الجزائري: خشبة الطفل أكثر تعقيداً من مسرح الكبار
النصوص الشعرية تضع الممثل تحت قيود معينة
بغداد – احمد كاظم نصيف
المخرج سليم الجزائري، المتخصص في مسرح الطفل، لم يقف عن حدود الثقافة المحلية، وإنما كان صميم ما يفكر فيه ويدعو اليه النظر في الثقافات الأجنبية والاستمداد منها والتفاعل معها ؛ ولعله كان على يقين بأثر ذلك على الفكر العراقي القديم والمعاصر ما يتجاوز الواقع إلى شيء من المبالغة، وهي مبالغة توشك أن تكون واحدة من أبرز سمات الجزائري، ولعل المبالغة عنده كانت سعيا وراء الإقناع بأساليب تربوية فنية حديثة،، وحاول أن ينقل تجارب ناجحة عن مجتمعات متقدمة، مستفيدا من دراسته الأكاديمية في براغ، وإجادته اللغتين الجيكية والسويدية، وتأثره بعالم الطفل في أوربا. عن عالم مسرح الطفل، كان هذا الحوار..
{ العمل في مسرح الطفل هو محور حياتك، هل هو تعاطف مثمر مع الطفل، أم فكر له أبعاد وقيمة أدبية ذات هدف فني تربوي ؟
– نحن مسرحيون وعندما نتكلم عن العاطفة في مسرح الطفل هذا يعني فيها شيء من الانحياز، بمعنى أنا منحاز لهذا الطفل، هذا الانحياز في التعامل المسرحي غير ملائم، شخصيا أنحاز إلى عالم الطفولة بكل ما يحتويه، انحيازي أتمنى أن لا يفسر على إنه من مبدأ مع أو ضد، وإنما من حيث إنه واجب مقدس لابد منه ؛ هل ما نقدمه للطفولة يمس الواقع أم هو افتراضي ؟ كل الكتابات للطفولة تتحدث عن مخلوق متكامل بحاجة إلى نضج، نستخدم الوصاية عليه، وهذا المنظور يأخذ شكل وطابع ملء المعلومات والنصائح، وأعتقد إن هذا لا يعطي نتائج، ولا ينفع في التعليم الحديث، إنما مسرح الطفل يخلق ويعطي واقعة ذهنية قريبة من ذهن الطفل، هناك قاعدة في المسرح وفي الفن عموما، لم ينتبه إليها أحد وهي : ((مشابهة الحقيقة)) بمعنى ما يشبه الواقع، من حيث إن الطفل لا يستطيع أن يعبر عن نفسه، لكنه يستوعب ثم يبدأ يفكر بالتعبير، أهمية المسرح أن يمد الطفل بتجارب حياتية غير متاحة، نحن نقترحها عليه ونقدمها له بشكل واضح وسلس أقرب إلى الحقائق بطريقة حديثة، حتى تكون أقرب إلى نفسية الطفل وعقليته، لا بد أن تعرف ماذا تقدم، المسألة متعلقة بالذهن، أخر مسرحية قدمتها، مسرحية (حسان ونعيمة)، فيها عبرة قدمت بشكل فني قريب إلى ذهن الطفل بإرشادات على شكل أسلوب قصصي حكائي..
{ من يكتب لمن، ومن يمثل لمن ؟ الكبار يكتبون للصغار، أم الصغار يمثلون للكبار ؟ وهل هناك عنصر ثالث في هذه المعادلة يقوم على الربط بين الوعي لدى الكبار وبين واقع الطفولة بكل إشكالاته ؟
– كلاهما، الكبير يستمد فكره التربوي من الصغير، وما مدى الحاجة إليه، والصغير يشعل الفكر التربوي ويطلق شرارته ويحفز إليه، هناك فكر وتربية، والمعادلة تكتمل بهما، أما العنصر الثالث فهو قاسم مشترك بين القائمين على العمل المسرحي الفني/ كاتب النص، المخرج، الممثلون، بل يتعدى إلى مصمم الديكور، والإضاءة والصوت والأزياء / وعليهم جميعا تقع مسؤولية الربط الفكري والتربوي ؛ بيد إن المخرج له فلسفته في بلورة هذه العناصر وتقديمها برؤيا خاصة، والمسألة ليست سهلة إطلاقا، مسرح الطفل أكثر تعقيدا من مسرح الكبار، كونه يخاطب أكثر من شريحة، ولكل منها مقوماته..
{ كتـّاب نصوص مسرح الطفل في العراق، ما هو تأثيرهم، هل اسهموا في تطور وبلورة الفكر الذهني لدى الطفل ؟ أم إن نصوصهم عبارة عن تشخيص وتنبيه، وتكتفي بالإشارة إلى فكرة ما ؟
– أبحث في نصوص مسرح الطفل عن قيمتين، البناء الدرامي، والقيم التربوية، وبشكل عام أجد لدى كتـّاب نصوص الأطفال في العراق ضعف في البنية الدرامية، وطغيان جانب النصح، وهذه مشكلة تجعل نصوصنا متدنية القيمة الفنية، لكن ومن حسن الحظ أجيد التحدث باللغة الجيكية (كوني درست هناك في براغ)، فأترجم وأعد عنها، كذلك اللغة السويدية تعلمتها مؤخرا، حيث أجد لكليهما نصوصا ممتازة وجيدة جدا، وحتى متوسطة الجودة، وهي بكل تأكيد أفضل من نصوصنا، ولهذا لا أستعين بالنصوص العراقية المحلية، وأنا متألم جد الألم ؛ الطاغي في نصوصنا إن شخصياتها تفتقر إلى النضج الفكري، بمعنى إذا وضعت أسم (س) على حوار أسم (ص)، لا يتغير شيء، غير أن الفكرة في مسرح الطفل ينبغي أن تقدمها شخصية مميزة لها ذات خاصة بها، هذا أولا، أما ثانيا، وهذا يقلقني جدا، فمنذ الزمن البابلي عثر على نصوص منشورة ومترجمة، وهي في الأعم كانت تطبق في المدارس، يلتقي فيها (على سبيل المثال) الشتاء والصيف، فيعدد كل منهما منافعه وما يقدمه للإنسانية، ويزداد الخلاف بينهما، حتى يتدخل أحد الأله البابلية ليقرر إن الصيف نافع كما إن الشتاء نافع، وكل منهما يقدم للبشرية ما لم يقدمه الآخر، على هذا الغرار هناك كثير من المواقف الثنائية الواضحة، هذا الحل الذي يقدمه الأله البابلي، هو عينه في نصوصنا الحالية، بمعنى إن هناك مرجعية فوقية هي من تحدد الصالح أو الأصلح،، وهذا أسلوب قديم جدا، ولابد من مواكبة التقدم بأساليب تربوية حديثة، ومفاهيم جديدة أكثر تطورا،، وأنا أرى وبدون أدنى شك إن جمهور الأطفال هو هيئة التحكيم العليا، وهو الذي يتوج النص، وهو البطل الحقيقي للعمل،
{ عندما تكون أدوات مسرح الطفل مثالية، وخصائصه الفنية متاحة، لأي مدى تسهم في إيصال فكرة النص ؟ أم إن هناك عوالم غير منظورة تظهر في العرض المسرحي بتأثير من المخرج؟
– بكل تأكيد توافر الخصائص الفنية والأدوات المثالية يسهم في تكامل العمل ويدعم فكرة النص، لكن أين هي الأدوات المثالية ؟ وأين الخصائص الفنية ؟ إنني ألاحظ إن جغرافية مسرح الطفل منكمشة، ورقعته ضيقه، وأصبح بحجم الزنزانة الانفرادية، نحن هنا في دار ثقافة الطفل، نجري تمارين المسرحيات، ونعرضها على قاعة غير مخصصة أصلا للعروض المسرحية!
{ أيهما يستهويك في العمل، النص النثري، أم النص الشعري ؟
– لكل من النصين ميزاته، ولا ضير في التعامل مع النصوص نثرا أم شعرا، لكن النصوص الشعرية (أحيانا) تفتقد السلاسة أو المرونة المطلوبة، فتضع الممثل تحت قيود معينة، الوزن وإيقاع الشعر يسحبانه إلى مصداقية أقل، بمعنى إن الشخصيات تبدو أقل واقعية، ولا تتحدث بلغة الحياة اليومية، وأحيانا تعطي الشخصية موقفا مترفعا، لأنها تتحدث بلغة لا يتحدثها الجمهور.
/6/2012 Issue 4225 – Date 13 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4225 التاريخ 13»6»2012
AZP20























