ ندعو للاحتفاظ بالاصالة في ندواتنا وفي ما ننشره ، وكان الصوت الاخر المتحمس للجديد ولو بالقطيعة يقفه عبد الامير معلة وموسى كريدي وآخرون ، وكان محمود البستاني حين يشتد الجدل بيننا يقف وسطا يهدئ من يشتدّ منا . وطالما وقفنا عند ( دكانه ) الصغير لبيع العطور في رأس أول فرع للسوق الكبير بعد الصحن الشريف ونلهيه حتى عن البيع ، ودكانه ليس فيه مكان لجلوس اكثر من ضيف واحد ، وهو يتربع في ركنه، ويدير الحديث والجدل أحيانا بين الواقفين .

 

لقد كان هادئا في حديثه متأملا دائما ، كان لطيف المعشر ظريف الحديث فمن التقاه مرة ودّ أن تستمر صلته به .

 

وهكذا كان الحال في لقاءاتنا حتى افترقنا سنة 1970 فقد نقلت إلى جامعة البصرة والآخرون انتقلوا إلى بغداد ، وختمت لقاءاتنا وندواتنا في النجف بإقامة مهرجان النقابة الادبي صيف سنة 1970 وكان البستاني قد تولى نقد الأمسية الشعرية التي أقيمت في نادي الغري للمعلمين على الرغم من قلة مشاركاته الصريحة في المؤتمرات الادبية ، اذ كان يميل إلى الزهد ويزهد بالشهرة كما هي طبيعته في حياته بل حتى في مظهره .

 

ان لقاءاتنا لم تنقطع. فإذا اجتمعنا عند مجيئنا إلى النجف في بيت أحدنا أو في الكوفة على الفرات . اما إذا التقينا بالشيخ محمد كاظم الطريحي ( رحمه الله)  فتكون الجلسة ليلة عامرة .

 

تخصص في النقد الأدبي، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة موضوعها ” النقد الأدبي في العراق ” وعمل استاذا في كلية الفقه تتصاعد سمعته في تدريس النقد الأدبي ، وتدريس موضوع التفسير على وفق منهجه البنائي الذي ضمنه في كتابه ( التفسير البنائي للقرآن الكريم ) .

 

لقد شتّتتْ طاقاته الظروف الاجتماعية والسياسية التي كان عليه العراق في سبعينيات القرن الماضي ، فعلى الرغم من أنه تدرج في التحصيل العلمي حتى حصل على الدكتوراه، ثم هو شاعر حديث معروف في العراق وأوطان العرب ، وعمل استاذا ممتازا في كلية الفقه ، قد تخرجت على يديه أجيال ، ويمكنه أن يستمر بارادته ورغبته ، ومع ذلك قد رفض النظام أن يعطيه الجنسية العراقية بالرغم من أنه عاش وتعلم وأبدع في العراق . لقد كان الموقف الرسمي منه ومن الكثير من العراقيين قاسياً مؤثراً في نفسه .

 

ولما ضاقت عليه الحياة بأيامها السود وضغوطها على المفكرين المخلصين لوطنهم وعقيدتهم في ذلك العهد الشاذ ما أدى إلى حرمانه من الحياة في المدينة التي ولد ونشأ فيها النجف الأشرف ، فاضطر إلى مغادرة العراق كالكثير من العلماء والأساتذة حفاظا على شرف الكلمة ونقاء الفكر وصفاء الضمير ، فما كان يفرض على الانسان يلوث الفكر ويدنس الضمير إما القبول وإما الحرمان ، ففضّل الحرمان للاحتفاظ بنقائه وشرف كلمته . هاجر إلى ايران باعتباره في نظر النظام آنذاك غير عراقي الأصل ، فاستقبلته ايران الاسلامية وكان له موقع وتقدير هناك ، وتوجه للتأليف في الأدب الاسلامي ، وكان مبدعا أيضا إذ أنتج فكرا وأدبا خدم بهما الأدب والعقيدة ، وحصل على الجوائز لابداعه من أعلى مقامات الدولة الاسلامية . فما أقساك يا نظام التفرقة الطائفية !! وما أكثرك سقوطا في تاريخ البشرية !!

 

الحقّ انّ من يتعصب طائفياً ويكون لتعصبه تداعيات مؤذية اجتماعياً ليس بمسلم أساساً ولو ردد الشهادتين ، فترديد الشهادتين باللسان من دون الايمان بأن الاسلام دين التسامح و? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? وبأن الدين المعاملة بالحسنى ، فترديد الشهادتين يكون عبارة عن عادة يكتسبها اللسان كما يكتسب أية عادة أخرى ليس وراءها فكر أو وعي.

 

وكانت المحطة الأخرى للقائنا في السيدة زينب بدمشق سنة 2000 في شقة الدكتور محمد حسين الصغير ، والبستاني والصغير اذا التقيا كانت الجلسة مبهجة رائعة في لقائهما ، فهما يتناغيان في الحديث ويتناغمان في الهمس ، والجلوس يشاركون أو لا يشاركون ينسون أنفسهم بألطافهما وأحاديثهما الظريفة ، فاستمرت لقاءاتنا أسبوعا كانت لياليه هي ذكرى سفرتنا ثم افترقنا .

 

واخر لقاءاتنا في النجف 2010 زرناه في بيت مضيفه خلف جامعة كلنتر أخبرنا الدكتور عبد الامير زاهد بوجوده في النجف، فذهبنا ومعنا الدكتور مناف الموسوي والاستاذ رشاد المظفر، فكان لقاء طيبا بعد فراق . رأيت ملامحه تخفي حزنا وسّراً يأبى أن يبوح به ، فقد كانت رغبته رحمه الله في العودة الى كلية الفقه في مدينتة أستاذا كما كان ، وقد وقع التغيير في العراق وسقط نظامه الشاذ ، والبستاني لم يكن محتاجا الى العمل، فهو مكتف بقناعته وانتاجه العلمي ، ولكنها رغبة في مواصلة حياته في كليته ، لكن لم يسعفه الظرف انذاك ، وكان تقصير من القائمين على الجامعة في عدم احتوائه بأية صورة ولو بالتعاقد معه كما عاد غيره الى الجامعة .. لقد بقيت حسرة في نفسه وصدمة أخرى في حياته .

 

وعرفت بعدها انه جاء الى النجف قبل وفاته باسبوع وكانه جاء لاخر زيارة لامام المتقين ? كما جاء ليودع مدينته الحبيبة واخوانه بمشاعر المؤمنين الاوفياء ، ولم أسعد بلقائه لاني لم اكن في النجف واتصل بي وسلم أحدنا على الاخر، وعرفت منه انه على عجل لا يتاخر في النجف ، ولست ادري أنّ هذه اخر فرصة اسمع فيها صوته ، فبعد ايام فاجانا خبر رحيله في 12-3-2011 رحمه الله .

 

لقد عاش وديعا وداعة الاتقياء، ورحل بصمت رحيل العلماء تشيّعه مشاعر اخوانه واحبائه ومريديه من تلامذته . وترك ثروة علمية وادبية فيها افاق للدرس والبحث ينبغي للجامعة ان لا تهملها كما اهملت احتواءه في حياته ، كما ينبغي للباحثين أن يبذلوا لها ما تستحق من الاهتمام .

 

فمحمود البستاني طيف مضيء سرى عبر هذه الحياة وبعد غيابه انتبهنا وستسري اطيافنا مقدرة بانفاسنا ونبضات قلوبنا.

 

فالعيش نـــوم والمنيـــة يقظـــة                                     والمرء بينهما خيـــال ســــار

 

ومن شعره قصيدة عنوانها ( الى الشعراء ) قالها بعد نكسة حرب 1967 التي عم حزنها واثرها العالم العربي:

 

أنا إن أتيــت لمحفــــــــل الشعــــــراء        فلكي أبلغهـــــم كبيـــــر عزائــــي ولكي أقول لهم : كفاكـــم     إنكــــم

 

      تتسكعون على ذرى الجــــــوزاء وتحملقون فلا مطـــاف لوحيكـــــم                   الا امتصاص الوهم والخيــــــلاء

 

فاذا هبطتــــم للصعيــــــــد فانمـــــــا         لتطرزوا الساحات بالاصـــــــداء ولتهرعوا نحو الضفـــاف جميلـــــة فاذا هبطتــــم للصعيــــــــد فانمـــــــا           لتطرزوا الساحات بالاصـــــــداء ولتهرعوا نحو الضفـــاف جميلـــــة            فتثرثرون على خـريــــــر المــــــــاء حتى اذا ولى النهــــــار هرعتــــــــم

 

      للدار متخــــومـــــين بالأنبـــــــــاء ولعل أفضل مــا لديكـــم عنـــــــزة                       عطست لنا بقصيــدة عصمـــــــاء مـاذا وراء قصيـــــــدة عصمـــــــــاء

 

      صعدت او انقلقت على الغبـراء عشرون عاما إن نجع

 

      كلماتنــــــا الجوفــــــــاء نصفع بها وجـــه الاثيــــــر فينثنـــي

 

        شدق الأثير بضحكة استهــــــزاء حتى اذا التحمت معارك أمسنـــــا

 

      وتلفعت بالرايـــــة الســــــــــوداء  عدنا بنفـــس قصيـــــدة عصمــــــاء             وبنفس ثرثرة ونفــــس خــــــــواء وكأن أوتار القصيــــــــد تألّهـَـــــتْ

 

       عِجْلاً نقدســه بكــــــل غبـــــــــاء عِجْلاً له جسد جميـــــــل رائـــــــع

 

    وله خوار الســــــــــادة الشعـــــــراء