التعليم بين بيت الرقيم وبيت الحاسوب – قيس حسين رشيد

التعليم بين بيت الرقيم وبيت الحاسوب – قيس حسين رشيد

أثبتت المكتشفات الاثرية ان عراقيي الامس في بلاد الرافدين كانوا  قد عرفوا التعليم وأنشئوا المدارس منذ اختراعهم للكتابة في الألف الثالث قبل الميلاد أو بعد ذلك بقليل لأن الكتابة العراقية الاولى التي سُميت فيما بعد من قبل علماء الاثار بالكتابة المسمارية او الخط المسماري تقتضي كثيراً  من التدريب والمهارة التي تستغرق سنوات من الزمن. وان الادله الغزيرة زالدامغة على وجود نظام تعليمي في مدن العراق القديم تعود الى الألف الثاني قبل الميلاد.لقد وجدت بعثات التنقيب الاثارية في بعض المواقع الرافدينية ألواح طينية كان متنها عبارة عن تمارين مدرسية لطلبة متدربين ، فهي تحمل احياناً نصاً مسمارياً قام الطلبة بنسخه عدة مرات كلٌّ حسب خطه ومقدرته او ان بعضها كان يحمل على وجهه وقفاه مواضيع مختلفة غير متجانسة كالادب والرياضيات فضلاً عن كثرة الأخطاء وحالات المسح التي لا زالت واشحة على بقايا الطين الجاف.ومع حرص الحضارة الرافدينيه على هذا الحقل المعرفي الا اننا نجد ان اغلب  المنخرطين في مدارس التعليم هذه هم أبناء المتنفذين والاغنياء فقد وصلتنا من عصر سلالة اور الثالثه (2100  قبل الميلاد) نصوص مسماريه تشير الى ان الطلبة هم أبناء القائمين على ادارة المدينة او أبناء المشتغلين في المعبد او أبناء الضباط او أبناء الكتبه أنفسهم . وامام مهمة تخريج دفعات جديده من الكتبه فلم تقتصر مؤسسة المدرسة على المعبد وانما وجدت أماكن تعليم في مباني خاصة وحتى في بيوت السكنى.وكانت دورات الخريجين لا تقتصر على الذكور فقط بدليل وجود  اسماء لكاتبات إناث .سمّى العراقيون القدماء مدارسهم ببيت الرقيم وسمّوا مديرها(أوميّا) فضلاً عن وجود الكادر التدريسي الذي منه وكيل المدير والمعلمون الذين تتباين اختصاصاتهم. يذكر احد النصوص المكتشفة حواراً بين تلميذ مستجد وأخر اقدم منه، يقول الاول: (( يا أبن الرقيم اين ذهبت في ايامك الاولى ؟))

فيجيب الثاني:

((ذهبت الى بيت الرقيم

قرأت رقيمي وأكلت طعامي

أعددت  رقيمي وكتبته وأكملته

وعندما فتح بيت الرقيم ذهبت للبيت

دخلت بيتي وكان أبي جالساً هناك  )).

ربما نستطيع ان نفهم من النص المتقدم ان الطالب الرافديني كان يقضي وقتاً طويلاً في مدرسته حاملاً معه طعامه ليتناوله هناك وأنه يعود متأخرا لبيته بعد ان يكون الأب قد عاد من عمله كما انه يكمل واجباته المدرسية اثناء الدوام.

مدارس خاصة

 أن الاجراءات الرافدينية أعلاه بدأت بتطبيقها المدارس الخاصة عندنا متأخراً قبل ان يعكر صفوها كوفيد19   وأحترازاته التي أربكت  كل القطاعات للدرجة التي جعلت التعليم عندنا ( بعامة وخاصة ) يأن تحت وطئة ارهاصات التعليم الالكتروني الذي لا يتفق اثنان بأنه نجح في العراق حيث مؤشرات التدني واضحة واجراءات التخبط بين الحضور واللا حضور مقلقة للبيوت العراقية الوارثة لأول نظام تعليمي في التاريخ. كان حريّاً  أن نقتفي خطى العالم المتقدم الذي سبقنا في هذا المضمار علنّا ننهض بواقع التعليم ونلحق بالركب الذي لا ينتظر احد . مؤسف ان نتقهقر ونحن نرى  عجلة التاريخ تسير والدورة الحضارية تتعاقب وأن ما علّمناه  للعالم قديماً منذ بيت الرقيم السومري صار علماً متحفياً فقط  في زمن بيت الحاسوب الذي قرّب كل بعيد.

{ دكتوراه تاريخ وحضارة