قصة قصيرة
البنت فيحاء
عاد احمد من الكلية وهو يسارع الخطى ليصل الى البيت .. وهو يتلهف لرؤية تلك الانسانه التي دخلت حياته وعشعشت في اعماقه ولم تكن تلك الانسانة الا ابنة جارهم العسكري المتقاعد الذي يقضي جل اوقاته في المقهى للعب (الدومنه) مع امثاله من المتقاعدين او العاطلين من كبار السن .. وكانت فيحاء هذا هو اسمها في العشرين من العمر وعلى جانب كبير من الجمال والكمال والحيوية .. فكانت دلوعة سريعة البديهية ذات وجه بسام لاتفارق الابتسامة شفتيها .. حلوة الحديث.. وفي صوتها بحة مما زاد ذلك من جماليه صوتها .. كل هذه الخصال جعلت احمد يهيم بها حبا بعد ان استطاعت ان تعزف على اوتار قلبه واحاسيسه .. وكان هو بالمقابل شابا دمث الاخلاق جادا رزنا وعلى جانب من القبول وفوق كل هذا كان فائق الاناقة , احمد كان يكبرها بخمسة سنوات تقريبا , وفضلا عن دراسته بالكلية فانه موظف في المجال الطبي ويمارس هواياته في المطالعة فضلا عن دراسته للحقوق .. ومن هواياته ايضا رياضة التنس , وتعود احمد في كل يوم ان يصعد الى السطح لمراجعة دروسه .. حيث يجلس على السرير ويفرش امامه كتبه ويقرا ويكتب .. ثم يأخذ كتابا بيده ويدور في السطح ليحفظ دروسه .. اما فيحاء فكانت تسكن الدار المجاورة لهم مباشرة .. وكان يراها وهي تنشر الملابس على الحبال .. وكان السياج الفاصل بينهما ليس عاليا ولايتعدى ارتفاعه على المتر مما سمح ذلك بان يراها وهو جالس على السرير .. كما هي كانت تراه وهو جالس على السرير للدرس وما ان تصعد حتى تبادله التحية ..
وما ان وصل احمد الى البيت حتى وجد ام فيحاء في زيارة لوالدته فبادرها بالتحية وكانت هي بدورها متعجبة بأحمد واخلاقه وكثيرا ماتساله عن دراسته واحواله وكان يجيبها مشكورا , فتدعوا له بالخير والبركة والتخرج , ومن خلال زيارات ام فيحاء لهم عرف كل صغيرة وكبيرة وعن هذه العائلة الطيبة المسالمة حيث كان والده عسكريا برتبة نائب ضابط متقاعد وله ستة بنات وولد واحد هو الاصغر بين اخواته اما ترتيب فيحاء بين اخواتها فكانت الثالثة , اما ام احمد فكانت كثيرا ماتشير عن رغبتها بتزويجه من ابنة الحلال .. وكانت ام فيحاء تعتبر هذا الكلام امامها بان ابنة الحلال لابد وان تكون احدى بناتها ..
وكانت ام احمد فعلا هذه هي غايتها بعد ان عرفت ان ابنها كثيرا ما يسأل ويستفسر عن فيحاء واخبارها واحوالها .. وتتواصل خيوط ذلك الحب على السطوح فكانت النظرات كفيلة في ايصال الكلام بينهما عندما تتعطل لغة الكلام . حتى كان ذات مساء فسالته :- ماذا تقرا .. فاجابها : الايام لطه حسين .. فقالت :- اه انها قصة رائعة وعاد ليسألها :- وهل انت شغوفة بالمطالعة مثلي فقالت : بل انا اكثر منك , لان عندي مجال للمطالعة فلهذا لا اترك القصة الا بعد انتهي منها تماما .. فاجابها :- عظيم مع اني اراك لاهية باعمال البيت فضلا عن دراستك .. فقالت :- كل شيء عندي بنظام فساعات الليل هي من استفاد منها في المطالعة اما ماعدا هذا فهو لدراستي واعمال البيت .. واراد ان يعرف ماذا تقرأ حتى يرسم شخصيتها من خلال ماتطالعه من كتب فراح يسألها :- واخر كتاب فرغتي منه.
فقالت :- ديوان شعر لعباس ابن الاحنف وايضا لأبو نؤاس .. فقال :- ولماذا الاثنان معا .. فقالت :- لانهما متشابهان في الرؤية الشعرية تقريبا فقال :- لاشد مايفرحني ذلك .. فانا املك مجموعة .. كبيرة من الكتب بامكانك الاستعارة مني ماتحبي مطالعته
فقالت :- وانا اشكرك ياسيدي .ومن هنا امتدت اواصر المحبة بينهما .. وكانا يتبادلان الاحاديث من خلال تواجدهما على السطح .. ولكن رغم مرور الايام لم يصارح احدهما الاخر بحقيقة مشاعره رغم ان العيون قد سبقت لغة الكلام .. وفضحت كل مهما حقيقة ماتكنه القلوب لبعضها .. فما ان تعود فيحاء من الكلية حتى تترقب للحظات التي فيها ترى احمد وقد صعد الى السطح .. وكم كانت تتمنى ان يصارحها بما يكن لها من حب ومشاعر .. اما عنها فانها تحبه الحب كله ووجدت فيه فتى الاحلام والانسان الذي بامكانها الاعتماد عليه لحكمته ورجولته ودائما كان حديثه هادئا منمقا يدخل العقل والقلب بسرعة البرق .. فكل شيء فيه كان مهضوما مقبولا .. اما على صعيد احمد فكان اكثر منها تلهفا الى لقائها والعيش لحظات معها فكانت تدغدغ احساسيه ومشاعره .. حتى انها قد استطاعت ان تخطف النوم من عيونه .. فكلما خلد الى النوم يرى طيفها وقد هيمن على مخيلته فيطلق لها العنان لتجول وتصول حسنها وجمالها وعذب حديثها .. وكان يبتسم وهو يتذكر ضحكاتها وتعليقها اللاذع لبعض احداث الروايات .. ثم يعرج على ماتحمله من جمال يفوق الخيال .. فكل مافيها كامل التكوين .. ويغمض عينيه ويحلم انه يقبلها تارة .. ويطوق عنقها تارة اخرى .. وثالثة وهي بين احضانه .. ليرشف منها ماينعش روحه وقلبه .. ثم يحاول ان يطرد هذه الافكار من مخيلته ويذهب بعيدا عنها ويفكر بالحصول عليها كزوجة .. رغم انه ليس هناك من عائق امامه الا انه متخوف من الامر لشدة حبه لها .. وكان هو الاخر ما ان يفرغ نفسه للدراسة حتى صعد الى السطح ويبقى بانتظارها .. ويعد اللحظات لرؤية وجهها الحبيب الذي يشع نورا يضيء روحه ونفسه .. وما ان يراها حتى يثلج قلبه فرحا برؤيتها , وكان لقاء حميما .. ولاول مرة تمتد يده ليمسك يدها وعينيه في عيناها وشفتاه حائرتان كيف سيبوح لها بسر قلبه واخيرا لملم نفسه ليقول لها :- فيحاء اريد ان ابوح لك بسر .. فاجابته ضاحكة :- وما هذا السر الذي يجعلك ليس على بعضك .. فابتسم قائلا :- هناك امران اود اطلاعك عليهما .. قالت :- وما هما .. فقال :- الاول يا انستي العزيزة اني غرقت في بحور حبك .. والثاني اني اريدك واتمناك ان تكوني زوجة لي واما لاولاي . فقالت :- اخيرا نطقتها .. انا اعرف حقيقة مشاعرك وكل مايجول في قلبك وخاطرك .. واني ايضا ابادلك نفس المشاعر وربما اكثر منك. فقال مقاطعها وهو اكثر جدية :- فيحاء حبيبتي ..لم اعد قادرا على بعادك ولهذا قررت ان اعمل على خطبتك .. اليوم قبل الغد .. وسارتب الامور لذلك
فاجابته :- وهذا غاية ما اتمناه .. واحلم به . وما نزل احمد ذلك اليوم من السطح والدنيا لاتكاد تسع فرحته نادى على والدته ليطلعها على الخبر . بانه راغب بالزواج من فيحاء وعليها ان تطلع والدهم على الامر ومفاتحه ام فيحاء بذلك حتى تهيأ لهم الامور .. واستبشرت والدته بهذا الخبر السعيد . فان غاية ماتتمناه ان ترى ولدها البكر وقد تزوج .. ومرت ثلاثة ايام تم في خلالها اعلام اهل فيحاء بالامر على ان يكون الموعد مساء هذا اليوم للذهاب لخطبتها وحضر اعمام احمد ليكونوا معه في خطبته وكان احمد رغم سعادته هذا اليوم الا انه قلق جدا ولايكاد يهدئ له بال . وفي غرفة استقبال بيت فيحاء كانت تغص بالرجال من اهل احمد ومن اهل فيحاء .. وبعد التعارف وكلمات المجاملة . فتح ابو احمد الموضوع وطلب يد فيحاء لابنه احمد ووافق ابا فيحاء ووضع شروطا للموافقة وتمة الموافقة على كافة الشروط الا شرطا واحدا وهو استقلال احمد في دار الزوجية .. وبعد مجادلات وقناعات رضخ ابو فيحاء اخيرا وتم قراءة الفاتحة وتعالت الزغاريد وسط توزيع العصائر وصحون الكيك .. وهدأت نفس احمد وسكنت الفرحة قلبه .وبعدها انشغلت عائلة احمد بالتهييئ للزواج وتجهيز غرفة النوم وملحقاتها وكل ما يلزم لاتمام هذا الزواج الميمون , كما سنحت الفرصة لاحمد وفيحاء بالالتقاء بحرية وسنحت لهما الفرصة بالخروج معا وتناول العشاء في احد المطاعم .. وكان التقارب بينهما كبيرا .. وتم تحديد موعد الزفاف يوم الخميس ولم يبق الا يومان على الزفاف , وكان اليوم الموعود والعروسة بثياب الزفاف وكانها ملاك وهي بجمالها وحسنها قد زادت من روعه فستانها وانبهرت بها النساء قبل الرجال , واحمد يتلو مع نفسه ايات قرانية ليكلل هذا الزواج بالخير والبركة .. وحضرت السيارات للزفاف وسط الزغاريد والموسيقى الشعبية التي تعزف الاغاني الخفيفة التي تلائم المناسبه وتجعل الجميع في حاله راقصة , وخرجت العروسة برفقة احمد ليصعدا السيارة المخصصة لهما وقد تم تزينها بالورد والاشرطة الملونة .. وفجأة تعالة صوت عيارات نارية وبرز عدة شبان يحيطون بسيارة العروس .. ويطلبون من احمد الترجل من السيارة .. وسارع من كان في الزفاف ليطلعوا على مايجري .. وسألهم احمد :- ماذا تريدون .. فاجابه احدهم قائلا بعصبية :- اسمع هذه ابنة عمي واني احذرك من الزواج منها .. وعاد احمد ليسأله :- واين كنتم كل هذه المدة..
فاجابه :- لم نسمع بالامر الا بالامس .. وتدخل الحاضرون من كبار السن لاحتواء الامر والسيارات لازالت واقفة .. والمفاوضات جارية على قدم وساق للوصول الى حل مناسب .. واخيرا وبجهود مضنية تم الوصول الى حل وسط وهو قيام اهل احمد بكافة تكاليف زواج ابن عم فيحاء من اي انسانه يريدها .. وتم التعهد بذلك من قبل اهل احمد واهل فيحاء وما ان انتهى هذا الاشكال حتى عاد الجميع .. لاحتفالهم بزفاف احمد وانسابت السيارات في شوارع بغداد حتى الوصول الى الفندق .. وهناك تم تقديم التهاني لاحمد وعروسه وتركوهما لوحدهما وعاد الجميع .. واختلى احمد بعروسته الجميلة .. وجلس قبالتها ساكنا وهو ينظرها بعين فاحصة وتناول يدها قائلا :- الحمدلله .. اخيرا فزت بك لتكللي حياتي وايامي بحبك وجمالك .. وطبع قبلة على انمالها .. وبادلته هي بالمثل وكان عناقا حارا .. اذاب كل مخلفات الشوق والحنين .
محمد عباس اللامي – بغداد























