التبئير المعرفي في العتبات النصية – جاسم خلف الياس

تفكيك مدخل رواية طفولة جبل

التبئير المعرفي في العتبات النصية – جاسم خلف الياس

تهدف هذه القراءة إلى تفكيك (المدخل) الذي تكوّن من أربعة مشاهد قبل الدخول إلى المتن السردي في رواية (طفولة جبل) للروائي أمجد توفيق، بوصف المدخل عتبة نصية ثانية بعد العنوان. ولأنها لا تحتمل كثيرا من التنظيرات النقدية حول كل ما يتعلق بمصطلح (التبئير) فإن عرض المقولات التي تناولته سيكون عبئا على القراءة، لذا سوف ندخل مباشرة في تفكيك المدخل.

انبنى التبئير المعرفي  في مدخل رواية (طفولة جبل) على محورين:

الأول: الاشتغال المنطقي، ويمكن أن نسميه الاستنتاج العقلي.

الثاني: كشف الحياة أو الواقع، ويمكن أن نسميه الاستشعار الحسي.

وهنا تعتمد استراتيجية التبئير المعرفي في (المدخل) على مدى التطابق بين ما يقوله المؤلف وما يفكر فيه، أو بين ما يقوله من خطاب مباشر وما يؤول من خطابات ضمنية، فالكاتب أو الفنان ((في موقف الفيلسوف، والنص الذي يكتبه أو العمل الذي يبدعه لا تحكمه القواعد التي أعيد ترسيخها من حيث المبدأ، ولا يمكن الحكم عليه، بحكم قاطع، بتطبيق تصنيفات مألوفة على النص أو العمل الفني)) ().  والنص المعرفي نص يحتوي في مظانه على طاقة تدميرية تلغي الخصائص الفنية التقليدية بين الأنواع الأدبية والحقول المعرفية الإنسانية المختلفة. وفيما يخص الحقلين المعرفيين الأدب والفلسفة، يؤكد جاك دريدا على أن لغة الفلسفة أقرب إلى لغة الأدب منها إلى لغة العلم؛ لأن الفلسفة ((تُكتبْ في لغة طبيعية بشرية، وليس في لغة رياضية أو كونية)) (). أما التبئير المعرفي في المداخل التي تسبق المتن السردي فـ((يشتغل بمنطق قولي ناقد يتقصد إشاعة تحفظات فكرية ومكانية، وينطوي في الوقت ذاته على تحفظات سردية تغري القارئ في إيغاله اللاحق في المتن الروائي بالبحث عن البراهين وأدلة لها في ذاكرة القارئ طوال تجربة القراءة وطبقاتها)) ().

وعلى أساس ما تقدم سوف تركز القراءة على تمظهرات البؤر المعرفية في (المدخل) تحديدا، تاركة البؤر المعرفية في الرواية ككل، وعلاقتها بالمشاكل التي تواجه قلق الإنسان وتوتراته في عصرنا الحالي، إذ تتشكل الخصيصة البارزة في الروايات الحديثة بطاقتها الخلاقة في تبئير التأملات والتساؤلات والرؤى، وتقارب في مظانها الحوارات الفلسفية التي ظلت حبيسة هذا الحقل المعرفي الذي تهشمت حدوده جراء التداخل مع الحقول المعرفية الأخر.

والآن ندخل في صلب القراءة التي اجتزأت (المدخل) من كلية الرواية  بوصفها وحدة متكاملة، ولم يأت هذا الاجتزاء إلا لغرض الدراسة فحسب، علما أننا نعلم علم اليقين أن ما تتسم به اللغة الروائية من سمات أسلوبية وتعبيرية ستكون ضمن هذه الكلية، ولكن لأهميتها أولا، وطبقا لاختيارنا رواية تنفتح على اللغة الشعرية ثانيا، فإننا سنقارب تلازم هذه اللغة مع التبئير المعرفي الذي يلتصق بها.

في المشهد الأول من المدخل يقول المؤلف:

((في الفجر الفضي . يُخلقُ الجبل كل يوم . قريبا . قويا . متماسكا..

في الفجر الفضي . ترفض قطرات الندى أن تغادر أوطانها. على ورقة خضراء أو عشبة نحيلة أو هواء يهتف بلون الفضة ليؤكد أنه متخم بماء الندى.

الثبات أو التلاشي ذلك ما يفكر الندى فيه..

كيف يفكر الجبل؟/ هل يفكر في العمق والامتداد أو الارتقاء؟

طفولته تمنحه الانتماء.. / تمتد صخوره لتؤكد غناه وقدرته..

يرتفع رأسه ليؤكد الشموخ والشجاعة..

يغوص في الأرض ليؤكد رسوخه وصلابته..

لم يكن في خلقه واعيا لقوانين الهندسة. ونظريات العمارة.

وبعد خلقه. قامت صخوره العملاقة والصغيرة بالسخرية من الخطوط والأشكال الهندسية، والرثاء لنظريات العمارة..

إنه اتهمها بالخوف وعدم التجانس..)) الرواية ص 7

وهنا تتبادر إلى ذهننا أسئلة عديدة، منها: هل يخلق الجبل حقا كل يوم؟ ويقترب ويصبح قويا ومتماسكا؟ وهل الجبل يفكر حقا؟ وهل له طفولة ووعي لقوانين الهندسة؟ وهل بإمكانه السخرية من الخطوط والأشكال الهندسية؟ وهل له القدرة على اتهامها بالخوف وعدم التجانس؟ قد تأتي الإجابات على هذه التساؤلات في الوهلة الأولى بالنفي، ولكن عندما نربط توصيفات المؤلف بالشخصية المركزية في الرواية (بارق) نفهم أن الروائي أمجد توفيق اشتغل على محور الاستشعار الحسي في أنسنة الجبل عبر الاستعارات المكنية، لكي يفعّل الحقل الاستعاري، ويكون الجبل دالا استعاريا، فما (طفولة جبل) إلا (طفولة بارق). وهذا الاشتغال العلاماتي يشكل جوهر الانزياح الذي يفرضه التحليل، لأن ((الأنساق العلامية تفقد كل معقولية خارج الوظيفة الدلالية)) ().

فيض شعوري

وبعد هذا الفيض الشعوري تجاه الجبل، ينتقل الروائي إلى محور الاشتغال المنطقي ليستنتج أن القوة والتماسك هما العنصران الفاعلان في تشكيل الذات لكل من الجبل/ بارق:

 ((القوة: فيض قلب قوي .. التماسك: إدراك للقوة، ووعي لها)) الرواية ص8.

في هذين التحديدين ثمة مراقبة متبادلة بين الجبل وبارق، بين الغريزة بكل عنفوانها وحراكها وسحرها، والعقل بكل صرامته وثباته وبرودته. وعلى هذا الأساس لا يفكر بارق إلا بطفولته والجبل، لكي يبقى صاخبا متمردا، فطفولته ليست إلا قلبه، وليست إلا اندهاشه بهذه الحقيقة المشكلة في قلب الطفل، وهي لا تعني غير الدهشة المتجددة، دهشة غير قادرة أن تجدّ من قوّتها أو حضورها كل لحظة،  لأن الطفولة حكمة بلا لغة، والرشد لغة بلا حكمة، حسب تصوّر بوستاين جاردر في روايته (عالم صوفي)، إذ يؤكد على أن قدرة الاندهاش الفائقة لدى الطفل هي المصدر الحقيقي لأي سؤال فلسفي، لكن هذه القدرة تتناقص لدى الإنسان كلما تقدم به العمر().

في ذلك الفجر الفضي يتقابل وجهان لطفلين، الأول لجبل، والثاني لطفل تتوهج روحه لمرأى الجبل. فإذا كانت اللغة كما هو متعارف عليه في الكتابات السردية هي التي توقظ الطفولة من سباتها وتعيرها اللسان كي تخرج من قوقعة الصمت، فإن اللغة عند بارق هي لغة الصمت الجليل والعواطف والحواس والأسرار والرؤى المكبوتة. أما ما يشد القلبين في الفجر الفضي (قلب الجبل: سر صخوره، وكائناته المرئية أو غير المرئية) و (قلب بارق: كمثرى الدم أو الهروق التي يغذيها الدم بانفعالات الجسد) فهو طيف الانفعالات، وخيوط من الهواجس. وتبقى لغة الصمت تسرق ألوان الجبل من رجفة أو توتر أو انبساط مؤقت أو دهشة دائمة. ويستمر المؤلف في تدفق شعوره تجاه صخرة عملاقة بكل صلادتها وقسوتها وتغيراتها أمام قطرات الندى ((قطرات من ندى تفتت الصخرة من العمق إلى العمق)) الرواية ص 10? فهل يعني هذا أن افتقاد الصلابة والتماسك مرهون بفقدان الحب؟ يجيب المؤلف على ذلك بالنفي بشكل مباشر، ليعلن عن رؤية فلسفية تتعلق بدلالة كلامه : ((إنه لا يعني غير الاحتفال، غير القدرة على الحب، فريشة الحرير التي تحرّك جمهورا ، لا تعني غير إحساس الجمهور وقوته، وقطرة الندى التي تفتت الصخرة تأكيد آخر على هيبة الصخرة التي لا يوهنها الإعلان عن نفسها)) الرواية ص10. ويأتي الطلب استفهامي بغرابة وإنكار في الآن نفسه ليستفهم عن فعل مستديم يقوم به الطفل وهو في مواجهة الجبل: ((أما آن لحدقتي الطفل أن تستريحا من اتساعهما المترع بالدهشة؟)) الرواية ص 11. فهذا الطفل المتعلق قلبه بشجرة تنهض من عمق صخرة، لا يمارس إلا طفولته وحبه، فيرقب ويصغي، ويتحدث، ويسمع بما يكفي أن يقرر الفضاء تغيير لونه. لحظتها يقرر الجبل توديع بارق،  ويقرر بارق الاحتفاظ بالجبل وادخاله إلى غرفة محتفية بالمدفأة التي على نارها يبدأ الحلم، وتتعرى الأسرار، تهتك لعبتها، وظلمتها، ودهشتها.. ذلك الحلم الذي ليس له إلا وظيفة الاحتفاظ بالجبل في ليل (بارق) كي يشهد خلفه صباحا من جديد، وكل يوم.

هكذا انهى الروائي أمجد توفيق المشهد الأول من (المدخل)، الذي جاء بضمير الغائب (هو)، ليبدأ المشهد الثاني بضمير المتكلم (أنا):

(( أجمل سارد استمعت إليه كان الجبل../ أعمق وأشجع سارد كان الجبل../ توضأت بلغته المهيبة/ بصمته الجليل/ بصوته الواثق. في طفولتنا التي ترفض كل أوامر الانتهاء أو الإخلاء، طفولتي أنا وطفولة الجبل. كنت أسمعه وأحسه وأصغي إليه)) الرواية ص13.  ثم ينتقل إلى وصف (الصبايا) ليهيئ الفضاء الذي سوف يوجه فيه الأحداث تجاه (بهار) حبيبة (بارق) الأولى التي قتلها أربعة من رجال القرية بعد أن طعنوا (بارق) برقبته. فلعن العالم وانفرد في كوخ صغير على سفح الجبل، فكلما كانت الالتزامات المفروضة من الخارج قاسية، كان الميل الغريزي للفوضى والتمرد أشد قسوة. و(مريم) حبيبته الثانية التي قادته أقدارها إلى الرجوع إلى دار أبيه مرة ثانية، و(فيروز) حبيبة أخيه (أحمد):

((كل صبية يهتف جمالها بنداء الأسرار، كل صبية تلتحف شعرها عندما تنام/ كل صبية تكون عيناها أمرا بالخشوع/ كل صبية يفتك دمها كالسيوف أو السهام/ مرشحة للاختطاف/ والاختطاف لا يكون إلا لجبل)) الرواية 13- 14. ليستفهم الروائي أمجد توفيق على لسانه لا لسان السارد أو أحد الشخوص السردية: ((أكان هذا حكما للسارد أم للطبيعة؟ إذ لا يليق بصبية جميلة إلا أن تكون لقلب شجاع.. لا يليق بها أن تذوي كسلعة مشتراة)). هكذا تحدث السارد القديم وكان صادقا، وحسب رأيه فـ(( الصدق الذي يرغمك الخوف عليه غير الصدق النابع من قلبك الذي يمتحن شرفك وقيمك.. ثمة طريق واحد لمثل هذا الصدق، أن تحب الجبل، تعشقه، أن يمنحك سرارة قوية بما يكفي لإنارة دواخلك، وهزيمة عتمة الهواجس التي تلاحقك.. إنه يمنحك حبه.. لا شيء غير الحب)) الروايـــــة ص 15.

مشهد ثان

هكذا ينهي الروائي أمجد توفيق المشهد الثاني الذي تداخلت فيه الضمائر (المتكلم بداية، ثم الغائب، ليختتم بالمتكلم) ليبدأ المشهد الثالث بضمير الغائب في وصف لفوضى الحيوات والحواس والرؤى ليقارن بين قدرة السخرية التي يمتلكها الجبل، وقدرة الأسى التي يمتلكها الطفل (بارق) وبين الأسى والسخرية حرف (السين) الذي مسخ وحدة ربطت بين قلب الطفل (بارق) وقلب الجبل. كما مسخ حرف (الحاء) في (الحرب) الحياة والطبيعة والحب، ومسخ حرف (النون) في (الأنين) السعادة والمسرة والهناء. بعدها أدرك الطفل (بارق) الذي انكرته السنوات، أن وعيه يتعرض لصدمة اثبات مصداقيته، ذلك أن اللغة جنّدت العقل في اضطهاده للحواس. فيتساءل على لسان الراوي : ((لماذا تعمل الخبرة على تجريد الأفعال والأحاسيس من جمالها؟ لماذا تكون الخبرة ، وهي نتاج عرضي للزمن، معادية للبراءة أو التلقائية أو البساطة في فهم الجمال أو التعامل معه؟ لماذا تنأى بالقلب عن مهرجان مجده؟)) الرواية ص17. وهنا تتجلى لنا التجربة النفسية التي عاشها الطفل ثم الصبي إزاء الحياة بكل عنفوانها وتقلباتها وشعريتها. فجاءت الأسئلة محملة بوعي الراوي في الحكمة والتشخيص الدقيق لما تفعله (الخبرة) في تدمير بهجة التجربة الأولى، وإدراكه لوظيفة السنين التي تغلف الأشياء بموانع للصوت واللون والإحساس العميق. فضلا عن إدراك السخرية التي لا توقف لؤم الزمن؛ لذا يهمس الطفل في أذن الجبل حكمته في إنكار سنوات عمره:

(( إن السنوات بخيلة ، وهي جبانة، وفضيلتها أنها تعرض ما هو مضاد لكل ما هو جميل أو مدهش أو شجاع؛ لتؤكد جمال ودهشة وشجاعة الجبل)) الرواية ص18. ولكن الجبل آثر الصمت ولم يردّ على بارق، واكتفى بالاستمتاع بطفولته.. وتلك حكمته. وهنا يعمد الراوي إلى توحيد الجبل والطفل، فلا فرق بينهما في هذه الحكمة.

وينهي الروائي أمجد توفيق المدخل الساحر لروايته (طفولة جبل) في (المشهد الأخير) بتحول الأسى إلى جبل، أو تحول الجبل إلى أسى، مستذكرا بيتا شعريا للجواهري في قصيدته (أيها الأرق):

أنا عندي من الأسى جبل   /    يتمشى معي وينتقل

لينتقل بعد الحكم التي سطرها عن الجبل بوصفه (الكل) إلى الصخرة بوصفها (الجزء) في حكمة بالغة الأهمية، ولها تعالق قوي مع الفضاء الروائي، بوصف الصخرة دالا مجازيا على كل من (بهار) و(مريم)، أو دالا مجازيا على قسوة التغيير بعد الثبات:

(( قد تتوفر صخرة، تمنحك أمانا أو فرصة اختباء، لكن سرّك مكشوف للصخرة التالية، وهي لا توافق على التزامات الصخرة الأولى …. فالصخور التي لا تراك ، تحاصرك بما يكفي لأن تشعر أنك في سجن أسمه أعلى صخرة في القمة، والحماية التي يوفرها سجن مطعونة .. مطعونة)) الرواية ص20. وعلى هذا الأساس فلم يتبق للطفل (بارق) غير الدرس الأصعب، وهو ما لم يقله أحد، وتعليل ذلك: إن الجبل عندما يستغرق في استمتاعه، يتكور كطفل، ويخفي نفسه بعباءة بيضاء هي الثلج. وحين يستفهم الثلج من الجبل عن الدرس الأصعب، يجيبه:

((- أن أحب .. أن استمتع.

– وماذا عن صديقه الطفل؟

– عليه أن يمنح حياته اهتماما أكبر من اهتمامه بفكرته عنها..

– كيف؟

– أن يحب .. أن يستمتع)).

نخلص مما تقدم أن (مدخل) رواية (طفولة جبل) للروائي أمجد توفيق نهض على أسئلة الذات وتجليات المعنى بوصف الانفتاح الطيفي الداخلي رؤى معرفية ذات طابع تأملي مؤثث  بالقلق الوجودي، فأسئلة الأفكار التي طرحها الروائي (ليست لعبة فكرية، أو تزجية لأوقات الفراغ، بل إنها محاولة لفهم الوجود، ومعركة ضد لغز الحياة والعالم).

هوامش

(1) الحداثة وما بعد الحداثة ، تحرير بيتر بروكر، ترجمة عبد الوهاب علوب، ط1 أبو ظبي، المجمع الثقافي، 1995: 226.

(_)هل هناك لغة فلسفية، مقابلة مع جاد دريدا، أجرتها مجلى لوترمان، ترجمة هاشم  صالح، مجلة العرب والفكر العلمي، مركز الإنماء القومي، ع6ربيع 1989: 146.

(3) المغامر الجمالية للنص الروائي، الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد، عالم الكتب الحديث، أربد – الأردن 2010: 132.

(4) قضية الذات، التحدي العلاماتي، بول ريكور، ترجمة وإعداد منذر عياشي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1 2004: 85.

            (5) ينظر: عالم صوفي، رواية حول تاريخ الفلسفى، جوستاين غاردر، ت حياة الحويك عطية، ط2  دار المنى، 1996: 25.