الجرح القديم

الجرح القديم

 زعقت وصهلت كا الخيل الجامحة وهي تقف منتصبة امام نافذتها المغلقة تقف عائقا امامها في اخذ جرعات الاوكسجين .. يقتلها صمتها ‘ يشعرها بالعجز ‘ يداها تبلدت ‘ تفتح النافذة بعجل .. الاختناق يضيق بها ‘ تلتفت الى مرآتها تلاحظ ان الطفلة بداخلها بدأت تنمو وتخرج الى النور تبحث عن الاحتواء ‘ لا تحب التيه في شوارع البائسين ‘ تريد ان ترتقي ‘ تبني حضارة ‘ شعارها المرآة تنتصر ‘ هذه الحضارة تشتت تفكيرها ‘ ترغمها على الاعتراف بها

فتحت غرفة شبه مظلمة ورائحة الزيت والقماش تملأ اجواءها وغطى الغبار على كل شي ‘ يدها تتسخ من اتربة اللوحات الزيتية المكدسة على الرفوف الخشبية العتيقة ‘ تسحبها نحوها ‘ تقع لوحة ‘ يقبع فيها محمود بنظرته المتوعدة ‘ المتوحشة ‘ يخيل لها انه يخرج ‘ ينهض ‘ يصفعها ويئنبها على خيانتها له ‘ تبصق على اللوحة و تنهال عليها ‘ تحطمها بغضب ‘ القوة تستبد بها ‘ تاخذ قوتها منه فهو الذي جعلها تفكر بالانتصار ‘ بالهروب ‘ بالخيانة والتمرد على عاداته ‘ لا تليق بها تلك العادات فهي المرأة المتحررة من قيود الزمان والمكان ‘ المرأة هي قضيتها ‘ تحمل هذا العائق أينما حلت ‘ تصرخ خلفها نساء باكيات من شرفات بيوتهن ‘ يعتصرهن الالم يحاولن النجاة لكن دون جدوى فيقف ذلك المسمئ رجلا خلفهن ‘ بشاربه المفتول ونظراته الصارمة ‘ الرجولة عنده ليس اكثر من شارب وصوت غاضب ‘ الضرب المبرح على تلك النساء يعده انتصار’ يشعر ان رجولته تكبر اعواما وتزدهر في مجالس الرجال ..لا تذكر كيف تجرأت على رسم ذلك الوجه الثائر ‘ كاالاسد الذي يزأر دون انقطاع ‘ لكن ضعفا كان منها ‘ توهم لنفسها انها لا تخشاه ‘ فهي في عظمة قوته واتساعها ‘ تنظر بخبث الى اللوحة المحطمة على ارضية الغرفة ‘ قتلته ‘ تخلصت من براثين شركه ‘ تضحك بهستيريا ‘…

خرجت قبل الموعد بنصف ساعة تزينت ووضعت عطرها المثير وغاص وعبق شذاه من صدرها المكتنز ‘ العطر الذي يحبه سامي ويألف خواصه ومشتقاته ‘ سارت بخطوات مرعبة ‘ قلقة ‘ كان المارة يحدقون اليها بشغف ولم تعي همساتهم ولا كلمات الاعجاب الذي يقذفون بها كا الجمر المشتعل ‘ كانت تدرك جيدا انه لا زال يحبها ويهوئ علئ صدرها باكيا ‘ متوسلا ان لا تتركه وحيدا وتهرب من اثم الظنون به ان لا يعشقها كما كان في الاعوام السابقة ‘ اعواما مرت وهي لا تزال تتنفس هواه ‘ الاف الافكار والذكريات يضج راسها بها يجعلها مذلولة ‘ مذعورة من الناس ‘ من كل شي حتئ من طفلها المدلل تخاف ان يتمرد عليها يوما ويتدخل في تفاصيلها ويضع لها اقفالا وستائر فيجعلها حبيسة عشقها ‘ يقف ذلك العشق الامتناهي ويموت في قلوب دامية ‘ ..اصبحت اقرب من المقهى بكثير لمحت اضواءه تنير بأطلالة جميلة ‘ وعبرت الشارع بخطوات متثاقلة ومتكاسلة ‘ تهرب خطواتها ‘ تتراجع ‘ تختلج في صدرها شوكة غرزتها خيباتها ‘ آنينها وهي تبكي في خلوات الحجر وجدران المتصدعة ‘ تدخل بنظرات متفحصة وثاقبة ‘ تبحث عنه ‘ التفتيش عنه يشعر عيونها بالتعب ‘ يرهقها ذلك الحنين ‘ يكسرها ‘ يبعثرها يجعلها امراة يائسة ومتحدية في نفس اللحظة ..اتخذت زاوية بعيدا عن عيون الجالسين ‘ المنكبين يتطلعون في كتبهم ذات الاغلفة الملونة والزاهية والبعض الاخر استغرق في الحديث منهمكا .. رأته يقترب بخطوات واثقة وجلية من المقهى ‘ عرفته من وسامته واناقته ‘ لا يزال في ريعان شبابه على الرغم من دخوله سن الاربعين ..

جلس امامها والقى عليها تحية امتزج معها صوت موسيقي رنان ‘ كانت تألفه من قبل فكان صوته كنوع من المخدرات لها ‘ يدخلها في متاهات ويمزق تركيزها .. ودار بينهم صمت طويل وتندت من عينها دمعة لاحظها وشرد بذهنه في منحنيات وتفاصيل جسدها ‘ كان شامخا كنخلة مثمرة ‘ وكم تمنى ان يقطف ثمارها

وقال بصوت واهن : ( اشتقت لك يا احلام ‘ صدقيني مازلتي تحتلين مكانا كبيرا في قلبي ‘ )وحدقت في عيونه بخجل واحمر وجهها

وقالت بكلمات لاهثة متقطعة ( وانا ايضا يا سامي ‘ صدقني لم تغب عني لحظة ‘ لدي وجع داخلي لم يعرف به احد ولم ابح به الا اليك فأنت سببه ‘ حطمتني عندما تركتني ورحلت الى خارج البلاد ولم تعد ‘ انتظرتك وعشت الغياب وصارعته لوحدي “صار يرتشف قهوته وهو يشتتها بنظراته

تبتسم له لاتجد غير ذلك تنسى كل شي وهي في محرابه ‘ يجعلها مرحة وذابلة معا ‘ تود ان ياخذها ‘ يهرب بها الى عالم اخر بعيدا عن الوجع وبذاكرة جديدة ولقاءات لم تخل من لهفة الاشتياق والحنين الذي كانوا يعقدون بها تلك القاءات ..” تذكري جيدا لم اتركك بعد اليوم ‘ انا لم اصدق ان نلتقي مجددا ‘ ولنا لقاءات اخرى ” قال تلك الكلمات وهو يبتسم .. ثم تركها وافترقا .. تركها مرة اخرى ترتعد ‘ جبينها يتصبب عرقا ‘ التفتت حولها ترمق الجالسين بعيون حذرة ‘ لم يبق منهم الا القليل ‘ هناك عاشقان يتهامسان ‘ ويقبل يدها بكل خضوع وفرح وهي تتمايل بأغراء…

سرور العلي – بغداد