التحدي الأكبر في العراق: التغيّر المناخي والتلوّث – نعم نبيل هاشم

التحدي الأكبر في العراق: التغيّر المناخي والتلوّث – نعم نبيل هاشم

وزارة البيئة

عبارة تتكرر منذ سنوات في كل المحافل الوطنية والدولية بأن العراق خامس دولة عالمياً من حيث التأثر بتغير المناخ ومن أكثر الدول هشاشة ولا نعلم المعايير التي استخدمت لهذا التقييم. لكن عند دراسة الوضع العراقي وما يواجه من تحديات تتمثل بالإرتفاع المطرد لدرجات الحرارة وشحة المياه وتلوثها وتدهور الأراضي وخسارة الموائل الطبيعية والتنوع الإحيائي يوجه اللوم إلى التغير المناخي بشكل رئيسي بأنه سبب ارتفاع درجات الحرارة وقلة تساقط الأمطار وإرتفاع نسبة التصحر والتملح. لكن العديد من الدراسات والبحوث تشير إلى أن سوء إدارة المياه وافتقار العراق إلى خطة إدارة مياه متكاملة لها دور رئيسي في المشكلة، يضاف لها نقصان الواردات المائية من دول المنبع والتي فاقمت من حجم المشكلة التي يواجهها العراق. لكن السؤال الذي نطرحه هنا هو: هل للتلوث دور في زيادة حجم وشدة هذه التحديات والمشاكل؟ يواجه العراق خطر تلوث الهواء والماء والتربة لتأثيره على الصحة والبيئة والإقتصاد والوضع الاجتماعي. إن خطر تلوث الهواء نتيجة زيادة الإنبعاثات الكاربونية خصوصاً ثاني أوكسيد الكاربون وغاز الميثان والانبعاثات الغير كاربونية تسببت في ارتفاع درجات الحرارة بشكل مطرد خصوصاً في المدن المزدحمة والمناطق القريبة من الحقول النفطية ومنشآت توليد الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى الإنبعاثات من أجهزة التبريد وعوادم المركبات. إضافة الى ما لهذه الإنبعاثات من آثار صحية خطيرة متمثلة بإنتشار الأمراض المتعلقة بالجهاز التنفسي وزياد الإصابة بالأمراض السرطانية. مما شكل عبئا على الأسر، ماديا وإقتصاديا وإجتماعيا وبالتالي شكل عبئا على قطاع الصحة الحكومي، متمثلا بزيادة الحاجة للأدوية والكوادر الطبية والأجهزة الطبية وغيرها، فمثلا: تشير الإحصائيات إلى أن العراق فيه 35815 حالة سرطان مسجلة أي بمعدل 78 حالة من ?ل 100.000 شخص. إن زيادة الإنبعاثات من المنشآت النفطية المختلفة وحرق الغاز المصاحب، على وجه الخصوص، تسبب في زيادة تلوث الهواء وخسارة مصدر طاقة مهم يساهم في دعم الاقتصاد المحلي والوطني وسد جزء من النقص في إنتاج الطاقة الكهربائية في العراق، كما أن تنفيذ متطلبات إتفاق باريس وتنفيذ الخفض المطلوب في المساهمات العراقية المحددة وطنيا لها مسارات مهمة في تقليل التلوث الناتج عنها وتحقيق نسبة الخفض في المساهمة العالمية لخفض الإنبعاثات الكاربونية والذي بدوره يعزز الموقف العراقي الدولي في إنعاش كوكب الأرض.

فوائد عدة

إن خفض التلوث الناتج من الإنبعاثات الكاربونية له فوائد عديدة منها تنفيذ التزامات العراق دولياً من خلال تحقيق الخفض في المساهمات المحددة وطنياً والفائدة الأهم هي تحسين حياة الفرد العراقي وتوفير متطلبات حقه في العيش في بيئة نظيفة صالحة للعيش، بالإضافة إلى إن تخفيض هذه الإنبعاثات بوسائل وطرق حديثة وتحويل الإنبعاثات إلى مصادر طاقة سيمثل مردود إقتصادي وكذلك توفير فرص عمل وبالتالي التقليل من الهجرة والزحف نحو المدن والرجوع نحو الاستقرار الأمني والإقتصادي.

إن خفض تلوث الهواء يرتبط ارتباطا وثيقا بحجم الإنبعاثات وتوفر الغطاء النباتي الكافي لتنقية الهواء والحد من تعربة التربة وإنجرافها، كما يعمل كمصد للعواصف الغبارية والترابية. وقد لوحظت ظاهرة تجريف البساتين وإزالة الغطاء النباتي في السنوات الأخيرة وتحويلها إلى مناطق سكنية (أبنية كونكريتية) بسبب إزدياد الضغط على المدن من حيث العدد السكاني وإرتفاع معدل الهجرة إلى المدينة، لقد أدت هذه الظاهرة إلى ارتفاع درجات الحرارة في المدن أكثر من غيرها نتيجة زيادة مساحات الأبنية بطريقة عشوائية غير مدروسة وبدون تخطيط صحيح لحجم المنطقة مع عدد السكان واحتياجاتهم من الطاقة والخدمات الضرورية مما يشكل ضغط جديد في هذه المناطق من خلال إزدياد الإنبعاثات والمخلفات السائلة والصلبة لهذه المناطق دون وضع. خطة عمل لتقليل الإنبعاثات من هذه المناطق السكنية التي كانت سابقاً أراضي خضراء تعد مصدر طبيعي لتقليل ثاني أوكسيد الكاربون من الجو وتلطيف الهواء. بالإضافة إلى عدم وجود خطة عمل لإعادة تدوير المخلفات الناتجة من هذه المناطق السكنية أو الصناعية التي أنشأت بدلاً عن المساحات الخضراء التي كانت تساعد في تحسين نوعية الهواء.بعد تلوث المياه من أهم المشاكل التي يواجهها العراق بجانب شحته وقلة تساقط الأمطار، إن آثار التغير المناخي وسياسة دول المنبع لها دور رئيسي في خفض مناسيب المياه في العراق وفقدان مسطحات مائية مهمة تعد تراثاً عالمياً وهوية أصيلة للعراق ومصدر دخل وطني مهم لآلاف العوائل ومقصد سياحي مهم ذو مردود اقتصادي على المستوى الوطني. إن أهمية المعالجة والتقليل من تلوث المياه لا يقل أهمية عن الآثار السلبية الناتجة من التغير المناخي، حيث يعمل هدر المياه وإستخدام طرق الري السيحية التي تستنفذ كميات مفرطة من المياه وعدم معالجة وإعادة تدوير إستخدام مياه الري ومياه الصرف الصحي بالإضافة إلى ربي المخلفات السائلة والصلبة بصورة مباشرة إلى النهر والمسطحات المائية دون معالجة لها أثر سلبي خطير لا يقل أهمية عن تأثير التغير المناخي. إن معالجة المياه العادمة وإعادة الإستفادة منها وإستخدام طرق ري تعتمد على كميات محدودة من المياه وتقليل الهدر الكبير في المياه ووضع خطة إدارة متكاملة للمياه في العراق، كلها تلعب دور مهم في التقليل من مشكلة شحة المياه وبالتالي تكون خطة دفاعية في مواجهة خطر تزايد قلة المياه، كما تدعم التفاوض مع دول المنبع حول الحصص المائية للعراق.

إن الإستنفاذ السريع للمياه في العراق نتيجة الآثار السلبية للتغيرات المناخية وقلة الحصص المائية الواردة من دول المنبع وسوء إدارة المياه أدت إلى إنخفاض كمية المياه سواء في المسطحات المائية والبحيرات والأهوار وإنخفاض مستوى المياه الجوفية والتي لعبت دورا خطيرا في تدهور هذه البيئات وتعريض كائناتها الخطر الإنقراض، حيث شهد سكان الأهوار موت مواشيهم الجاموس خاصة، الذي يحتاج إلى مستوى مياه كافية للغمر والسباحة ليستمر بالعيش وإن موت هذه الكائنات التي تمثل مدخل مادي لعيش سكان الأهوار ودخل وطني، فالقيمر وحليب الجاموس يعتبر هوية عراقية أصيلة لا تتوفر في بقية الدول المجاورة.

أما بالنسبة لتلوث المياه فإنه يؤثر بصورة مباشرة على نوعية وكمية المياه وعليه يؤثر على نوعية مياه الشرب وتوفر المياه المطلوبة لإستخدام اليومي، حيث لوحظ في العراق يصل معدل تكلفة شراء ماء الشرب إلى 100 دولار شهرياً للعائلة الواحدة مما يشكل عبء مادي، بالإضافة إلى عدم توفر المياه بصورة كافية للزراعة وعدم القدرة على إنتاج محاصيل زراعية معينة وبالتالي يؤثر على الناتج المحلي مما يسبب عبء إقتصادي وطني متمثل بإزدياد الطلب على المحاصيل المستوردة في العراق يستهلك القطاع الزراعي 79 بالمئة من مجمل المياه السطحية سنوياً والذي بدوره يسبب في زيادة مياه المبازل التي تصرف إلى الأنهر بدون معالجة مما يتسبب بزيادة الرواسب وعكورة مياه الأنهر والمسطحات المائية وكذلك زيادة ملوحة المياه التي تلعب دور رئيسي في تردي نوعية المياه وعليه التأثير الواضح على التنوع الإحيائي خصوصاً الأسماك التي يتميز العراق بوجود انواع وأصناف من الأسماك المتوطنة ذات الهوية الوطنية وإن إنقراض هذه الأسماك له تأثير كبير على الإقتصاد المحلي ومعيشة الصيادين ومربي الأسماك وعوائلهم، بالإضافة إلى أن تردي نوعية المياه يؤثر على صحة الفرد وزيادة إنتقال الأمراض المعدية وغير المعدية.

تنويع الاقتصاد

ان إحياء الريف وتحسين معيشة الفرد وتنويع الاقتصاد والدخل الوطني وتقليل ظاهرة الهجرة والزحف نحو المدينة والتقليل من تدهور الأراضي والتصحر وإرتفاع درجات الحرارة خصوصاً في المدن والحد من خسارة التنوع الإحيائي وفقدان الموائل المهمة إقتصادياً ووطنياً وسياحياً والتكيف للتغيرات العالمية والمحلية والتخفيف من التلوث وآثاره السلبية كلها تحتاج إلى خطة وطنية متكاملة وشاملة تشترك في اعدادها وتنفيذها جميع القطاعات وتهيئة كافة الإحتياجات الآزمة والظروف الملائمة لتنفيذ هذه الخطة لمواجهة تأثير التغير المناخي والحد من التلوث.