التأثيث الأنسني لأصوات من هناك

التأثيث الأنسني لأصوات من هناك

فضاء روائي بمستوى متعدد

خليل مزهر الغالبي

 ومن مائز البناء السردي لرواية “اصوات من هناك” للكاتب نعيم آلمسافر –  نهجها في أنسنة المكونات الغيرعاقلة في الرواية والاخرى ذات العلاقة التاريخية من أمكنة ومواقع و عادات ومناسبات ، بعد منحها خاصية النطق والكلام عن كينونتها ،والى اشراكها  في تعزيز وانضاج الثيمة المسرودة، و بتوزيع متعددها الماثل  ليتحول فيه الضمير المتكلم من “انا” الفرد  الى “نحنُ” الجمع،وتخويل هذا الجمع للافصاح عن وجوده عند قاعدة البناء المؤنسن لتشكيلات الرواية ومضمونها ،والانسنة بمعناها لبوس الاشياء الجامدة وكل متعلقات الحياة غير العاقلة لصفات الانسان وسلوكه، وكما في ايضاح الاديب الدكتور احمد اسماعيل النعيمي (الانسنة انزال غير العاقلين من الحيوان او النبات او الجماد او المعاني المجردة منزلة العاقل نطقا وصورة وحركة اي ان يغدو غيرالعاقل انسانا او على صورة انسان..)1

وجود روائي

 ان حاضرة  هذا الوجود الروائي ،هي تعدد لوجودات متفرقة اجتمعت بتعددها لأستكمال التوصيف الناضج سردياً ،وكما في اشارة الفيلسوف “ارسطو” (ان الوجود يقال على أنحاء متفرقة) وكما في تنطيق الأماكن التاريخية للقرية و موقع تل سوسة الحضاري الاثري والى المناسبات الفولكلورية مثل  ليلة يوم الدخول و يوم الجز المتعلق بالاغنام وغيرها .

ان اعتمادات وتمحور رواية “اصوات من هناك” وتشبيكها لانطولوجيا المكان التاريخي  وما تحمله الذاكرة من حِكَم و مأثور القول، والمعالم المعروفة في  البناء المكاني للحياة  وطبائعها وطقوس العيش، عملت على الغاء الشخصية المحورية الواحدة في “انا المتكلم” والمتداولة في الرواية ،كما في “الرواية الفرنسية الجديدة”  والاخرى “رواية الوعي” عند مطلع الربع الاول من القرن العشرين وخروجها عن التابع الكلاسيكي في كتابة الرواية، ،وبمثل الغاء االبنيوية للمؤلف في بداية النصف الثاني من القرن  المنصرم ، وتخلصت هذه الرواية من البطل المحوري ومنح جميع موجودات الرواية  المشاركة البطولية والعبور من أنا المتكلم” الى “نحن المتكلم” وفق  المتابعة الموجهة لهم  فحسب من الكاتب الروائي.

ان استعادة الأمكنة والذاكرة ينبعث من خلال الاصوات المنبعثة من هناك التي حددها الكاتب عنونة لعتبته الروائية، والهناك بمعناه الواسع والبعيد  والمتعدد باطياف تاريخ القرية واحلامها ومكوناتها التي تطل دائماً في فضاء السرد ويتجوهر بتوافق ملائم لسيرورته ، حتى تقعيد مهمات وتفاصيل المتن الروائي وفق ترسيمات فنية قارة  لمتغيرً هذا الاسلوب الكتابي للرواية ، فلم تضيع تتبعات السرد بوصلتها في تشعب الموروثات البنائية المسكونة بالهاجس العالي والمصرح للذوات المتعددة، من -يوسف الملة –  يحيى الحساوي –  فرحان –  جمهوري و و  حتى  تشخيص وأنسنة قرية الجدي –  تل ساسة – وبقية المتعددات،كما نلاحظ في التنطيق الحواري لتل ساسة مع كاتب  الرواية “نعيم آلمسافر” (لماذا تتوجس خيفة من التوقف عندي والاستماع إلي؟) وكذلك قول نهر ساسا (انا لست محتاجا للتحدث اليك كمن تحدثوا او سيتحدثون).

وكل هذا الإنوجاد الفني المستعمل  في الرواية ،انتقاه الكاتب “نعيم آلمسافر” وفق ترسيمات اهتمت كثيرا لافضاء شرط الاقناع القرائي للمتلقي ،فلم يعزل تعريفها بسبب واحد او يحصرها بنهج محدد،بل كانت الترسيمات اساسيات للسرد واخرى مكملات، دفع بها الروائي للتلاقي والتحاور من جميع الشخوص ومن جميع  “النحن المتكلم” لكشف ماهيتهم و وجودهم واحلامهم ،حتى انضاج المضمون العام وتماسك ثيمته ،وكما في تأكيد  “ميشيل بوتور” وهو  من أهم كتاب الرواية الجديدة في فرنسا. في قوله  (وليس الآخرون، بالنسبة إلينا، ما رأيناه فيهم بأعيننا وحسب، بل هم إلى ذلك ما أخبرونا به عن أنفسهم، أو ما أخبرنا به غيرهم عنهم، وليسوا كذلك أولئك الذين عرفناهم، بل كل الذين ترامت إلينا أخبارهم. وهذا لا ينطبق على الناس وحدهم، بل ينطبق كذلك حتى على الأشياء والأماكن، كالأماكن التي لم أذهب إليها مثلاَ،ولكنها وُصِفتْ لي.)1 .

وعن دالة المكان والمكون الانطولوجي العام في الرواية ، كان هنالك تصوير سيميائي وحوارات تسطع انطولوجياً وبعمق ايضاحي ومعلل في كشف ماهية الحياة،الماهية التشكيلات الدلالية المعبرة في مدونات الرواية وتسجيلاتها النصية ، ومن قرائتنا لشواهد القرية الحاضرة والمستحضرة الاخرى والمواقع الاثرية والوقائع التاريخية و الحوارات البنية المستجلية لمعنى النص الروائي  كما في ايضاح “سعيد بنكراد” ( إننا لا نستمد المعاني من أنفسنا، بل نستوحيها من بناء الوقائع ذاتها، فهذا البناء هو الذي يهدينا إلى ما تُفرزه القراءة أو توحي به. فلا شيء يُستعار من خارج ما يقوم التمثيل الرمزي بالكشف عنه، أي ما يُصَنِّفه السميائيون، وصنفه الهرموسيون قبلهم …)2 لتشكل هذه التصويرات المسرودة أفقا ايضاحياً لدالة المضمر الخطابي للرواية، وبمثول مقارب لأسرار الكائن والمكان، حتى  استغوار لكل ما يمكن أن يحملاه من معنى، وكما في  كلام-  ستوكاديارز- وهي القرية العصرية التي بناها – يوسف- بعد عودته من الغربة ،وهي تتحدث عن نفسها (اسسني يوسف قرية للاحلام بعد ان اشترى الارض من اولاد غيلان) ،يوسف الذي يخبرنا(عدت من غربة دامت خمسة عشر عاماً) ليعود بكشف لنا من حس وجودي قافل في نتيجته المتشائمة بقوله (عدت فكأن حتفي في تلك العودة)  وخذلانه لما في ذاكرته من ماضي الزمن اللاهف لملاقاته  او استنهاضه قائم امامه.

صناعة الفضاء

 ان متن الوجود كمحكي روائي هو متن واسع و ثري في صناعة الفضاء المليء مابين المادي والخيالي الهلامي، ومن فحواه المثيوسسيولوجي وتنطيقه للعادات والتقاليد الدينية،وهذا يتجلى في خطاب مناسبة ليلة  عيد الدخول (انا ليلة الاعتدال الربيعي 21 اذار عام 2006 والدخول كما يقول اسم محلي له) وكذلك مناسبة وقت جز صوف الاغنام المسمى –  يوم اجز –  الذي  يتكلم عن نفسه (رغم اني من الايام الجميلة في حياة –  جمهورية – حيث تشعر بالتميز…لكنها رغم كل هذا تريد مصادرة صوتي وتتحدث بدلاً عني! عجيب امركم ايها البشر!) وتستطرد بتعين تاريخ وقتها (انا اصادف اي يوم من ايام شهر نيسان من كل عام،إذ يبدأ .. القرويون بجز صوف الاغنام…) وتروح لتأكد عراب الجز – مبارك العبد- وكما في التسمية الدارجة البعيدة عن مسميها  ومعناها الطبقي.

ان الفضاء الروائي الذي شَكَلَهُ ومنحه “نعيم آلمسافر” لعمله هذا كان اجراء فنيا في تعين محددات وطقوس المتن وتشكيله السردي المنسجم مع قبولية التلقي ذات الاهمية ، كما يرى الاديب السيميائي “سعيد بنكراد “ليس سوى تخطيب لسلسلة من الأماكن التي أُسْنِدت إليها مجموعة من المواصفات لكي تتحول إلى فضاء “مؤثر”. وبهذا يعدّ التفضئ برمجة مسبقة للأحداث وتحديدا لطبيعتها فالفضاء يحدد نوعية الفعل، وليس مجرد إطار فارغ تُصَبُّ فيه التجارب الإنسانية”3

ان التوزيع لمفاصل السرد  في رواية “اصوات من هناك” من اشخاص ومعالم مكانية مرئية واخرى تاريخية وتراثية غير مرئية،هو توزيع متصل دونما تقاطعات منفلتة في  البناء السردي للرواية،لكونه غير قابل للرؤى انفردية بفعل الكاتب الراوي للمضمون  ومحكياته ،هو الكاتب المرتبط بمتن الرواية كعامل اول مؤثر  في رفع مستويات النص وأشكال بنيته السردية وصيانة عدم بعثرة  التسريد للمفاصل،وقد انتبه الروائي “نعيم آلمسافر”  لذلك وحرص على اكتساب عامل الكفاءة للسرد والاراتفاع بكفاءة مائز الرواية في تنطيق وانسنة الجماد، واخرى في  اسطرة المحكي بتوصيف غرائبي خارق، ومنها حكاية السيدة – مسيرة- وهي توضح اعجازها وببدء انتمائها العائلي  (كنت فتاة صغيرة لاحد السادة الاشراف)  وهي في مثول مزار باسمها قريب من التل و روحها التي تحوم حول المكان وما تدعي في حديثها في ربطها مع الحيوان المفترس المسمى  -السبع- وهو رابضا مربوط مع القطيع ،حتى اخر الحكاية. وايضاً ما تحمل شخصية – وردة- من الغريب الخارق وهي تتكلم في  مفصل من الرواية المسمى –  طبق سحري- ونعرف كونها مستودع اسرار قرية الجدي،على يديها تولد المعسرة وتتزوج البائرة ومنهن تعرف اسرهن واسرار القرية وتحكيها لنطر الخولي مرة واحد حتى تنتشر بعد ايام في عموم القرية كلها،وكما الاخرى شخصية – جمهورية –  وهي احد بنات القرية  القائلة (لقبني الملا في احد ايام الجز بجمهورية السودة ففرحت وكانه لقبني  جمهورية الاميرة) ،

 وقد ارتهنت الرواية في الافصاح عن الهوية للمان وشخوصه ،ومن خلال التداعيات الدلالية والمضطردة  طبيعيا ،وبترسيم مشفر للهوية واعلانها بوصفها تعبيرا مجانبا لابد من استقرائه، ومنه الكلام اليومي  ومن طبيعة المشاهد السكنية المتعددة  التي تكاشف تتبعياً خاصية الهوية ،وقد  كشف تعدد المكونات  في الرواية ،عن حاثات الكاتب ولهافه في وسيع وصحيح تصريحاته الفكرية ووضع اطار هذه الهوية ،ومنها نستجلي  الروح الحانة للكاتب  “نعيم آلمسافر” للبيئة والقرية واشيائها ، كموضوع مرتبط لايقبل القطع عن الذاكرة المنتمية.

{ { {

.1-        انسنة الطبيعة.. رؤية شعرية ابداعية/أ.د.احمد اسماعيل النعيمي –  صحيفة المؤتمر

2-         ميشال بوتور، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة فريد انطونيوس.

3-         سعيد بنكراد، مدخل إلى السيميائيات السردية .

4-         سعيد بنكراد -السميائيات وتأويل النص الديني