
التقمّص الوجداني قيمة أخلاقية نتعلمها من الحيوانات – نبراس المعموري
أثناء قراءتي لكتاب العدالة في عالم الحيوان، استوقفتني قصة ذات دلالة أخلاقية عميقة أوردتها سي آن لامبرت (CeAnn Lambert)، مديرة مركز إنقاذ البرية في ولاية إنديانا. لا تكمن أهمية هذه القصة في بساطتها، بل في ما تثيره من أسئلة جوهرية حول طبيعة التعاطف والتقمص الوجداني، وحدودهما بين الإنسان والحيوان.
تروي لامبرت أنها عثرت يوماً على فأرين صغيرين محبوسين داخل حوض غسيل في أحد المرائب. كانت الجدران الزلقة والضوء الساطع يمنعانهما من الخروج، في مشهد يختصر حالة عجز كاملة. وإزاء ذلك، وضعت لهما وعاءً من الماء وقطعة من الطعام، تاركة لهما فرصة النجاة.
ما حدث بعد ذلك يتجاوز الغريزة البسيطة. فقد كان أحد الفأرين أقوى جسدياً، فتمكن من الوصول إلى الماء أولاً، بينما بقي الآخر عاجزاً عن الحركة والوصول إلى المورد الحيوي. غير أن الفأر الأقوى لم يكتفِ بإنقاذ نفسه، بل بدأ بدفع الطعام تدريجياً باتجاه رفيقه الأضعف، ثم واصل تقريب الطعام والماء منه حتى استطاع الأخير أن يشرب ويستعيد بعض قوته. لاحقاً، وبعد أن وضعت لامبرت لوحاً خشبياً داخل الحوض، تمكنا معاً من الخروج.
هذه القصة، التي استُخدمت في كتابات فلسفية معنية بالأخلاق والرفق بالحيوان، تقدم عادةً بوصفها مثالًا على التعاون والتعاطف بين الحيوانات غير البشرية. إلا أن قراءتها المتأنية تدفعنا إلى سؤال أعمق:
أزمات أخلاقية
هل كان سلوك الفأر الأقوى مجرد تعاطف، أم أنه ينطوي على شكل بدائي من التقمص الوجداني؟ وهل أدرك هذا الحيوان أن الآخر في أزمة، فاستجاب لها بما يتجاوز مصلحته المباشرة؟
تكتسب هذه الأسئلة أهميتها حين نضعها في سياق ما يشهده المجتمع البشري المعاصر من أزمات أخلاقية متفاقمة. ففي عالم يزداد فيه العنف واللامبالاة والاستقطاب، تراجعت قيمة التقمص الوجداني لصالح أنماط من التعاطف السطحي أو الانتقائي. لقد اعتاد الإنسان رؤية معاناة الآخرين عبر الشاشات وبعض المواقف اليومية، حتى تحولت المآسي إلى أخبار ومشاهد عابرة، والضحايا إلى أرقام، ما أدى إلى نوع من التبلد الوجداني وانحسار الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية.
بهذا الصدد تشير دراسات علمية حديثة إلى أن الحيوانات، بما فيها القوارض، تُظهر استجابات انفعالية معقدة، وأن الآليات العصبية المرتبطة بالتعاطف لديها تتقاطع مع تلك المرتبطة بالتقمص الوجداني لدى البشر. هذه المعطيات العلمية تضعنا أمام مفارقة لافتة:
كيف لكائنات لا تمتلك لغة أو تنظيراً اخلاقياً أن تُظهر سلوكيات تضامنية في لحظات الخطر، بينما يعجز الإنسان رغم وعيه ومعرفته عن ممارسة الحد الأدنى من التقمص الوجداني في كثير من المواقف الإنسانية؟
إن ما يميز الإنسان ليس القدرة على الشعور فقط، بل القدرة على تحويل هذا الشعور إلى موقف أخلاقي واعٍ. غير أن ما نشهده اليوم هو اختزال للتعاطف إلى ردود فعل آنية، تفتقر إلى العمق الذي يميز التقمص الوجداني الحقيقي. فالتعاطف يسمح لنا بالشعور بمعاناة الآخر من الخارج، أما التقمص الوجداني فيضعنا داخل التجربة نفسها، ويحملنا مسؤولية أخلاقية تجاهها.
ومن هنا، فإن قصة الفأرين ليست مجرد حكاية عابرة عن سلوك حيواني، بل مرآة نقدية تعكس واقعنا الإنساني، وتدعونا إلى إعادة الاعتبار للتقمص الوجداني بوصفه ركيزة أساسية في المنظومة الأخلاقية، لدى البشر والحيوانات على حد سواء. فبدون هذا التقمص، تفقد الأخلاق معناها، وتتحول العلاقات سواء كانت إنسانية أم اجتماعية إلى صيغ جافة تخلو من روح المسؤولية والرحمة.
الخلاصة.. التعاطف أشعر لأجلك. اما التقمص الوجداني أشعر بك



















