التشكيل السيرذاتيّ الروائيّ.. واكتشاف الحب

د . محمد صابر عبيد

 

محمّد صابر عبيد

 

تمتدّ أساليب التشكيل السيرذاتيّ إلى حدود شاسعة داخل رغبة كثير من الكتّاب في توظيف تجاربهم الذاتيّة لإنجاز نصوص أدبيّة، ولاسيّما حين ندرك أنّ السيرة الذاتيّة للأديب تعدّ منجماً سردياً هائلاً وذخيرة حكائيّة لا تنضب، يمكن أن توفّر له مرجعيّة كثيفة وخزيناً عميقاً ومتعدّداً للنهل منه وتوظيفه في نصوص متنوّعة التشكيل والرؤية، بصرف النظر عن توصيف هذه النصوص التي قد تحتاج فيما بعد لجهدٍ اصطلاحيّ يضعها داخل إطار معيّن، لأجل أن يتمّ وضع حدود فنيّة لها ترسم مسارها ومسار ما يجاورها سيرذاتياً فيما بعد.

لذا تعدّدتْ هذه الأساليب على نحوٍ غزيرٍ وصار من الضروري نقدياً التعامل معها على وفق منهجيّة خاصّة، تأخذ بنظر العناية قضية تحديد المصطلحات كلّما كان ذلك مناسباً ومفيداً، ويمكن معاينة مصطلح “التشكيل السيرذاتيّ الروائيّ” من زاوية الحضور المتعاقب لمفردات المصطلح والتحامها، وهي تبدأ بمفردة “التشكيل” بوصفها العلامة الأبرز الخاصّة بالنظر إلى أدبيّة المكتوب وشعريّته، فمن غير أن يتّصف المكتوب بالتشكيل إنّما يعني خروجه من دائرة الفضاء الأدبيّ، لأنّها العتبة الأولى التي تجعلنا نتعامل مع طبيعة النظام الشعريّ المكوّن للنصّ حين ينجح في احتواء طاقة التعبير.

تُضاف المفردة الأولى “التشكيل” في هذا المصطلح إلى المفردة الثانية التي تعقبها “السيرذاتيّ” لتحديد الجنس أو النوع الأدبيّ ميدان الرصد الاصطلاحيّ، حيث يتمّ التوجّه نحو مجال فنيّ مخصوص هو “السيرة الذاتيّة” وهو مجال سرديّ معروف وشائع، وحين يتحقّق النسج الاصطلاحيّ بين المفردَتَين “التشكيل السيرذاتيّ” فإنّ الدلالة الاصطلاحيّة تذهب باتجاه تحديد نصيّ أكبر، ليدخل التركيب الاصطلاحيّ في مجال نصيّ يرصد طبيعة الحراك الأدبيّ الخاصّ بالمحتوى السيرذاتيّ لشعريّة النصّ. غير أنّ المفردة الاصطلاحيّة الثالثة المكمّلة لبناء المصطلح وهي مفردة “الروائيّ” فإنّها سرعان ما تحوّل الفضاء النصيّ إلى حالة نصيّة هجينيّة، يتفاعل فيها شكلان سرديّان هما “السيرة الذاتيّة” و”الرواية” مع ترجيح الحضور السيرذاتيّ على الروائيّ، بحُكُم تقدّم ما يحيل على السيرة الذاتيّة قبل الإحالة على الروائيّ ليستجيب النصّ لها أولاً، ومن ثمّ يمتدّ الفضاء النصيّ السيرذاتيّ بعد ذلك نحو الإفادة من خصائص العمل الروائيّ الفنيّة، على النحو الذي يُبقي النصّ أساساً في دائرة السيرذاتيّ لكنّه يفيد ممّا هو متاح من تقانات السرد الروائيّ، وذلك لمنح النصّ صفة سرديّة عامة على الرغم من استغراقه الكبير في سيرذاتيّة التجربة والكتابة والأداء، بحيث تبقى العلاقة بين ما هو سيرذاتيّ وما هو روائيّ داخل فعاليّة المدوّنة النصيّة.

من هنا يصبح المصطلح الجديد المقترَح “التشكيل السيرذاتيّ الروائيّ” دالاً على حالة سرديّة يقوم نصّها –جوهراً- على تجربة سيرذاتيّة عالية القصديّة، وفي الوقت نفسه تمتدّ يد السرد السيرذاتيّ المباشر والخطيّ إلى ما تيسّر من تقانات السرد الروائيّ، فيفقد النصّ جزءاً من نقائه السيرذاتيّ الصافي لصالح السرد الروائيّ ويكتسب بعض الخصائص الروائيّة، بما يتيح للكتابة أن تتحرّك بحريّة بين مجال سيرذاتيّ مهيمن ويحتلّ المساحة النصيّة الأعظم، ومجال روائيّ يحسّن من فعاليّة السرد ويزوّده بحساسيّة سرديّة لا تلتزم بشروط الكتابة السيرذاتيّة تماماً.

تحتلّ الرواية الموقع الأوّل والأبرز في توظيف معطيات السيرة الذاتيّة بفضل المساحة الكتابيّة الواسعة التي تتميّز بها، “وعلى الرغم من أنّ الرواية بطبيعتها لا تنفكّ تنهلُ من سِيَرِ كتّابها وتتمثّل تجاربهم الشخصية على نحو من الأنحاء، غير أنّ الاتجاهات الجديدة ذهبت أبعد من ذلك في استغلال السيرة استغلالاً روائياً فنياً مقصوداً، يستهدف إجرائياً إنتاج هجنة إبداعية تحقّق هذا التداخل الإجناسيّ الجماليّ بين الرواية والسيرة الذاتية”[1].

ليس هناك تشكيل معيّن ومحدّد يمكن أن يستقرّ عليه النصّ السيرذاتيّ في فعاليّة تحوّله نحو فضاء الرواية، فثمّة درجات بين مستوى حضور السيرذاتيّ ومستوى حضور الروائيّ في كلّ تشكيل، يعتمد على طبيعة التجربة ومقاصدها ورؤيتها السرديّة في الاكتفاء بطبقة تخييليّة خفيفة لا تمسّ جوهر السيرذاتيّ كثيراً، أو التوغّل الحرّ والواسع في طبقات تخييليّة متنوّعة داخل الروائيّ بحيث تتسرّب كثير من مياه السيرذاتيّ داخل مسارب الروائيّ، على النحو الذي يستدعي وضع توصيفات اصطلاحيّة مناسبة لكلّ حالة من هذه الحالات، بما يسهم في تحقيق الضبط التوصيفيّ المفهوميّ الذي يثري هذا الحراك النقديّ ويعمّق صورته المعرفيّة.

توجد حدود فارِقة بين جنس أدبيّ وآخر، ونوع أدبيّ وآخر، وحين نذهب باتجاه تحقيق نوع من الهجنة الأدبيّة بين أجناس مختلفة ينبغي الالتفات إلى قدرة التقبلّ بينها، على النحو الذي يجعل التفاعل والتداخل ممكناً وفاعلاً من غير مفارقات تشكيليّة قد تودي بالعمل، لذا لا بدّ من معرفة “ما هي الحدود التي يمكن التعويل عليها في الإفادة من السيرذاتيّ الواقعيّ في تشكيل الرواية السيرذاتية، طالما أنها تنهض أساساً على حكاية/حكايات الذات في الجزء الأعظم من ثروتها الحكائية، وما هي المناطق السيرذاتية الواقعية الأكثر استجابة لهذا العمل، والأكثر توافقاً مع حساسية العمل السرديّ وطبيعته وكيفيات اشتغاله، وما هي الكيفية التي يجب أن يتبنّاها الروائيّ ويعمل بموجبها في انتخاب ما هو صالح وممكن وضروري ومناسب من منطقة السيرذاتيّ لتخليقه روائياً”[2].

يتحقّق هذا الأمر فضلاً على قابلية استقبال النصّ المُضيّف للنصّ الضيف من حيث قدرته على الاحتواء بين القادم النصيّ والراهن النصيّ على مستوى تقابل الحدود، لمعرفة ما هي حدود السيرذاتيّ “وفي الوقت نفسه ما هي حدود الروائي المتخيّل الذي يجب أن يضاف إلى المأخوذ من المنطقة السيرذاتية الواقعية، كي يتفاعل معه، ويشتغل عليه، ويشرّبه بماء السرد، ليغادر منطقته تماماً ويندرج في أفق السرديّ المتخيّل، ويتحوّل من حكاية واقعية ترتبط بالخارج الذاتيّ إلى محكيّ روائيّ تتراءى في الأصداء الذاتية للسيرة على نحو ما، لكنّ العمل في فضائه العام يبقى في دائرة جنس الرواية على الأصعدة كافة”[3].

تتشكّل الهُجنة النصيّة ضمن سياق تفاعليّ شديد التضامن والاشتباك بين معطيات السيرة الذاتيّة القادِمة ومعطيات الراوية المستقبِلة، ولكلّ طرف منهما غاية نصيّة يدافع بها عن وجوده التشكيليّ داخل هذه الرؤية، و”من هنا ذهب توصيف العمل نحو مفهوم (السرد الهجين) وهو يزاوج بين السرد السيرذاتيّ بمنطقه الواقعيّ، والسرد الروائيّ بمنطقه الذي يحيل على المتخيّل، بحيث يبقى فضاء السردَين راهناً وفاعلاً وماثلاً وقابلاً للقراءة والتمثّل، على النحو الذي يستوجب استحضار أدوات الفحص والتحليل والتأويل من عدّة عملهما معاً في السياق الإجرائيّ، غير أنّ هويّة العمل الفنية تبقى على الرغم من ذلك هويّة سردية روائية واضحة”[4]، بفعل الغاية الأساسيّة من توظيف السيرذاتيّ في الروائيّ وصوغ نصّ روائيّ في نهاية المطاف.

مروان ياسين

لا يمكن التأكد من حضور السيرذاتيّ في الروائيّ من دون اختبار ذلك بوساطة الميثاق القرائيّ الذي يؤكّد المرجعيّة السيرذاتيّة للمدوّن السرديّ، “لذا فإن مصطلح (الرواية السيرذاتية) وشروطها الأجناسية تتأتى أساساً من حاضنتَي الرواية والسيرة الذاتية، بالرغم من أنّ الفضاء الروائيّ بقوانينه السردية المعروفة سيكون هو المهيمن المركزيّ، لأنّ العمل يندرج في جنس الرواية لكنّه يخرج نوعياً إلى السيرة الذاتية، بحيث يكون انتماؤه الفنيّ إلى الرواية لكنّه يتعلّق مرجعياً بالسيرة الذاتية التي تتمظهر في العمل بوساطة شبكة من القرائن والأسانيد والإحالات والإشارات والإلماحات التي تكوّن ما نصطلح عليه في هذا السياق بـ(الميثاق القرائيّ)”[5]، الذي يحشد مجموعة إحالات تؤكّد طبيعة الانتماء النصيّ لمرجعيّة أجناسيّة معيّنة تذهب باتجاه الفضاء السيرذاتيّ، إذ على الرغم من أنّ التوصيف المصرّح به على غلاف هذا الكتاب “اكتشاف الحبّ” هو “رواية”، لكنّ الأداء الكتابيّ يستجيب للفضاء السيرذاتيّ على نحو شبه مطلق من دون أن يفتعل الكاتب سبلاً لتقوية النسق الروائيّ على حساب النسق السيرذاتيّ، فهو يدوّن تجربته السيريّة بحريّة كافية على صعيد تناثر إشارات الميثاق السيرذاتيّ بلا حساب، وفي الوقت نفسه يرسم مساراً روائياً يتخيّله لما يدوّنه من تفاصيل هذه التجربة الأليمة.

ينتمي كتاب مروان ياسين الدليمي الموسوم “اكتشاف الحبّ، أوراق من مدوّنتي الشخصيّة”[6] لمصطلح “التشكيل السيرذاتيّ الروائيّ”، وفي السبيل إلى التخفيف من حدّة سطوع سيرذاتيّة التجربة الكتابيّة في هذه المدونة عمد الكاتب إلى افتتاح الكتاب بتوطئة خاصّة، حاول فيها إزاحة السيرذاتيّ نحو منطقة تخييليّة يكون فيها صاحب المدوّنة قد فقد حياته فجأة، وترك زوجته نهباً للوساوس والأحزان حتّى تجرأت واخترقت غرفته التي كانت تخشى فتحها، وحين فتحت جهاز اللابتوب الخاصّ به وجدت ملفاً على سطح المكتب، وما كان منها إلا أن تجازف بفتحه في فضول لا يمكن مقاومته أو تفادي سطوته، وكان قرارها بقراءة الملف والاطلاع عليه نوعاً من الحيلة السرديّة للحدّ –قَدَر الإمكان- من سطوة الفضاء السيرذاتيّ على المدوّنة:

“بينما كانت جالسة أمام اللابتوب تنظر إلى الملف، فكّرت بما يمكن قد سطّره في داخله، والسؤال الذي ظلّ يلحّ عليها: “ما الذي أراد أن يقوله في هذه الأوراق؟” بقي السؤال يدور في رأسها، ومع ذلك لم تكن تجرؤ على أن تفتح الملفّ خشية أن تكون هناك مفاجأة لا تحتمل نتائجها، رغم أنّها في قرارة نفسها كانت على يقين من أن لا أسرار تجهلها في حياته، لأنّه كان يبوح لها بكلّ ما كان يعنّ في داخله من هواجس. همست لنفسها بأن تكون مستعدّة لكلّ الاحتمالات، وأن تنتهي من دوامة الأفكار التي تلبّستها.. وجّهت سهم الماوس ليستقرّ فوق أيقونة الملف، ثمّ ضغطت عليه.. وما أن انفتح حتى بدأت في القراءة.”[7]

وما أن تبدأ بالقراءة حتّى تنفتح أمامها أوراق المدوّنة الشخصيّة لزوجها الراحل، بمعنى أنّ التوطئة التخييليّة جاءت خارج المتن لأنّ الكاتب وضع العنوان الرئيس للكتاب بعد انتهائها، وكأنّها تتحرّك سردياً في محيط المتن السرديّ السيرذاتيّ أو على تخومه، وما أن تنتهي المدوّنة من رواية أحداثها التي يصرّح فيها الكاتب بعبارة واضحة “انتهيت من كتابة هذه الأوراق في الخامس من شهر آب “أغسطس” 2020″[8]، حتّى ينتقل في الصفحة المواجهة ما بعد نهاية المتن السرديّ السيرذاتيّ كي يواصل توطئته التخييليّة في كتابة ما يشبه الخاتمة، وهي تقع خارج المتن أيضاً لأنّها تصوّر الحدث بعد أن انتهت المرأة من قراءة هذه الأوراق، مع أنّ الكاتب يضع علامة “انتهت” بعد نهاية هذه الخاتمة، وكان نصّ الخاتمة كما يأتي:

“مدت يدها وأطفأت جهاز اللابتوب.. اعتدلت بجلستها، ثم سحبت نفساً عميقاً بينما كانت تنظر إلى الساعة الجداريّة المعلّقة على الحائط، عندها علت وجهها علامات الدهشة بعد أن لاحظت أن الوقت يشير إلى الخامسة والنصف صباحاً، في تلك اللحظة انتبهت إلى أنها استغرقت ما يزيد عن اثنتي عشرة ساعة في قراءة الملفّ من غير أن تشعر باستدراج الوقت لها، فإذا بالتعب يداهمها فجأة، كما لو أنّ جسدها تلقّى إيعازاً بذلك، اتكأت بظهرها إلى المسند الخلفيّ للكرسي وأرخت يديها، في محاولة منها للاسترخاء، ودون أن تعي ما حولها أخذت تنظر صوب نقطة بعيدة، أخذتها إلى فراغ شاسع لا حدود له، سارحةً بذهنها تحت سحابة من الأمنيات المستحيلة التي كانت تترجى فيها أن يعود ولو ثانية واحدة، إلا أنّ حسرة قويّة اعتصرت قلبها، مثل شوكة انغرست تحت ظفرها، عندها أيقنت من أنّها لم تستوعب بما يكفي، ما كان يحمله لها من حبّ تفاجأت به، لمّا قرأت أوراق الملف.”[9]

إذ أراد الكاتب أن يكشف عن ماهية الحبّ الذي كانت تكنّه شخصيّة الراوي الذاتيّ لزوجته، كي تتحقّق العبارة العنوانيّة الرئيسة للكتاب “اكتشاف الحبّ”، وكأنّه سعى إلى اقتسام العنوان بين شخصيَّتَي العمل مناصفة، فجعل من عبارة “اكتشاف الحبّ” حصيلة للزوجة بخوضها معاناة رهيبة يكون اكتشاف الحبّ فيها وسيلة علاج، في حين خصّص الجزء الثاني من العنوان “أوراق من مدوّنتي الشخصيّة” لذاته الراوية بوصفها تمثيل سرديّ لسيرة الحبّ، وقد جاءت بهذا التشكيل الخَبَريّ الذي يحيل على جزء من السيرة الذاتيّة، بدلالة تنكير “أـوراق” للدلالة على الجزئيّة وليس الكليّة كي لا يكون مرغماً على الرضوخ لآليّات كتابة السيرة الذاتيّة، إذ فتح له هذا مجالاً رحباً وحراً لتدوين تجربة واحدة بعينها من سيرته الذاتيّة، كان لها الأثر الأكبر في تلخيص تجربة حياته كلّها بها من حيث كثافة الزمن والمكان والرؤية والفضاء.

تمثّل التوطئةُ والخاتمةُ حَدّي المتن السرديّ للمدوّنة، وهما على هذا النحو بصمتان سرديّتان تعملان خارج فضاء المدوّنة، ولم يكن حضورهما اللاحق سوى مناسبة –قد تكون عابرة- لإعطاء الحساسيّة السرديّة السيرذاتيّة قيمة روائيّة، بحسب التوصيف الأجناسيّ الذي وضعه الكاتب على غلاف الكتاب ليكون مُلزِماً لمجتمع القراءة التعامل معه بوصفه رواية، بما يجعل من هذين الحَدَّين بقعَتَي ضوء أرجوانيتَيَن لتسهيل سريان الروائيّ في السيرذاتيّ على النحو المطلوب، على الرغم من أنّ المتن السيرذاتيّ في الكتاب يستغرق استغراقاً كاملاً في الفضاء السيرذاتيّ الصافي، وهو يستعرض تجربة مخصوصة من هذا الفضاء أقرب إلى “اليوميّات” في سياق، وإلى “الذكريات” في سياق آخر، إذ تحضر علامات الميثاق السيرذاتيّ بصراحة مقصودة عالية المستوى لا تتحاشى حتّى التصريح باسم المؤلّف بوصفه راوياً وذاتياً وشخصيّة مركزيّة في آن، فضلاً على حضور شخصيّات أخرى واقعيّة تعمل في الحياة الطبيعيّة مع شخصيّة المؤلّف في قناة فضائيّة مقرّها مدينة “أربيل” عاصمة إقليم كردستان العراق، على النحو الذي يؤكّد سيرذاتيّة الحدث بأدق تفاصيله وحيثياته ومقارباته وتحوّلاته وقضاياه داخل ميدان الشخصيّة والمكان والزمن أيضاً.

تنتشر العلامات والإشارات السيرذاتيّة المكوّنة للميثاق السيرذاتيّ على مساحة المتن السرديّ بلا توقّف ولا حدود، وتصبّ كلّها في توكيد سيرذاتيّة المروي استناداً إلى الشخصيّات والأمكنة والأزمنة ومجموعة أخرى من التفاصيل، إذ لا يتحرّج الراوي في استظهر هذه الطبقة السيرذاتيّة والتنويه بها على نحو قصديّ عالي الحضور، بما يجعل من هذا المتن متناً سيرذاتياً صرفاً من أوّله إلى آخره، وتتقدّم الشخصيّات الواقعيّة بوصفها العلامة الأبرز لقوّة حضور السيرذاتيّ في المتن السرديّ لنصّ “اكتشاف الحب”، وكانت العلامة الأولى تتضمّن إشارة صريحة إلى مقدّمة برامج معروفة تعمل زميلة للمؤلّف “مروان ياسين الدليمي”:

“تملكني إحساس الغريق ما أن يتفاجأ بيدٍ تمتدّ إليه لإنقاذه بعد أن تذكرتُ زميلتي مقدّمة البرامج فرقد ملكو التي كانت من أقرب صديقات المهندسة[10]

تسندها إشارة ثانية تعمل في الاتجاه نفسه تؤكّد حضور زميلين من زملاء المؤلّف الحقيقيّ “مروان ياسين الدليميّ” في عمله التلفزيونيّ:

“فتحتُ باب الغرفة التي خُصّصت لنا في المستشفى وكان إلى جانبي اثنين من زملائي يعملان معي في القناة الفضائيّة “محمد خيون وهلو جباري” أصرّا على أن يتواجدا معنا ويقفان إلى جانبنا أثناء إجراء العمليّة، لأنهما كانا على علم بأن ليس لدينا أقارب يسكنون في أربيل، ومازال أهلي وأهل زوجتي يقيمون في مدينة الموصل[11]

فضلاً على التصريح باسم ابنه الحقيقيّ داخل التجربة التي عاشتها زوجته فعلاُ على أرض الواقع الحقيقيّ، مقترناً بالتفاصيل والجزئيّات الواردة في هذه الإشارة:

“كان لديّ إحساس لا يُخطئ بما يدور داخل رأسها من أفكار، وأيقنتُ بأنّها تريد أن تقول لي نفس الجملة التي كانت تردّدها أمامي منذ أن أصيبت عام 1999 بمرض الروماتزم بعد ستة أشهر من ولادة ابني محمد الطيب” “يا مروان ما الذي يجبرك على الاستمرار مع امرأة مريضة بالكاد تمشي على قدميها من شدّة المرض؟ وها هي بعد العملية قد أصبحت نصف امرأة؟”[12]

أمّا التصريح بالاسم الحقيقيّ للمؤلّف في مناسبات كثيرة داخل المتن النصيّ فيمثّل الإشارة الحقيقيّة الأبرز والأكثر ميثاقيّة للاستدلال على سيرذاتيّة المروي:

“في موضوعة السفر لم أضع إيران في حساباتي، فقد استبعدتها تماماً من تفكيري، رغم انخفاض تكاليف العلاج فيها بشكل كبير مقارنة ببقية البلدان الأخرى، لأنّي لم أكن بحاجة إلى أن أضع نفسي في مواقف حساسّة بسبب اسمي الذي قد يسبّب لي إشكالات معقّدة قد تواجهني ابتداءً من وصولي إلى مطار طهران، وأحسب أني على علم بأن اسم مروان لن يوفّر لي الأمان والحماية مثل أسماء أخرى يفضلها الإيرانيون على غيرها”[13]

إذ يصرّح المؤلّف الحقيقيّ بلا أيّ تحرّز باسمه الحقيقيّ وبأسماء زملائه الحقيقيين في العمل، وقد أسند ذلك كلّه بالتصريح الزمنيّ والمكانيّ والمهنيّ الذي يؤكّد هذا المناخ السيرذاتيّ الدامغ على الرغم من أنّ المؤّلف وضع توصيف “رواية” على غلاف كتابه، بحيث تبقى العلاقة بين التوصيف والمدوّن الكتابيّ ملتبسة على نحوٍ أو آخر:

“كتبتُ لها: “أرجو أن تكوني بخير، أنا المخرج مروان ياسين زميلك في العمل، قبل قليل اتصلت بكِ، لأني أودّ أن أحصل على بعض المعلومات المهمة عن المستشفى الخاصّ بالجامعة الأمريكيّة، لأنّك حسبما أفترض وصلتك معلومة من الزميلة فرقد ملكو بأنّ زوجتي أصيبت بنفس الحالة التي سبق أم مررتِ بها، وأننا نعتزم السفر إلى بيروت بعد غدٍ على الأكثر”[14]

تحتشد هذه الإشارات وإشارات أخرى كثيرة مبثوثة في طبقات المتن النصيّ وعلى مساحة ليست محدودة، لتؤكّد بما لا يقبل الشكّ أنّ المروي السرديّ في هذه المدوّنة هو مروي سيرذاتيّ على درجة عالية من الواقعيّة، داخل تشكيل نصيّ سرديّ يتقصّد الذهاب إلى منطقة التجنيس الروائيّ مهما ضاقت مساحة المتخيّل، لذا اصطلحنا على هذا النوع من النصوص التي تصل فيها درجة الالتباس الهجينيّ بين السيرة الذاتية والرواية أقصاه بـ”التشكيل السيرذاتيّ الروائيّ”، وذلك للإقرار بأنّ الجانب التشكيليّ الكتابيّ متحقّق في هذا النص من جهة الفاعليّة الأسلوبيّة التعبيريّة، وبما أنّ الطبقة السيرذاتيّة هي الطبقة المهيمنة فقدّمنا في التوصيف الاصطلاحيّ الدالّ “السيرذاتيّ” على الدالّ “الروائيّ” بِحُكم التغليب السرديّ النوعيّ، على النحو الذي يجعل الانتماء للمرجعيات السيرذاتيّة أرجح وأظهر وأكثر انتشاراً وحضوراً وسطوة.

تتحرّك الأسلوبيّة التعبيريّة في فضاء اللغة النصيّة على حساسيّة سرديّة تنهل من التجربة السيرذاتيّة المأساويّة للمؤلّف، وفي الوقت نفسه تتجّه نحو فضاء السرد الروائيّ لمنح الكتاب هويّة سرديّة أكثر تعاملاً وتوافقاً مع الفنّ السرديّ، في محاولة للانتقال بالتجربة السيرذاتيّة إلى تجربة روائيّة يتحوّل فيها المرجع الواقعيّ الصريح إلى ميدان تخييليّ سرديّ، يمكن معاينته بوصفه رواية لا علاقة لها بما تنطوي عليه من تجربة واقعيّة صرف.

 

 

[1] د. محمد صابر عبيد، من كلمة الغلاف الخلفي لكتاب: الرواية السيرذاتيّة، موسى الحوري، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، فرع نينوى، 2014.

[2] د. محمد صابر عبيد، الرواية الرائية، دار نقوش للنشر والتوزيع، تونس، ص19.

[3] الرواية الرائية، دار نقوش للنشر والتوزيع، تونس، ص19-20.

[4] الرواية الرائية، دار نقوش للنشر والتوزيع، تونس، ص20

[5] الرواية الرائية، دار نقوش للنشر والتوزيع، تونس، ص20-21.

[6] مروان ياسين الدليمي، اكتشاف الحبّ، أوراق من مدوّنتي الشخصيّة، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، 2020.

[7] اكتشاف الحبّ، أوراق من مدوّنتي الشخصيّة، ص8.

[8] اكتشاف الحبّ، ص230.

[9] اكتشاف الحب، ص 231.

[10] اكتشاف الحب، ص 25.

[11] اكتشاف الحب، ص 48.

[12] اكتشاف الحبّ، ص52.

[13] اكتشاف الحبّ، ص89-90.

[14] اكتشاف الحبّ، ص97-98..