التكوين التقاني في مجموعة (لابد من لابد)

 

د. جاسم خلف الياس

 

 

 

تنهض قراءة اشتغال عبد الوهاب اسماعيل الشعري في مجموعته (لابد من لابد) الصادرة عن دار ماشكي2017، على كشف التقانات التي تعمل بفاعلية عالية في بلورة مهارة الكتابة الشعرية، إذ تتعالق هذه التقانات مع براعة ابتكار الصورة، وإتقان الإيقاع، والغوص في فضاء المكابدة الوجودية المنبثقة من توترات الداخل، ولواعج النفس القلقة، التي تصطلي بوجع الذات، وتقاوم الخوف واللايقين. بهذا العمق الإبداعي تتشكّل قصائد المجموعة جماليا ومعرفيا، وتتمظهر فيها حركية الحياة وتوهّجها الإنساني عبر انتقاء المفردة، ثم إزاحتها عن قاموسيتها، وإدخالها في علائقية، تتخلّق داخل النص، فتولد الصور متداخلة مع العشق والوجع، في خيال يمتلك الإدهاش الخلاق، المتأرجح بين المعرفة والإبداع، والمشتغل على الحساسية الشعرية العالية من دون افتعال أو تزويق.

أثرى التكوين التقاني مشغل عبد الوهاب اسماعيل الشعري، وقاده إلى التفرّد، وكرّس الدلالات المشحونة بحرارة العشق، والشغف المسكون بلوعة الخلاص، والغارق في روح وطنية باذخة، تنبثق من وعي عميق بحراك الواقع، ورفض صريح لكل أشكال التبعية، بعد أن أرجأنا دراسة أعماله الكاملة ضمن مشروعنا النقدي المقترح (الحراك التغايري)؛ فاشتغاله الشعري منذ بداياته الأولى المتمثلة بـ(فاتحة النار)، يتنفّس قلق اللحظة، ويعيد مساءلة المصير الإنساني بلغة شفيفة، مشدودة إلى الجرح، ومفتوحة على الأمل. وهذا ما يؤكّد حضوره في المشهد الشعري العربي قامة شعرية عالية، تمتلك وعيا جماليا متقدّما، وتجربة ناضجة، تراهن على تأسيس خطاب شعري قادر على ملامسة الوجدان، ومساءلة الواقع، وفتح أفق إنساني يتجاوز اللحظة، دون أن ينفصل عنها. ومن هذه التقانات التي فعّلت حضورها في هذه المجموعة تقانة الأنسنة أو ما يُعرف في البلاغة بالتشخيص.
الأنسنة:

وهي من الاشتغالات التقانية التي تُضفي الحيوية على اللغة وتجعلها أكثر قدرة على التعبير عن المشاعر والأفكار، وتعني “إضفاء صفات إنسانية محددة على الأمكنة، والحيوانات، والطيور، والأشياء، وظواهر الطبيعة، إذ يشكلها تشكيلا إنسانيا، فتتحرك، وتحس، وتعبر، وتتعاطف، وتقسو حسب الموقف الذي أنشئت من أجله.” (مرشد أحمد، 2002: 7) بهدف تقوية المعنى وإثارة خيال القارئ. وتشكّل هذه التقانة أداة فاعلة لإضاءة المعاني وتجسيدها بطريقة تجعل القارئ يشعر بها كما لو كانت كائنا حيّا يتفاعل معه، فيتحوّل الواقع الجامد إلى مشهد نابض بالحركة والشعور، وتتسع القدرة التعبيرية للغة لتشمل أبعادا وجدانية وأخلاقية وفكرية، مما يجعلها جسرا بين ما هو محسوس وما هو معنوي.

(الحكايات استراحت / ثم غامت نفحة الورد/ وأمسينا على رب كريم/ تسرج الخوف وأنفاس رؤانا/ أو نواري مضغة الروح/ بأهداب المقادير/ وفي الجرح السقيم…”. (المجموعة ص5).

في هذا المقطع الشعري يُنقل المجرّد من حيّزه الذهني إلى حيّز الكائن الحي القادر على الفعل والانفعال، بما يضفي على التجربة الشعرية بعدا وجدانيا كثيفا. ففي قول الشاعر (الحكايات استراحت) تُنزَع الحكاية من كونها سردا أو ذاكرة لغوية جامدة، لتغدو كائنا متعبا يملك جسدا وروحا تحتاج إلى الراحة، وكأن تراكم الألم وطول المعاناة أنهك الحكايات ذاتها قبل أن يُنهك أصحابها. هذه الأنسنة تعمّق الإحساس بالخذلان والإنهاك، إذ تصبح الحكايات شاهدة على تاريخ من الوجع، عاجزة عن الاستمرار في البوح، فتلوذ بالصمت والاستكانة. أما في تركيب (أهداب المقادير)، فتتجلى الأنسنة في منح (المقادير) بوصفها مفهوما قدريا مجردا، سمات جسدية إنسانية دقيقة، هي (الأهداب)، بما يوحي بأن للقدر عينا ترقب، وتغمض، وتحتجب. وتغدو الأهداب هنا أداة ستر وحماية، إذ يُوارى بها (مضغة الروح)، فيتحول القدر من قوة قاهرة عمياء إلى كيان حميمي، يملك قدرة الاحتواء والستر. وبهذا تنتقل العلاقة مع المصير من منطق الصدام إلى منطق التعايش والاحتماء، وكأن الذات الشاعرة تبحث عن ملاذ أخير داخل ما يفترض أنه مصدر القلق ذاته. وفي خضم هذا العنفوان الداخلي يقطّر من شفاه الملح أغنية، وعلى دمه تدور الحكايات التي تتوقّف مؤقتا عن الكلام، كأن اللغة أعلنت هدنة قصيرة مع الألم. هذا التوقّف يفتح فراغا دلاليا سرعان ما يملأ بالغياب، ويتحوّل الرمز الكلاسيكي للجمال والبراءة إلى كيان معتم، فاقد للصفاء في التركيب الشعري (ثم غامت نفحة الورد)، والنفحة أثر خفيف عابر، تتحوّل شفافيتها، في إحالة إحساسية إلى اختناق الجمال. وهنا يعمد الشاعر إلى إزاحة الرمز الجمالي التقليدي وإعادة شحنه بدلالة القلق، فيشكّل التعبير الشعري (وأمسينا على رب كريم) ملاذا، يستمد منه القوة، فالفعل (أمسينا) يشي بانتقال زمني نحو العتمة، ومع ذلك يستدعى (الرب الكريم) وكأنّ الشاعر يتمسّك بالرجاء وسط الفوضى. ثم تتكثّف المفارقة في (تسرج الخوف وأنفاس رؤانا). وكأن الذات صارت راكبة خوفها، تتنفس رؤاها داخل هذا الخوف، في صورة تعكس تداخل الوعي بالقلق، والحلم بالتهديد. هذه الصورة تشتغل على انزياح العلاقة بين الداخل والخارج، فيعود الخوف اشتراطا من اشتراطاتها. ويبلغ النص ذروة عندما (نواري مضغة الروح) وهي أكثر مناطق الذات بدائية وإحساسية، فالذات تُكمل انشطارها، وتنجو بالصوت، وتحوِّل الكتمان ذاته إلى طاقة شعرية أعلى. وتختتم الذات الشاعرة المقطع الأول من قصيدة (مزحة) بـ(وفي الجرح السقيم)، من دون فعل أو خاتمة مكتملة، كأن الجملة تترك معلّقة، تماما كما تترك الذات داخل ألم لا يشفى. وبهذا يحدث المقطع أثرا شعوريا مركّبا: حزنٌ بلا نواح، جمالٌ مهدّد بالغياب، ولغةٌ تتحرّك بين الهمس والانكسار، حتى يشعر القارئ بأنه لا يقرأ اعترافا، وإنما يشترك في تجربة تسعى إلى الإقامة داخل هذا العالم الممزق، من دون قول مباشر للمعنى، وإنما يراوغ، ويترك أثرَ لغة تعرف أن الحقيقة شظايا، وأن الشعر سؤال نابض في جسد الجرح.

“تعرش في حروف لبوسها / حز المسامير المطيرة/ في ضراعات الرقيم.

أنا إن جلدت سحابتي/ أحثو على قلقي ورودي/ أنا واجد في الوجد متسعا/ ومحتفل بأبراجي وما حفظت رعودي/ لا أستسيغ الوقت/ يقضم في فصول الحبر أوراقي/ ودمي في أسرار المداد/ مذ أمسك الجمر المغمس/ في سرابيل الفضاء أصابعي/ آثرت أحصد/ ذلك الوعد الشحيح / وبرقه الشامي من خلل الرماد …”. (المجموعة ص12).

يترك النص القارئَ داخل حالة شعورية متوترة، كأن اللغة نفسها هي التي تتكلم لا الشاعر، إذ يتقدّم الحرف، وتظهر الكتابة فعل صعود مخلخل، يتغذّى على الاحتكاك والألم. فتنغرس المسامير في الجسد اللغوي، وتتحوّل القصيدة إلى مساحة احتكاك بين الداخل والخارج، بين العالم والذات التي لا تهادن عناصرها؛ تجلد سحابتها، وتبعثر وردها فوق قلقها، وكأنها تعترف بأن الجمال لا يستخرج إلا من اضطرابه. وتتجلى الأنسنة في هذا المقطع على نحو خافت ومضمر، إذ لا تأتي مباشرة أو صريحة، بل تتسرّب عبر الإسناد الفعلي إلى مفاهيم مجردة وزمنية. ففي قوله (لا أستسيغ الوقت / يقضم في فصول الحبر أوراقي) يُمنَح الزمن فعلا حيوانيا عدوانيا هو (القضم)، بما يحوّله من إطار محايد إلى كائن مفترس ينهش الكتابة ذاتها، فتغدو الأوراق جسدا، والحبر فصول حياة تتعرض للفناء.

كما تحضر الأنسنة في (دمي في أسرار المداد) إذ يتماهى الدم بالحبر الذي يمتلك الأسرار مثل الإنسان، فيغدو النص كائنا حيا نابضا بسائل الحياة، لا أثرا كتابيا جامدا. هكذا تشتغل الأنسنة هنا بوصفها تقنية دقيقة، تُكسب التجريدات (الوقت، الحبر) حيوية إنسانية محدودة، دون أن تطغى على البنية الرمزية العامة للنص. وفي هذا الفعل يحدث القبول الواعي بالألم، والاحتفاء بالوجد وهو يسمح للذات أن تسكن توترها من دون أن تنهار، فتتحوّل الكتابة إلى فعل نزف، يمتزج الدم بالمداد، وتمسك الأصابع جمرا لا يمكن الإفلات منه، حتى يمكننا القول: إنّ كل سطر هنا، كتب تحت شرط الألم، وتحت وعي الكتابة بوصفها مغامرة؛ لتستمر الذات الشاعرة في فعل الحضور المتمرد على الاحتكاك الدائم بالشروط القاسية للوجود، فتبوح بدواخلها، وتتقدّم في هذه التجربة الجمالية والوجودية بوصفها ذاتا تنتج الصوت من الألم، وتحوّل الأنين والآهات إلى نظام إيقاعي، وهذا يعني أن الذات تعيد ترتيب ألمها داخل اشتغال فني، فتمنحنا مهارة الإصغاء:

(العمر يأكلني/ وأوراقي دموع الياسمين/ ومع المدى عبقت به حرق الندى/ رغم السوافي والسنين/ العمر يأكلني/ وذي غصص الأماني/ تغلق الأبواب/ تعقر صبوتي/ فصمدت وحدي/ غصص الأغاني/ تطرق الأبواب بالألم المكين…”. (المجموعة ص17).
تتمظهر الأنسنة في هذا المقطع بلمسات خافتة ومركَّزة، ففي قول الشاعر (العمر يأكلني)، يُمنَح (العمر) فعلا جسديا عدوانيا خاصا بالكائن الحي، فيتحول من زمن مجرد إلى كائن مفترس، يلتهم الذات ويستنزفها، بما يشي بإحساس عميق بالتآكل بمرور الوقت. كما تظهر الأنسنة في (غصص الأماني، تغلق الأبواب / تعقل صبوتي)، إذ تُجسَّد (الأماني) بوصفها قوة فاعلة تمتلك إرادة الإغلاق والتقييد، فتغدو سببا مباشرا في كبح الاندفاع والحلم. هذه الأنسنة المحدودة، تعمل على تكثيف الشعور بالحصار الداخلي، وتحويل المعاني المجردة إلى عناصر ضاغطة تشارك في تشكيل مأساة الذات الشاعرة التي تتحوّل إلى بؤرة اشتغال جمالي– وجودي، تعيد إنتاج الألم داخل نظام فني واع، يحول المعاناة إلى طاقة صوتية قابلة للإنصات والتأويل. ففعل (الحضور المتمرّد) الذي تحدّثت عنه يتجسّد بتكرار جملة (العمر يأكلني)، إذ يتأسس الصوت الشعري على استعارة، تحمل الزمن وظيفة الاستنزاف الوجودي، وتظهر الذات في موقع الكائن المستهلَك، وهو ما ينسجم مع شرط (الاحتكاك الدائم بالشروط القاسية للوجود) الذي لا ينفكّ يضغط على وعيها. غير أنّ هذا الضغط يفضي إلى البوح، فتتحوّل (الأوراق) من (أداة الكتابة) إلى (دموع الياسمين)، في تداخل دلالي بين الرقة من جهة، والانكسار من جهة أخرى، بما يؤكد أنّ الكتابة نفسها فعل جمالي، يفرّغ الألم، فتعيد الذات قياس وجعها على تشكيل يغلق الأبواب، وتكثيف دلالي لفعل القمع الذي يمارس الرغبة والاندفاع، غير أن الردّ الشعري يأتي في صيغة صمود فردي صريح، إذ تستعيد الذات وعيها بذاتها بوصفها كيانا مقاوما، ويبلغ الاشتغال ذروته في المفارقة الختامية التي تتحوّل فيها الـ(غصص) إلى قوة، تطلق الأبواب بالألم المكين، وهذا يعني أن الألم، بعد إعادة ترتيبه داخل الاشتغال الفني، يصبح أداة فتح وانبعاث، حتى الذات الشاعرة تدرّب القارئ على مهارة الإصغاء إلى هذا الألم وقد أعيد تشكليه جماليا، فيغدو النص فضاء يتجاور فيه الوجع والوعي، في صيغ شعرية تجسّد الحضور المتمرّد في اشتغال نصي متحقق. وهكذا تجعل عملية الأنسنة من اللغة المنزاحة مادة خصبة لتشكيل الأشياء تشكيلا إنسانيا، فتكون لوحة مشبعة بالتفاعل والحركية تحمل رؤية الشاعر للوجود عن طريق عمل فني متماسك، مما تثير انتباه النقاد والدارسين للبحث عن العناصر المكونة للسمة الفنية داخل النص، واستكشاف مكمن قدرته التأثيرية، وهذه مهمة ليست بالسهلة على الشاعر الذي يتعامل مع اللغة تعاملا غير حيادي، بل هو قمة الانحياز إلى التغاير، والتجاوز، واقتناص ظلال المعاني، وما وراء اللغة من أفكار، ولهذا توصف مهمته بالصعوبة، فهو يعمد إلى ابتكار صياغات لغوية تكون أكثر حداثة مما هو سائد في عصره (ينظر: التميمي، 2007: 69)
التشكيل البصري (الشاغر)

فضلا عن الأنسنة التي هيمنت في التشكيل الصوري عند عبد الوهاب اسماعيل، نجد هيمنة التشكيل البصري، ولا سيما الشاغر حسب تعبير (آيزر)، أو (الفراغ) الذي يتركه الشاعر في النص. إذ يرى أن المعنى لم يعد معطى جاهزا، وإنما أصبح بنية نصية تتشكل من التفاعل الحواري بين النص والمتلقي، وغياب المرجعية داخل الأثر الأدبي يزعزع الإطار المنظم للتواصل الجمالي، ويدفع بالمعنى إلى التوزع بين ما هو صريح وما هو مضمر، ضمن جدلية الكشف والخفاء، فالخفي يستفز القارئ ويستدرجه إلى الفعل التأويلي، غير أن هذا الفعل يظل منضبطا بما يكشفه الظاهر عندما تتبدى حقيقة المضمر. ومن هنا تغدو الفراغات مركزا حيويا تدور حوله حركة التفاعل بين النص والقارئ؛ “لأنها المجال الخصِب الذي تتولد فيه القراءة إثراؤها في ضوء لعبة الضياء والظلام التي يثيرها النص، في اعتماده الكشف والخفاء، والتصريح والسكوت، والإشارة والإهمال” (مؤنسي، 2000، 112) .

وانطلاقا من ذلك يتمظهر المسكوت عنه بوصفه عنصرا بنيويا في كل نص أدبي، والشواغر وما تفتحه من دوائر الغياب تدفع القارئ إلى ترميم ما لم يصرح به النص، وبذلك تتولد المعاني التي تمنح الدلالة وزنها وشكلها. وقد نظر إيزر إلى هذه الفراغات بوصفها مناطق فاصلة بين البنية الظاهرة وآفاق التلقي، وهي في الآن نفسه مثيرات للتخييل، إذ لا يتحقق توازن النص إلا عبر ردمها تأويليا. ويظل الشاغر مجالا مفتوحا لإسقاطات القارئ التي يعاد تشكيلها باستمرار، فـ”المعاني الضمنية، لا التصريحات، هي التي تعطي شكلا ووزنا للمعنى”. (آيزر، 2000، 100). ونأخذ قصيدة (لقاء) أنموذجا على هذا الاشتغال المهيمن في المجموعة:
يرصد الفجر الطروب…./ ذكّرتني بالذنوب…./

– كيف تاه الحلم/ حتى أنْ كبرنا؟/ – كيف ضعنا؟/ كيف ضاع العمر/ في عاب الخطوب؟/ – ذكّريني بالذنوب…./ (ص 36-37)
يشتغل هذا الأنموذج على مبدأ الشاغر/الفراغ بوصفه آلية بنائية ودلالية واعية، لا بوصفه نقصا شكليا، إذ إن البياضات المتعمدة الممثلة بعلامات الحذف (……) تنهض بوظيفة تأويلية مركزية تُفعِّل ما نظّر له (آيزر) في جمالية التلقي، إذ يصبح المعنى غير مكتمل إلا بحضور القارئ. فالنص يبدأ بصورة حسية مكتنزة: (يرصد الفجر الطروب… / ذكّرتني بالذنوب…)، وهي صورة تستحضر تناقضا داخليا بين بهجة الفجر وثقل الذنب، ثم يتعمد الشاعر إحداث قطع مفاجئ عبر الشاغر، ليمنع اكتمال الانفعال داخل النص، ويؤجل تفريغه إلى وعي المتلقي. هذا الفراغ يترك طبيعة الذنب أو الذاكرة معلقة في منطقة الاحتمال، لتتعدد قراءاتها بحسب أفق انتظار القارئ. ومع انتقال القصيدة إلى الأسئلة: (كيف تاه الحلم / حتى أن كبرنا؟ / كيف ضعنا؟ / كيف ضاع العمر / في عاب الخطوب؟)، يتحول الشاغر من فراغ بصري إلى فراغ وجودي، إذ إن هذه الأسئلة، تعمّق الإحساس بالضياع والزمن المهدور، ثم يعود الشاعر إلى عبارة (ذكّريني بالذنوب…) ليعيد إنتاج الدائرة الشعورية ذاتها، ويُدخل شاغرا جديدا في الخاتمة، يؤكد أن القول الشعري يتعمد التوقف قبل الإفصاح، وأن المعنى الحقيقي كامن في ما لم يُقَل. وبهذا يغدو الشاغر فضاء تفاعليا، يُحوّل القصيدة من خطاب أحادي إلى بنية مفتوحة، تُشرك القارئ في إنتاج الدلالة، وتجعله يعيد تركيب التجربة الوجدانية عبر ملء الفراغ بما يختزنه من ذاكرة وانفعال، وهو ما ينسجم مع اشتغالات الشعرية الحديثة التي تراهن على الانفتاح، والمراوغة الدلالية، وتقويض الاكتمال.

يتجاوز اشتغال الشاغر/الفراغ عند عبد الوهاب إسماعيل حدود المتن الشعري ليطال العنوان نفسه، بوصفه عتبة دلالية أولى ومفتاحا تأويليا موجِّها لفعل القراءة، وهو ما يمنح هذا الاشتغال خصوصيته وفرادته الجمالية. فعنوان القصيدة (وأنا ………. أنادم عتمتين) ص118. يُنشئ علاقة قلق مع المعنى منذ اللحظة الأولى، إذ يُقحم القارئ في منطقة تعليق قصدي بين الضمير (أنا) والفعل (أنادم)، عبر شاغر بصري يقطع المسار النحوي المتوقع للجملة. هذا القطع يؤسس فراغا تأويليا، ويجعل العنوان نفسه نصا مفتوحا، لا يقل اشتغالا عن متن القصيدة، بل يسبقه في تحفيز أفق التلقي. ويزداد هذا الاشتغال عمقا إذا ما توقفنا عند اقتران الشاغر بفعل (أنادم)، وهو فعل دال على الألفة والحميمية، لكنه هنا موجَّه إلى (عتمتين)، أي فضاءين من السواد أو الغياب أو الألم. إن الشاغر، في هذا السياق، يعمل على تعميق المفارقة بين الحميمي (الأنس، الندامة) والعدمي (العتمة، الانطفاء). وكأن الذات لا تستطيع الإفصاح عمّا يربطها بهذه العتمة، فتلوذ بالصمت البصري، وتفوّض القارئ بملء هذا الصمت بما يمتلكه من خبرة معرفية وانفعالية. ولا تكاد تخلو قصيدة من هذا الشاغر الذي يتقصد الشاعر في تشكيله البصري، فهو مساحة مفتوحة للخيال، ونافذة يطل منها القارئ على المعنى العميق، فالشاغر يمثل فضاء مشحونا بالإيحاء والدلالة، يتيح للمتلقي فرصة المشاركة في إكمال الصورة الذهنية التي يرسمها الشاعر. وفي كثير من الأحيان، نجد أكثر من شاغر في القصيدة الواحدة، مما يضاعف الأثر الجمالي ويكثف الإيحاء الرمزي، إذ يتحول الشاغر إلى عنصر فني نشط يتنفس داخل النص، يُنشط النظر والوجدان معا، ويصبح جزءا لا يتجزأ من البنية الأسلوبية للقصيدة. وهذا التركيب البصري، الذي يلحظ القارئ فاعليته في أعمال عبد الوهاب إسماعيل، لم يكتف بأن يكون أسلوبا مرحليا فحسب، وإنما اتخذه الشاعر ملمحا أسلوبيا مميزا، يعبّر عن رؤية شاعرية متفردة، وينسجم مع نغمة النص وروحه، ليؤكد أن الفراغ نفسه يمكن أن يكون حضورا، وأن الصمت يمكن أن يكون خطابا، مشيرا بذلك إلى قدرة الشعر على تحويل الغياب إلى معنى ملموس وحضور فني يثير الانتباه ويحفّز التأمل.
إنّ هذا الاشتغال التقاني في مجموعة (لابد من لابد) يولّد لدينا الصمت الإيقاعي، المتمثل في الوقفات، والفواصل، والبياضات النصية، التي تعد جزءا لا يتجزأ من البنية الإيقاعية. فالصمت لا يقل فاعلية عن الصوت، لذا نجده يسهم في تنظيم تدفق الإيقاع، ويتيح للمعنى أن يتشكل في الفراغ كما في الامتلاء. وتسهم هذه الوقفات في خلق توتر بين القول والسكوت، يعزز البعد التأملي للنص، ويمنح القارئ مساحة للتفاعل والتأويل.

اللازمة القبلية

اللازمة القبلية هي كلمة أو جملة تتكرر في النص الشعري، وتكون بمثابة إشارة تمهيدية أو توقّف إيقاعي يهيّئ المتلقي لما سيأتي من المعنى، وتعد من التقانات التي تربط بين أجزاء النص ؛ من أجل تركيز الانتباه على مضمون مهمّ. وتتعدد وظائفها بحسب مجيئها في النص، فهي توحّد النص إيقاعيا، وتخلق انسجاما داخليا بين مقاطع النص المختلفة، وتشدّ القارئ أو المستمع نحو الفكرة الأساسية أو العاطفة المحورية، فضلا عن تضخيمها المعنى الدلالي لما يليها من كلمات أو جمل، فتجعل التكرار أداة للتأكيد والتمكين في الذهن. وتكررت هذه التقانة في مجموعة (لابد من لابد)، وفي أغلب القصائد إن لم أقل جميعها.

تكررت جملة (آثما كنت) في قصيدة (مزحة) مرتين قبل حدث أو فكرة معينة، فتعمل هنا بوصفها لازمة قبلية تمهّد لما سيقوله الشاعر لاحقا، وتمنح العبارة وقعا شعوريا أقوى، كما تؤكد شعور الندم أو الاعتراف، وتجعل القارئ يتوقف عندها قبل متابعة النص:
(أثما كنت وأرداني زقاقي/ وملوك الليل يلوون دمي/ أو يسرقون القمح من أهراء حاراتي / ومن ظل احتراقي..
آثما كنت / أداري غلمة القهر / إذا ما بلغت حد التراقي… (ص5-6).

تتقدّم الجملة (آثِمًا كنتُ) بوصفها لازمة قبلية تُفتَتح بها البنية الشعورية، فتعمل على تهيئة أفق التلقي قبل انكشاف التجربة. إنّها ليست إخبارًا مباشرًا بقدر ما هي اعترافٌ مُسبَق يظلّ يظلل ما يليه من صور. ففي المقطع الأول، تأتي اللازمة لتُمهّد لسلسلة من الانكسارات: السقوط، الاستباحة، الاحتراق؛ وكأنّ الاعتراف بالإثم هو المدخل النفسي الذي يفسّر هذا الخراب الرمزي. وعندما تتكرر اللازمة في المقطع الثاني، فإنها لا تعيد المعنى نفسه، وإنما تُعيد توجيهه؛ إذ تنتقل من فضاء السقوط الخارجي إلى الاختناق الداخلي. وهنا تصبح اللازمة القبلية أداة ربط دلالي، توحّد التجربتين (الانهدام الخارجي والاحتباس النفسي)، وتمنح النص إيقاعًا اعترافيًا متواترًا. وأسهم تكرار اللازمة أسلوبيًا في تفعيل عدّة محاور، منها، تثبيت نبرة الاعتراف والذنب بوصفها محور التجربة. وخلق تمهيد شعوري يسبق تشكّل الصورة، فيقود القارئ من المدخل النفسي إلى المشهد الرمزي. وتوحيد المقطعين ضمن بنية دلالية واحدة، حيث يغدو التكرار وسيلة إحكام لا حشوًا. وهكذا تتحول اللازمة القبلية في شعر عبد الوهاب إسماعيل إلى مفتاح تأويلي، يعيد إنتاج المعنى، ويعمّق أثره في البنية الشعورية للنص.
وتكرر الضمير (أنا) المستتر والظاهر في قصيدة (خلل الرماد) سبع وثلاثون مرة، المستتر (ثمان وعشرون مرة)، والظاهر( تسع مرات). ويدلّ هذا التكرار على حضور ذاتيّ طاغ يجعل التجربة الشعرية متمركزة حول الوعي الفردي بوصفه مركز الرؤية ومصدر المعنى. وهذا التواتر الكثيف (سبع وثلاثون مرّة) لا يمكن أن يُفهم إلا بوصفه مؤشرا أسلوبيا ودلاليا يكشف طبيعة الصوت الشعري وبنية التجربة الداخلية، ويشير تكرار (أنا) إلى تضخّم الحسّ الذاتي؛ فالشاعر لا يتكلم من خارج التجربة، بل من داخلها، حيث تصبح الذات بؤرة الألم والرؤية معًا. إنّها أنا معترفة، متوترة، تسعى إلى تثبيت وجودها في عالم يتداعى؛ لذلك يتخذ الضمير وظيفة وجودية، لا نحوية فحسب، وكأنّ التلفظ المتكرر بـ(أنا) محاولة لإثبات الحضور في وجه التلاشي. وإذا كان الضمير المستتر يدلّ على أنا كامنة، باطنية، تعمل في العمق؛ أي إنّ الذات تتحرك في فضاء داخلي غير مُعلن، تمارس فعلها بصمت، وتعيش توترها دون تصريح مباشر، فإنّ الضمير الظاهر يشير إلى لحظات الانكشاف والاعتراف والتصريح، إذ تخرج الذات من كمونها لتعلن عن إيقاع نفسي يقوم على جدل الخفاء/الظهور، أو الكمون/الإفصاح. وما كثرة استدعاء (أنا) إلا محاولة لترميم ذات متصدعة، أو جمع شتات هوية مهددة. إنّها (أنا) التي تعيد نفسها مرارًا؛ لأنّها غير مطمئنة إلى ثباتها، وكأنّ اللغة تصبح وسيلة مقاومة ضد الذوبان في (الرماد) الذي يوحي به عنوان القصيدة.

تقانة المفارقة

تعد المفارقة من التقانات التكوينية التي تنهض عليها قصيدة عبد الوهاب إسماعيل بعد 2003، إذ ترد بوصفها مراوغة بلاغية، تتشكل في بناء عميق يدير حركة المعنى داخل النص، ويسهم في إنتاج شعرية قائمة على التوتر والانزياح. فالمفارقة في هذه التجربة بنية دلالية تقيم صراعا مستمرا بين ما يقال وما يضمر، وما يظهر على سطح اللغة وما يتوارى في عمقها. وهي “تشبه أداة التوازن التي تبقي الحياة متوازنة أو سائرة بخط مستقيم، تعيد إلى الحياة توازنها عندما تحمل على محمل الجد المفرط، أو لا تحمل ما يكفي من الجد، فهي كما يقول توماس مان عن غوته إن المفارقة هي ذرة الملح التي وحدها تجعل الطعام مقبول المذاق”. (ميويك، 1988، 16). وتنبثق المفارقة من طبيعة الرؤية الشعرية ذاتها، التي تشكلت في الواقع العراقي بعد 2003، إذ تداخلت قيم الحياة بالموت، والأمل بالخذلان. هذا الواقع المتناقض فرض على القصيدة أن تعيد تشكيل لغتها عبر تقانة قادرة على استيعاب هذا التوتر، فكانت المفارقة أداة مناسبة لتحويل التناقض الواقعي إلى بنية جمالية. وبهذا أصبحت المفارقة وسيلة للكشف لا للإخفاء؛ لأنها تتيح للمعنى أن يظهر عبر نقيضه، وأن يتكشف من خلال انكساره.
تتجلى المفارقة في شعر عبد الوهاب إسماعيل عبر مستويات متعددة، أولها المفارقة اللغوية، إذ تبنى الجملة الشعرية على علاقات غير متوقعة بين مفردات تنتمي إلى حقول دلالية متباعدة، فتنتج صدمة تأويلية تربك أفق التلقي. هذه الصدمة لا تهدف إلى الإغراب المجاني، وإنما تسهم في تعميق الإحساس بقلق الذات، وتحول اللغة إلى فضاء اختبار للمعنى. كما تظهر المفارقة الصورية حين تقدم الصور في هيئة مزدوجة، تحمل في آن واحد دلالات الحياة والفناء، الحضور والغياب، بما يسهم في إنتاج صورة قلقة، غير مكتملة، لكنها غنية بالإيحاء:

“وكان يا ما كان …/ أنا وأنت غربتان/ يا لواعج المكان…/ وصيحتان مُرتان/ في لظى الوحشة/ والأمان…
أنا وأنتِ/ والقصيد/ في مباذل الرؤى…/ نموت بالحرّ/ وبالقرّ/ ونحتال على آثامنا/ كي نستر الأغصان..”. (المجموعة ص23).
تنهض المفارقة في هذا المقطع الشعري على التناقضات، التناقض بين الاغتراب الفردي والحضور المكاني، فالغربتان تتجاوزان المكان ذاته، وهذا يعكس تضادا بين الانعزال والانتماء. والتناقض بين الوحشة والأمان، فالجمع بينهما يخلق تضادًا يُظهر شدة الانفعال النفسي والوجداني، وهو تضاد يجعل القارئ يعيش حالة ثنائية، واللغة هنا تنتج التوتر نفسه الذي يعبر عنه المعنى. وكذلك التناقض في قول الشاعر: (نموت بالحر وبالقر)، وهو تعبير مجازي عن صراع الإنسان مع المتناقضات الوجودية، والمفارقة هنا تظهر بين الحياة والموت، والحرارة والبرودة، فتتحول التجربة الجسدية إلى رمز للصراع النفسي والعاطفي. أما التعبير الشعري (نحتال على آثامنا كي نستر الأغصان) فيحتوي على مفارقة لفظية، تجسّدت بالفعل (نحتال) الذي يوحي بالمكر والسرّ، في حين الهدف هو (ستر الأغصان)، وهذا يوحي بالحياء أو الرغبة في الحفاظ على قدسية ما، وهنا يتقاطع السلوك الانفعالي مع الغاية الأخلاقية، فينتج النص مفارقة بين الظاهر والباطن. ويصبح الشعر في المفارقة بين المتخيّل والواقع (أنا وأنت والقصيد في مباذل الرؤى) وسيطا بين الذاتين والرؤى، أي أنه يحتوي على الحياة والموت، الفرح والحزن، الحر والبرد، الغربة والانتماء، فينتج عن هذا التباين مفارقة عميقة بين ما هو لفظي (القصيد) وما هو واقعي (الذات).

وقبل الختام، نشير إلى أنّ تقانة المفارقة التي قاربناها هنا لم تكن إلا تلميحا متواضعا للمفارقات التي أثرت اشتغال عبد الوهاب الشعري؛ وذلك لاتساع تفرعاتها، وعمق دلالاتها، فهي وحدها تحتاج إلى مقاربة خاصة، فضلا عن تقانات التناص والعنوان والذاكرة…. وغيرها، وأجلّنا دراستهم في هذه المقاربة، على أمل أن نتوسع فيهم كما قلنا سابقا في مشرعنا النقدي القادم.
وفي الختام، نخلص إلى أنّ هذه التقانات، في مجموعها، لا تعبر عن تحوّل شكلي بقدر ما تعبر عن تحوّل في الرؤية الشعرية ذاتها، إذ تصبح القصيدة فضاء لمساءلة الوجود، واللغة، والذات، ضمن سياق مأزوم، تعاد فيه صياغة المعنى من قلب الانكسار. ومن هنا، يمكن القول إن تجربة عبد الوهاب إسماعيل تقدم نموذجا شعريا يعيد الاعتبار للتكوين الشعري بوصفه فعلا جماليا مقاوما، يواجه التلاشي بالكتابة، والخراب بالشعر.

المصادر
1. أنسنة المكان في روايات عبد الرحمن منيف، مرشد أحمد، ط1، الإسكندرية، دار الوفاء، 2002م.
2. التجسيد في الدرس البلاغي والنقدي عند العرب، فاضل التميمي، مجلة الفتح،
a. ع29،2007 م.
3. فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب، فولفجانج إيزر، تر: عبد الوهاب علوب، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2000م.
4. القراءة والحداثة (مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية)، حبيب مؤنسي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، د. ط، 2002 م.
5. المفارقة وصفاتها, دي سي ميويك, ت عبد الواحد لؤلؤة, موسوعة المصطلح النقدي (13), دار المأمون للترجمة والنشر, ط2, 1988.