البُعد الكوني للأعمال الفنية لعبد الستار الراوي – بثينة نصيري

البُعد الكوني للأعمال الفنية لعبد الستار الراوي – بثينة نصيري

تجلّى قيمة الإبداع والممارسة الفنيّة  من خلال البحث المفهومي للمعاني والآليات المعتمدة في الانجاز وخلق صور وعوالم مفارقة، الغاية منها التأسيس للعالم، سواء كان ذلك من خلال تفعيل المعنى أوتجاوز هذا العالم، وهوبحث نظري وفلسفي، يكون من خلال الغوص في عالم الفنان والمبدع وتقصّي الأبعاد الفكريّة والنفسيّة والسياسيّة التي ساهمت في إنتاج هذا العمل وإبداعه.

ويعدّ هذا المبحث انفتاحا لامتناهيا للفكر عامة وللفلسفة خاصة من خلال الولوج في عالم المرئي واللاّمرئي والمحسوس والخيال والمخيّلة والألوان والريشة…، وهوعالم مخصوص وسحري يتجاوز الواقع والعقلاني ويتضمن لعوالم مغايرة تتطلّب المساءلة     والبحث، ويتحدّد هذا المبحث بالجماليات وفلسفة الفن.

إن البحث في المقاربة المفهومية للفنان والفيلسوف، هوبحث في مدى إفصاح الممارسة الفينة  عن فكر ومعنى، من خلال انشغال الفنان بتجسيد العلاقة الإشكالية المميزة للإنسان في العالم وفي الواقع، حيث يتراوح الفنان بين التجسيد الفردي التلقائي والمباشر والمستقل والمحقق للحرية والذاتية والتجسيد بما هوذات في المجتمع منخرطة في البعد المدني والسياسي ، وهوما يحيل للجدلية الوجودية  المميزة للفنان، باعتباره مجالا للتداخل  بين ما هوذاتي وما هوموضوعي ، بمعنى يكون الأثر الفني ممارسة متعددة الأبعاد منها ما هووجودي وفكري وعملي سياسي.

* مساعد للتعليم العالي بالمعهد العالي للفنون والحرف بالمهدية، تونس، اختصاص نظريات الفن وفلسفة الفن.

  تتجلّى قيمة الإبداع والممارسة الفنيّة  من خلال البحث المفهومي في المعاني والآليات المعتمدة في عملية خلق الصور و إنشاء عوالم مفارقة، الغاية منها التأسيس للعالم، سواء

كان ذلك من خلال تفعيل المعنى أوتجاوز هذا العالم، وهوبحث نظري وفلسفي وفني،

مجاله الانهمام بالواقع السياسي والتأسيس لوعي نقدي ذوبعد لوني، وهوما نستقرؤه من خلال تأمل الأعمال الفنية للفيلسوف والمفكر السياسي والمبدع عبد الستار الراوي، حيث تكشف هذه الأعمال الفنية عن رؤية مخصوصة، وفكر واع ونقدي للواقع.

يقول عبد الستار الراوي ” أن السفر داخل اللوحة جد مخيف… وأيضًا مخيف هوالسفر بين أشيائها الصعبة وبين ألوانها النازفة وبين عالمها التركيبي… الصعب المراس.. لأنه دائمًا يكون سفرًا مضيعًا قائمًا بنفسه حد الموت… حد النزيف الدموي العارم…”

يفصح هذا القول على دلالة الإبداع  باعتباره غوصا في خفايا الذات والواقع، بمعنى يكون  ” السفر داخل اللوحة ” شكل من أشكال الانكشاف، باعتباره سفرا في ” أشيائها الصعبة  ” وتصفحا لـ ” ألولنها النازفة ” وكشفا لـ ” عالمها التركيبي “، من خلال فك رموز الكينونة و العالم، وهوما يضفي قيمة على الأثر الفني، باعتباره  انفتاحا لامتناهيا مجاله الولوج إلى عالم المرئي واللاّمرئي والمحسوس والخيال والمخيّلة والألوان والريشة…، وهوعالم مخصوص وسحري يتجاوز الواقع والعقلاني ويتضمن لعوالم مغايرة تتطلّب المساءلة     والبحث، وهوفي الآن ذاته رؤية مباشرة للواقع ومغايرة له، تجعل من الفنان ملتزما بقضايا عصره.

يتميز الفنان بما هوخالق ومبدع لقيمه ومعانيه وأفكاره من خلال الألوان والأشكال وخلق فضاء وجودي مخصوص، حامل لرموزه الخاصة، تكون مجال تفكيك وحاملة لرسائل متعددة ومختلفة، ولاسيما إذا كان الفنان ذاته فيلسوفا وله رؤية سياسية مخصوصة وصاحب تجربة دبلوماسية  تلك الرؤية النقدية المجاوزة للواقع والرافضة له، مما يجعل من الأثر الفني رده فعل نقدية للواقع وسعي لتأسيس عالم جديد ورؤية جديد للإنسان والعالم، فيتجلى العمل الفني بما هوممارسة ثورية مجالها التساؤل والبحث والنقد.

اعمال فنية

 ان المتأمل في لوحات عبد الستار الراوي يدرك مدى إفصاح هذه الأعمال الفنية عن حداثها التشكيلية والتقنية، حيث تنخرط في أسس ومقومات الفن الحديث والمعاصر، بما هورؤية جديدة مجالها تحرر الإنسان من السند الميتافيزيقي وتحقيق استقلاليه وتأسيسه لعالمه الخاص، من خلال تجاوز التصور الكلاسيكي للفن، وانخراط الفنان في الواقع والتزامه بقضايا عصره، وهوبُعد ثوري تجلى على مستوى المعاني والصيغ والأشكال والألوان والتقنيات ، مما جعل المجال الفني مجال حيوي قائم على الصراع الماهوي والأنطلوجي والسياسي بين الفنان والأثر الفني. تتمثل الغاية الأساسية من الإبداع الفني في “إعادة خلق العالم” وبناء تصور جديد للواقع، مجاله صياغته لونيا اعتمادا على أسلوب ما، مفصحا من خلال ذلك عن وظيفة الفنان والأثر الفني والمتمثلة في نقل الواقع والإفصاح عنه و الالتزام بقضايا عصره وكشفه لخفيا الذات العميقة بحثا عن المعنى. وتتجلّى إشكالية المعنى من خلال تلك العلاقة الجدليّة بين ذات الفنان وأثره، حيث تختزل هذه العلاقة الأزمة الوجودية في معناها المطلق، ولاسيما أن الفنان يتحدّد من خلال فعل التعريّة وكشف الحجاب عن الأقنعة،والانفتاح على الحقيقة، ضدا لكل أشكال التنميط والتبرير والأدلجة، وبالتالي يتكفل الفنان بمهمة كشفية، تأسيسية للمعنى وللذات وللواقع،من خلال المراوحة بين ” الذاكرة والتذكر”، من أجل خلق فضاء مخصوص للمعنى والقيمة    ” لهذا من المهم أن نعيد طرح سؤال القيمة وأن نفحص من خلال طرق أشكلة الفن غاية المقترحات التي اعتمد عليها للقطع مع التساوي بين انتاجات مختلفة المجالات الفنية “، وفتح المجال للتفرد والإبداع والتميز، من خلال تجاوز التصور الميتافيزيقي للفن القائم على المحاكاة واستحداث طرق تعبيرية جديدة.

وتكون ” أشكلة الفن ” من خلال اعتباره ” الحيز المفتوح للاّمحدد… والذي يصير من خلاله المعنى ممكنا ” ، من خلال المراوحة بين الذاكرة والتذكر والمعنى واللامعنى، حيث ينكشف لنا الفنان في هذا المستوى بما هوالإنسان الوحيد الذي له القدرة على خلق المعنى وإن كان ذلك من اللامعنى، اعتمادا على أسلوبا ما في التعبير لونيا، ولاسيما أن  الأسلوب هوالطّريقة التي عنها يتحقّق الفنان والتّجلي من خلال “تحوّل التّجربة الذّاتية إلى أثر فنّي”، والغوص في عالم الذات المخصوص واستحالة الفنّ ذوتعبير أنطولوجي، وهوما يتراءى لنا منذ الوهلة الأولى لرؤية الأعمال الفنية لـ ” عبد الستار الراوي ” والإدراك البصري لها، من خلال تفعيل دور الفنان في كسر الصمت أورسم ذلك الصمت الصارخ، اعتمادا على ” نمط الإسترجاعات الذهنية الخالصة ”  ويكون ذلك من خلال ” استعماله للسطح الخارجي لللوحة كمجال حيوي يمكنه من العبور نحوالسيطرة الفاعلة على الحركة المهمة للموضوع المطروح ضمن عالم لوحته الرحب أن هى إلا إشارة متميزة للمسيرة الطويلة التي قطعها الدكتور والمتسمة بالتطور المضطرد والإبداع المتواصل والواقع… أن الصفاء التشكيلي في أعمال الدكتور (عبد الستار الراوي) والتكوينات اللونية الجرئية.. (المائية.. الماجك.. والألوان المختلفة الأخري) المحكمة والمساحات التى يحسها المشاهد بأنها تقترب بعضها من البعض الآخر وتتباعد فيها بينها تباعدًا يساعدها على مهمة التكوين اللونى محددًا داخل اللوحة تكاد تكون مترابطة هنا ومتصلة أوأنها منطلقة من نغمة ضوئية واحدة… “، اعتمادا على أسلوبا تشكيليا ما.

بمعنى يكون  الانشغال والتفكير في جوهر الأثر الفني ، هوبالأساس  تفكيك وتحليل ورصد للأسلوب، باعتباره شرط إدراك وتحديد المسار الإبداعي والذي عنه تنبثق القيمة والمعنى، من خلال البحث في المسار الإنشائي للوحة والأثر الفني، ولاسيما أن الإنشائية تتحدد بما هي ” تساؤلا نظريا لمسار الإبداع ” والذي عنه يتضاعف المعنى : فهومعنى خام متضمن في الأثر الفني ومعنى متعدد ولا متناهي في طي الإنشاء والتأسيس والبحث، في كل المعانى المنبثقة من لوحات ” عبد الستار الراوي ” واستحضاراتها المتعددة للذاكرة  التي تخضع لمنظور ما ورؤية ما وتصور ما.

ويرتسم هذا المعنى وهذا الفكر من خلال جملة العلاقات الممكنة بين المبدع وذاته والأشياء والعالم،  استنادا لعامل أساسي ألا وهواستحضار الذاكرة، حيث ” يمثل الأثر الفني دائما هذا البون الذي يقيم بواسطته المبدع علاقة مع ذاته، ومع الأشياء ويطرح سؤال المعنى عبر انفتاحه على العالم ” ، تفاعلا مع كل أشكال العدمية والتي عنها يصبح الوجود وجودا عبثيا، دون معنى ودون قيمة، من خلال تجاوز ذاكرة الحرب والصراعات الاديولوجية والسياسية التي اختزنتها الذات في الذاكرة، خاصة في معرضه الذي قام به في طهران، باعتباره ” أمنيات عراقية مؤجّلة خارج مواعيد الزمن “، في إطار رؤية استشراقية تفاؤلية تحت عنوان ” الغد “.

 ويعتبر المعرض فارقة إبداعية وأنطلوجية تعبير عن خاصية الفنان والفيلسوف والسياسي، مجتمعة كلها مع بعضها البعض، وهوما أختزله الصحفي في منطلق مقاله بقوله ” لا يستمدّ المعرض الذي تستضيفة قاعة نياوران للفنون في طهران قيمته الاستثنائية من طبيعة لوحاته الفنية أوعددها. ولا من قرب تلك القاعة أوبعدها من “صاحب قرانيه” أحد قصور الآسر القاجارية، التي حكمت إيران قرابة مئة وثلاثين عاماً، لتتحول حجراته على يد رضا شاه بهلوي إلى صالات لاستقبال كبار وفود الدول الأوروبية. وعلى خطى أبيه سار الأبن ليسم تلك الرابية ببصماته، فبنى إلى جانبه قصره الخاص قبل رحيله بخمسة عشر عاماً. إلا أن زيارتي ذلك المعرض بددت أهمية التفكير في المكان واللوحات إلى حد كبير، فغدت من العناصر الثانوية مقارنة بشخص الفنان. ولأعترف كنت مدفوعاً، لحظتها، بفضول الصحافي الذي يبحث في تعاكسات الأشياء وتناقضاتها. فجاءت المفارقة على درجات، إذ أن الفنان صاحب المعرض ليس عراقي الجنسية وحسب، وإنما القائم بأعمال سفارة بلده في طهران. وقد دشن بمعرضه هذا سابقة لم تتح لشخص آخر على مدى العشرين عاماً الأخيرة، وقد شهد خلالها البلدان حرباً ضروساً، انطلاقا من نهاية العام 1980 ودامت ثماني سنين، وراح ضحيتها أكثر من مليون ونصف، وخلفت عدم ثقة بين البلدين مازالت قائمة حتى الآن. وإضافة إلى الخراب الذي ضرب ركائز البلدين الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، فقد تركت تلك الحرب مراراتها في أفواه من الأسر الإيرانية والعراقية على حد سواء “

طابع اشكالي

يكشف لنا هذا القول الطابع الإشكالي الذي يسم الأعمال التشكيلية لـ ” عبد الستار الراوي “، والتي من خلالها يكون الأثر الفني انفتاحا للذات على ذاتها وعلى ذاكرتها وخلق فضاء مخصوص للذات تشكيليا ولونيا ورمزيا استنادا لـ “لازمة  فنية ” ألا وهي  ” الكرخ “، باعتبارها إطار مكاني مخصوص، متضمن لذاكرة ما، له وقع أنطلوجي على ذات الفنان وإبداعاته المختلفة، ومن هذا المنطلق يمكن رصد المعنى  والبعد الرمزي للمكان، حيث هناك تجسيدات فنية عدة في شكل لوحات تشكيلية مفعمة بالألوان والرموز التي تحيل لموطن روح الفنان،  ” الكرخ ” ، فـ ” المدينة عند عبد الستار الراوي هي المكان بروحه ، أوالروح في المكان، وهكذا نجد أستاذ الفلسفة يوحد بين العقل والعاطفة كخلاصة لجدلية الأشياء ، انه لا ينفي قانون نفي النفي ، بل يشخص لنا بالشعر العذب والرهافة وبالأخلاق الرفيعة ، إن الوحدة بين الحلم والحالم هي الشكل الموحد بالجوهر ، فلا ظاهر بلا أبعاد أومحركات أكثر عمقا وقوة في محركات الوجود ـ إن لوحاته هي المرئي المتحرك الداخلي ، حيث لا تشكل المرئيات إلا داخلها”  بما هي مجال استلهام شعري، حيث ضمن الفيلسوف الفنان شعرية لغوية ، فكان النص الشعري لـ ” عبد الستار الراوي “.

إن تحقيق هذا الحوار والتعايش بين المكان وآثاره على الذاكرة  هوالرّهان الأساسي الذي عنه يتجلّى المعنى ويعاش ويجسّد أنطلوجيا حسية مجالها اعتبار الإنسان ذاته أثر فنّي، حيث أن ” تعدد  القيم الجمالية مرتبط باستقلالية الأثر الفنّي. أصبح هذا الأخير مشيّدا للقيم منذ اللحظة التي صار فيها موضع تعدّد المعنى، يتحرّر، هكذا، الأثر من واحدية  ومن تبعيته لنظرية المعرفة أوإلى أي ايديولوجيا أيا كانت. يمثل هذا الانفتاح خاصية الإبداع الفني، موطن إنشاء المعنى ”  وإن ما يميّز هذا المعنى هوأنه كشف وانكشاف، يتراوح بين الظهور والتخفي، فهوجدلية أنطلوجية، يتحقق من خلالها الأثر الفني وتتفعّل قيمة التجربة الفنية.

ان المتأمل في اللوحات الفنية والتشكيلية يكتشف الزخم الهائل من الرموز الحاملة لها والمتضمنه فيها، حيث يكون العمل الفني ملغم بالمعنى والرموز التشكيلية، من ذلك هذه اللوحات، حيث يمثل اللون الأسود الحامل للشكل ومتضمن له مع إضافات لونية تعاكسية،     معبرة عن تباين تناغمي بين الألوان، يحمل في طياته إحالات  سيمائية متعددة ومختلفة.

  إن مختلف هذه العناصر التشكيلية يمكن أن تكون مجال تكرار ومعاودة بطريقة مباشرة أوغير مباشرة، لترحل بنا إلى عالم الروح الذاتي وعلاقته بالمكان والذاكرة والتذكر، ذلك أن ” أن إهتمام الراوي بإستعمال السطح الخارجي لللوحة كمجال حيوي يمكنه من العبور نحوالسيطرة الفاعلة على الحركة المهمة للموضوع المطروح ضمن عالم لوحته الرحب أن هى إلا إشارة متميزة للمسيرة الطويلة التي قطعها الدكتور والمتسمة بالتطور المضطرد والإبداع المتواصل والواقع… أن الصفاء التشكيلي في أعمال الدكتور (عبد الستار الراوي) والتكوينات اللونية الجرئية.. (المائية.. الماجك.. والألوان المختلفة الأخري) المحكمة والمساحات التى يحسها المشاهد بأنها تقترب بعضها من البعض الآخر وتتباعد فيها بينها تباعدًا يساعدها على مهمة التكوين اللونى محددًا داخل اللوحة تكاد تكون مترابطة هنا ومتصلة أوأنها منطلقة من نغمة ضوئية واحدة “، استنادا لعناصر لونية مخصوصة.

وتكمن قيمة هذا الغوص في ذاكرة الطفولة ورصد عناصرها التشكيلية واللونية يحيلنا إلى ” المكان – الكرخ ” وخصائصه الروحية في ذات الفنان، وهوما كان مجال تجسيد تشكيلي في عدة أعمال فنية، من ذلك هذا الحوار التشكيلي بين الفضاء والشكل والخط والكلمة واللغة العربية، المُعبر عن الهوية والخصوصية، محققا من خلال ذلك تجانس لوني مخصوص، من خلال اكتساح اللون الأسود للفضاء اللوني للوحة، والذي عنه يكون الشكل ويتكون فضاء المدينة.

تكمن خصوصية التجربة الفنية لـ ” عبد الستار الراوي ” في ذلك الالتحام الاستلهامي بين التعبير التشكيلي والتعبير الشعري، من خلال الانشغال ذات الفنان بالتعبير عن القيمة السّحرية للـ ” الكرخ “، من خلال تتالي الكلمات الشعرية حولها لتكشف عمق معنى المكان ومدى عمق معانيه في  ” ذاكرة الراوي “، وهوما يمكن اختزاله في هذه الكلمات الشعرية تحت عنوان ” فردوس الكرخ، أيام الطفولة الأولى”:

في البدء

خلقَ الله الماءَ، الحبَ، فكان الكرخْ،

قمراً أخضرَ يسبحُ في ماء العينْ

يشرقُ في الروح.. وفى قلبِ الكونْ

إيثارًا للآخر.. إعلاءً للإنسانْ

حبًّا للناس، كلَّ الناس،

للأرض، للوطن، ولمجد الـ (نحنْ)

منذ الأزل .. ونوارس خضر الياس تعدو..

.. فوق القلب

وعلى جسر الكرخ.. ينتظر العشاق الفقراء

يتولى عُرس الدم

فيطلُّ من فردوس الخلد الشهداء

تفصح هذه الكلمات الشعرية عن وعي الفيلسوف – الشاعر بموقع المكان – الكرخ  ومدى ارتباط كينونته به، وهوموطن الوجود وما بشرطه تكون ذاتيته المخصوصة، ويكشف ” الراوي ” من خلال هذه الكلمات موطن الوعي وكونيته

تحيل هذه الهمسات الشعرية عن العمق الفني المميز لذات الفنان، باعتباره يرسم من خلال كلماته الشعرية  ” روح الكرخ ” ويجسد من خلالها لوحة فنية في شكل كلمات، مما يفتح المجال للتواصل بين الممارستين الفنتين: تكامل الفنان التشكيلي والشاعر، حيث يشكل من خلال الكلمات ألوان لوحاته الفنية.

تتجلى فرادة التجربة الفنية لـ ” عبد الستار الراوي ” في ذلك الالتزام الواعي بقضايا وطنه  المجروح  والبُعد السياسي، حيث لا تختزل تجربته الفنية في الإفصاح عن البعد الذاتي      وخوالجه المخصوصة وإنما في مدى انشغاله بقضايا الوطن.تكمن القيمة الأساسية للتجربة الفنية  لـ ” عبد الستار الراوي ” هوذلك الانهمام بمشاغل الحياة اليومية والسياسية منها خاصة، ولاسيما انه منخرط في الفعل السياسي وعاش التجربة الدبلوماسية، بمعنى يكون ” الراوي ” شاهدا على الواقع السياسي والصراع المميز له، بل أكثر من ذلك الوعي بقضايا عصره وانشغاله بالمسائل السياسية، باعتباره مواطنا وسياسيا منخرط في الواقع ومتفاعل معه.

إن المعنى الحقيقي للمواطن لا يتجسد من خلال التعريف السياسي له، الإنسان بما هوفرد منخرط مع المجموعة من أجل تأسيس مجتمع مدني قائم على جملة من المؤسسات وعنهما بتجسد الإنسان بما هومواطنا حرا محقق لشروط العيش سويا سياسيا

. ان المواطن بالمعنى الحقيقي لا يتحدد في المجال السياسي المحدود  والمقنن والضابط والذي يؤدي ضرورة إلى تغريب الإنسان واختزاله في رؤية وحيدة، حيث يميز الفنان بما هوحامل للمعنى ومجسد له ، حيث تكون الممارسة الفنية مجالا للانفتاح على الذات وعلى الآخر، والوعي بالقضايا السياسية، فيصبح العمل للفني وسطا تأسيسيا للمواطنة في أبعادها المختلفة .

تنكشف لنا في هذا المستوى، الممارسة الفنية بما هي فضاء للتعبير عن الهوية الحقيقية للمواطن – الفنان ومدى انشغاله بقضايا عصره، والتعبير عن القيم الإنسانية المطلقة سواء كان ذلك شعريا أولونيا.

إن ما يميز كل من الفيلسوف والفنان والمواطن هوأنهم يسعون إلى خلق وجود مغاير للواقع وتأسيس المعنى الحقيقي للوجود ، مما يضفي بُعد على الممارسة الفنية، باعتبارها لغة تشكيلية بالألوان والأشكال وحاملة للمعنى مجالها  الحرية والإنعتاق.وانطلاقا من ذلك، ينكشف لنا الفنان الفيلسوف والفيلسوف الفنان ، ليؤسسا للمعنى الحقيقي للمواطن بما هوكائن حر ومستقل فاعل ومبدع في الوجود.

نتبين من خلال ما تقدم، خصوصية التجربة الإنسانية للفيلسوف والشاعر والفنان التشكيلي والسياسي عبد الستار الراوي، حيث تتفاعل مختلف هذه العناصر الوجودية لتؤسس لأثر فني مخصوص سواء كان ذلك في الفكر الفلسفي أوفي الأعمال التشكيلية وأشعاره، لتفصح من خلال ذلك عن شعريّة مخصوصة ومسار إبداعي متفرد، يرنونحوالحرية والإعلاء لقيم إنسانية كونية.

قائمة المصادر والمراجع

-1رشيدة التريكي، الجماليات وسؤال المعنى، مؤلف صدر باللغة الفرنسية سنة 2001 في باريس، وترجم إلى اللغة العربية سنة 2009 من طرف  الأستاذ والباحث إبراهيم العميري

-2حامد الهيتي، فردوس الكرخ، مغامرة أخري للإرهاصات، مغامرة أخري للوداعة

 جريدة العراق ، 1/4/ 1999

-3ويزمان، دني، علم الجمال ، ترجمة ظافر حسن،1975

-4 عبدالستار الراوي، فردوس الكرخ (أَيَّام الطُفولة الأُولى). دارالشؤون الثقافية.  بغداد 2000

 -5عادل كامل، جريدة العراق، بغداد، 11-6-1998

-6فيصل عبد الله، عبد الستار الراوي يعرض في طهران، أمنيات عراقية مؤجلة خارج مواعيد

-7الزمن، جريدة الحياة اللندنية،4-3-2000? رقم العدد  13507                                       7-Délco, Alessandro, Phénoménologie et peinture, Merleau-Ponty, à l’école de Klée, in archives de philosophie, oct-dec 2002, Tome 65, cahier 4