الحد الفاصل بين الحياة والموت  – رامي فارس اسعد

كل شيء هادئ في الجبهة الغربية

الحد الفاصل بين الحياة والموت  – رامي فارس اسعد

لطالما أبهرتنا الأعمال الروائية والقصصية التي تناولت مواضيع الحروب وبالأخص الحربان العالميتان الأولى والثانية، على الرغم من مرور أكثر من ثمانين عاما على نهاية الحرب إلا أن القصص والحكايا عن هذه المأساة ما زالت تلقى إقبالا واسعا من مختلف أنحاء العالم وسرعان ما تترجم الأعمال الأدبية الخاصة بهذا الشأن إلى جميع لغات العالم ونجد لها مقبولية عميقة لدى القراء بمختلف لغاتهم وثقافاتهم حت? أن بعض الأعمال سرعان ما تنفذ طبعاتها الأولى والثانية والثالثة على التوالي.

والحرب العالمية الأولى كانت وما تزال من أبشع حروب القرن العشرين وأكثرها فتكا، ففي هذه الحرب والتي سميت بحرب الخنادق استعملت الأسلحة الثقيلة والغازات السامة والآليات العسكرية الفتاكة لا ول مرة في التاريخ وانتشرت الأوبئة بكثرة وأخذت تحصد أرواح المدنيين والجنود معا وقد وصف أدب الحرب هذا النزع أجمل ما يوصف وأجادت قريحة الأدباء من مختلف أنحاء العالم بأعمال أدبية ظلت خالدة حتى اليوم. حتى أن بعض هذه الأعمال ظلت خفية عن الترجمة إلى العربية عقود طوال ومنها الرواية التي بين أيدينا وهي رواية “كل شيء هادئ في الجبهة الغربية”.

رواية “كل شيء هادئ في الجبهة الغربية”، من تأليف الكاتب الألماني “أريك ماريا ريماك ” حققت نجاحا باهرا بعد نشر الطبعات الأولى خلال العشرينيات من القرن الماضي ولعل نجاح أعماله الأخرى قد لا يقارن بهذا العمل الروائي الذي وصف فترة الحرب وما بعدها في ألمانيا بلغة بسيطة وعاطفية وإنسانية بعيدة عن لغة الحماسية التي قادت الملايين من الألمان نحو الموت.

وريماك كاتب، وروائي ومسرحي وكاتب سيناريو ولد في مقاطعة أوسنابروك شمال ألمانيا ويعد أحد كتاب ألمانيا الأكثر شهرة والأكثر قراءة على نطاق واسع من الأدب الألماني في القرن العشرين.

الرواية صدرت باللغة العربية لأول مرة عام 2021 ترجمة محمود مسعود عن منشورات مقبرة الكتب وتقع في 247 صفحة من القطع المتوسط.

وقد حولت هذه الرواية قبل ترجمتها للعربية إلى أفلام سينمائية عالمية نالت العديد من الجوائز الأولى كان عام 1930 والثاني كان في عام 1979.

أكفان أعدت لنا حقاً…

“بول بامر”، الشخصية الرئيسية في الرواية وكاتب سطورها وهو جندي ألماني في التاسعة عشرة من العمر، تطوع هو وأربع من رفاقه في صفوف الجيش الألماني منذ بدء الحرب العالمية الأولى وعل? لسانه يروي لنا الأحداث التي وقعت في ميادين القتال بين الصفوف المتحاربة ويرصد جميع التحولات النفسية والعاطفية والمعاناة التي تعصف بالجنود قبل وأثناء وبعد القتال وحياتهم اليومية بين جدران الخنادق وتدريباتهم واستعدادهتم قبل كل ” مجزرة ” يعتزمون المشاركة بها غصبا وليس اختيارا فنجده هنا يقول “إن ميدان القتال بمثابة قفص يحتبس فيه الجندي ويتوقع كل شيء، فنحن نمكث تحت شبكة القنابل المتقاطعة ونحيا في قلق دائم، والحظ وحده الذي يتراوح ويتذبذب فوق رؤوسنا وهو الحد الفاصل بين الحياة والموت هنا”، يشعر القارئ أثناء تجواله بين السطور بكمية القلق الدائم الذي يحياه الجنود في ميادين القتال حتى في ساعات الاستراحة والأكل والنوم، وهناك وصف رائع أثناء سير الجنود نحو الخطوط الأولى للاشتباك مع العدو، فقبل وصولهم الى هناك شاهدوا مجموعة توابيت خشبية جديدة كانت قد وصلت للتو ووضعت هناك وهنا يقول بامر “أعتقد أن هذه التوابيت قد أعدت لنا حقاً والاستعداد في حد ذاته لا يحتاج إلى تنويه فأنت سعيد الحظ إذا فزت بتابوت لأنهم في أغلب الحالات سيلفون جثتك العتيقة في قطعة من المشمع ويلقونها في التراب”.

استخدام الجياد نذالة…

من المعروف أن استخدام الدواب في جر المدافع والذخيرة كان شائعا في الحرب العالمية الأولى وبالأخص الجياد وبعدها في الثانية وقد استخدمها الألمان بكثرة، وذات يوم يصف الكاتب على لسان بول بامر ما حل بالفرقة أثناء تجوالها بين الغابات عندما أمطرتها مدافع العدو بالعشرات من القذائف المدفعية والتي شتت أفراد الفرقة ما بين قتيل وجريح ولائذ بين الحفر والأغصان العملاقة، فبعد انقطاع سيل القذائف سمع أفراد الفرقة صراخا غريبا ومزعجا وكان صادرا عن مجموعة من الجياد المصابة ما دفع البعض إلى إطلاق النار عليها للخلاص من ذلك الصوت الذي أخذ يمزق أعصابهم أكثر من أصوات المدافع وهنا يقول بامر نقلا عن أحد الجنود وكان منفعلا “لقد جنت هذه المخلوقات… إن استخدام الجياد في الحروب هو نذالة ما بعدها نذالة”، وهنا نرى كيف يصور لنا الكاتب جحيم الحروب التي لم تسلم منها حتى الحيوانات الوديعة.

الأرض هي الأم…

نرى الشخصية الرئيسية بول بامر في أكثر من موقف يتحدث عن الارض عن اهمية الارض بالنسبة للجندي فهو يؤكد بالقول ان “الجندي لا يملك سوى الارض فهي ملجأ وهي تهيىء له ثواني معدودات تحميه في اثنائها ريثما يجري وينجو بحياته او تقبره في طياتها الى الابد”. الارض هي الام والاخ والصديق لكل الجنود.

أصعب اللحظات…

أصعب اللحظات التي سيشعر بها القارئ هي التي يتحدث عنها الكاتب أثناء اندفاع الجنود نحو خطوط العدو ودخولهم في حالة إحالتهم إلى مجموعة من الوحوش الكاسرة المتعطشة للدماء. نرى بول بامر ورفاقه يندفعون قتلا وتنكيلا بجنود العدو “كنا نركض إلى الأمام بين صرخات الجرحى الممددين على الأرض الذين كانوا يتشبثون بأقدامنا وقد أقفرت نفوسنا من كل شعور إنساني”.

ويعلل المؤلف هذه الحالة على لسان بطله الجندي بامر بالقول إن “الغريزة الحيوانية المندسة في طبائعنا تتيقظ فجأة وتحمينا من الهلاك ومحال أن يصل الإنسان إلى تفسيرها ولولاها ما عاش إنسان وطأت قدماه ميدان القتال”. وهنا يجب أن نتوقف ونتمعن في هذا القول ونرى ما قد تجلبه الحروب علينا من ويلات لا يمحو الزمان آثارها ولو بعد عقود.

تتعاقب فصول الرواية ما بين لحظات القتال الحاسمة وما بين الكر والفر والهزيمة والانتصار حتى يأتي اليوم الذي يمنح فيه الجندي بول بامر إجازة يعود فيها إلى الديار للاستراحة من عناء الحرب والسفر الطويل والتنقل بين الخنادق والثكنات وبعيدا عن رائحة الموت والدماء ومناظر القتلى، يعود إلى بيت الأسرة ليجد والدته وهي على فراش المرض نتيجة إصابتها بالسرطان، وهنا ينتابه شعور الغربة وسط الأهل والأصدقاء فهو يشعر أنه لا ينتمي إلى هذا المحيط بقدر انتمائه إلى محيط رفاق السلاح رغم ما تراه الأعين من مناظر القتل والدماء.

ونرى أن الكاتب طرح قضية في غاية الأهمية وهي الحالة النفسية التي تنتاب الأسرى والجنود والمساجين الذي يقضون سنوات طويلة بعيدا عن الاهل ويتم الإفراج عنهم فجأة فهم قد لا يشعرون بالانتماء إلى مجتمعاتهم الاصل?ة ويعانون من صعوبة بالغة في الاندماج والعودة للحياة العادية ومن هنا يكمن مصدر المشاكل النفسية التي يصاب بها هؤلاء.

عمل أدبي خالد…

النهاية قد تشكل مفاجأة للقارئ بعد تلك الملحمة والمغامرات التي قادها الجندي “بول بامر” ففي اليوم الذي تسري فيه إشاعة عن هدنة قريبة لوقف إطلاق النار يتم العثور على بطلنا في أكتوبر من سنة 1918 مستلق على الأرض من دون حراك وكأنه مستغرق في النوم، وفي التقرير الحربي لا يتم ذكر اسمه ولا عنوانه، فقط يتم ارسال برقية سريعة تحوي كلمات مختصرة ومقتضبة وهي أن “كل شيء هاد في الجبهة الغربية”.

إن هذا العمل الروائي يعد بحق من الأعمال الفريدة والخالدة لأنه وكما أسلفنا لا يركز على مخرجات الحرب العالمية الأولى وما نال ألمانيا والانسانية من مآس غير قليلة بقدر ما يركز على ويلات الحروب التي ابتلي بها بنو البشر بمختلف جنسياتهم وألوانهم منذ الخليقة وحتى اليوم.

{ صحفي عراقي