الجولان وغاز الشمال إنموذجاً

الجولان وغاز الشمال إنموذجاً

لغة الأرقام والأموال تتحكّم في الدوري الممتاز

نجم عبد كريدي

يشهد الدوري الممتاز العراقي لكرة القدم، الذي يضم عشرين فريقًا، تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة المنافسة بين فرق المقدمة، وسط سباق محموم نحو بطاقتي التأهل إلى دوري النجوم. ومع انتهاء مباريات المرحلة واقتراب مراحل الحسم، لم تعد المعركة محصورة في حدود المستطيل الأخضر فحسب، بل تجاوزته إلى معادلات الدعم المالي، والاستقرار الإداري، والتخطيط المؤسسي طويل الأمد. وفي ظل هذا المشهد المتسارع، يبرز فريق الجولان بوصفه الرقم الأصعب في معادلة الموسم الحالي، بعد أن انفرد بصدارة الترتيب العام برصيد (45) نقطة، وبفارق (7) نقاط كاملة عن أقرب مطارديه فريق غاز الشمال صاحب المركز الثاني ، في مؤشر واضح على التفوق الفني والاستقرار الإداري الذي يتمتع به الفريقان. #الصدارة ليست وليدة الصدفة.

إن تصدّر فريقي الجولان وغاز الشمال للمشهد الكروي في الدوري الممتاز لا يمكن قراءته بوصفه نتيجة عابرة أو حظًا مؤقتًا، بل هو ثمرة مباشرة لتوفر عاملين أساسيين:

-الأول يتمثل في الدعم المالي السخي الذي يحظى به الناديان من إداراتهما، ومن الجهات القطاعية في محافظتيهما، وتحديدًا من وزارة النفط ومحافظتي الأنبار وكركوك.

المشهد الكروي

-أما العامل الثاني فيكمن في وجود إدارة واعية أدركت مبكرًا أن كرة القدم الحديثة لا تُدار بالعاطفة وحدها، بل بالميزانية، والتخطيط، وبناء الفرق على أسس علمية وفنية رصينة.

هذا الواقع يعكس صورة جديدة للدوري الممتاز العراقي، حيث باتت المنافسة محكومة بمعايير احترافية أكثر وضوحًا، وأصبحت القدرة على توفير الموارد عنصرًا حاسمًا في رسم خارطة المتصدرين والمتأهلين.

ولعل اللافت في مسيرة الجولان هذا الموسم، أنه يسير على ذات النهج الذي رسمه شقيقه وابن محافظته نادي الگرمة، الذي قدّم واحدة من أبرز قصص النجاح في الكرة العراقية خلال الموسم الماضي، بعد صعوده من الدوري الممتاز إلى دوري النجوم، وتمكنه من تصدر دوري النجوم في إحدى الجولات، في إنجاز تاريخي غير مسبوق.ويكتسب هذا الإنجاز رمزية خاصة إذا ما علمنا أن نادي الگرمة يمثل ناحية لا يتجاوز عدد نفوسها (150) ألف نسمة، ليصبح أول فريق في تاريخ الدوري العراقي المتقدم يحقق الصدارة وهو يمثل وحدة إدارية صغيرة، الأمر الذي يؤكد أن حجم المدينة لم يعد معيارًا للنجاح، بل حجم الدعم والرؤية والطموح.

معادلة النجاح

الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم، وتستوجب الوقوف عندها بموضوعية وجرأة، هي أن (الأموال، ودعم المحافظات، ومساندة الميسورين والتجار والعاشقين لمدنهم وفرقهم، إلى جانب الإدارة الذكية، تمثل المعادلة الذهبية لتحقيق حلم الصعود إلى دوري الأضواء والنجوم). فالكرة العراقية لم تعد تعتمد على الموهبة الفردية فقط، بل أصبحت مشروعًا اقتصاديًا ورياضيًا في آن واحد، يحتاج إلى بنية تحتية، ومعسكرات تدريب، واستقطاب لاعبين أكفاء، وجهاز فني قادر على توظيف الإمكانات المتاحة بأفضل صورة.ومن هنا، يمكن الجزم بأن الفرق التي تمتلك هذا المزيج المتكامل هي الأقرب لبلوغ دوري النجوم في الموسم المقبل.وبناءً على المعطيات الحالية، فإن المؤشرات الفنية والإدارية ترجّح أن يكون الفريقان المتأهلان إلى دوري النجوم في الموسم القادم من بين فرق المنطقة الغربية أو الفرق النفطية، التي يبلغ عددها خمسة أندية في الدوري الممتاز، وهي:غاز الشمال، نفط البصرة، نفط الوسط، مصافي الوسط، ومصافي الجنوب.إلى جانب فرق محافظة الأنبار الثلاثة: الجولان، الفهد، والرمادي.

وهذا التوجه لا يأتي من فراغ، بل نتيجة ما تتمتع به هذه الفرق من دعم مؤسسي ومالي واضح، يمنحها القدرة على الصمود في سباق طويل النفس مثل الدوري الممتاز.

الكرة الحديثة

لقد أصبحت كرة القدم اليوم اللعبة المدللة الأولى في العالم، وبوابة شهرة المدن والبلدان، وعنوانًا كبيرًا للتطور والبروز. والأمثلة العالمية والإقليمية كثيرة على مدن لم تكن معروفة رياضيًا، لكنها تحولت إلى أيقونات كروية بفضل الاستثمار الذكي والدعم المالي المنظم. وعليه، فإن المال لم يعد ترفًا في كرة القدم، بل هو إكسير الحياة لأي نادٍ يطمح إلى المنافسة، وأداة رئيسية في صناعة الإنجاز وتحقيق الأحلام، شرط أن يُدار بعقلية احترافية وبعيدًا عن الارتجال والعشوائية.

خلاصة المشهد

إن الصراع الدائر اليوم في الدوري الممتاز العراقي هو صراع بين مشروعين:مشروع يعتمد على الإمكانات المحدودة والاجتهاد الفردي،

ومشروع آخر يقوم على المال والدعم والإدارة الواعية والتخطيط الاستراتيجي.ومع استمرار هذا السباق المحتدم، يبدو أن الكلمة الفصل ستكون للفرق التي فهمت مبكرًا أن كرة القدم لم تعد لعبة تسعين دقيقة فقط، بل منظومة متكاملة تبدأ من الإدارة ولا تنتهي عند صافرة الحكم.

وبين الغربية والفرق النفطية، تتجه بوصلة التأهل إلى دوري النجوم، لتؤكد مرة أخرى أن كرة القدم هي مرآة للواقع الاقتصادي والإداري، وأن من يمتلك أدوات العصر… يمتلك طريق الصعود.