

البرخانة والبراخين والبرخانجية في الموصل
– ابراهيم خليل العلاف
وأنا أتحدث مع الاخ الشيخ محمد عارف الشيخ علي العزاوي عن أمور الموصل ، وما شهدته من اوضاع ، وما مر عليها من أحداث ، جاء ذكر (البرخان) و(البراخين) و (البرخانجية ) فقلت له إنه موضوع مهم له علاقة بإقتصاديات الموصل، وتجارتها وخاصة في العصر العثماني الممتد من سنة 1516 الى سنة 1918 .
وقد سبق لي ان اطلعت على ما كتبه الاخ مقدم الشرطة الاستاذ فالح السيد احمد، والذي عمل في شرطة الكمارك لسنوات طويلة ، عن ما أسماه (البرخانة والتغريب) في مجلة (التراث الشعبي) العراقية العددان ( 7 و8) لسنة 1971. وقد استعان بالشيخ صالح عبد الرحمن ، والذي عاش لسنوات مع البراخين ، وبالمفوض المتقاعد السيد بدري هادي الجبوري والذي كان يعمل في شرطة الكمارك . كما استعنت بالشيخ راكان محمد الشيخ علي العزاوي .
أقول أن القوافل التجارية بين المدن العربية ، والمدن العراقية ، كانت قديمة قدم التاريخ . وقد تنوعت بتنوع أهدافها ، وغاياتها ، واكثرها القوافل التي كانت تتنقل مثلا بين العراق وسوريا أو بين العراق ومدن الخليج العربي . وأهم ما كانت تنقله الاغنام ، والمواشي ، والجمال ، والخيول وكانت في الموصل تسمى (البرخانه) ومن يشتغل بها كانوا يسمون (البرخانجية ) وهذا ما سوف اتحدث عنه الآن .
جيل حاضر
وللأسف هذه المهنة البرخانجية أي اصحاب البراخين ، اندثرت لا بل وزالت من الوجود ويكاد الجيل الحاضر لا يعرف عنها شيئا .
من هم البرخانجية ؟ وما هي مهمتهم ؟ ولماذا اندثرت مهنتهم كما اندثرت مهن كثيرة منها (مهنة العلافة ) و(مهنة النعلبند) وغير ذلك من المهن والحرف.
وابتداء اقول كلمة (البرخان) تعني بالفارسية ( النصيب) ..وكان التجار واصحاب رؤوس الاموال يستثمرون أموالهم من خلال تربية وشراء قطعان الماشية والاغنام من دول ومناطق آسيا الوسطى . ومن يقوم بذلك تاجر يسمى ( المسواكجي ) ، وهو الشخص الذي يذهب الى القوقاز ، وايران ، والباكستان ، وافغانستان ومختلف دول هذه المناطق . وكان المسواكجي والمسواكجية ، يشترون الاغنام من النوع العواسي ، والنوع الكرادي وبعد الشراء تبدأ رحلة السير بالأغنام الى ان تصل اطراف مدينة الموصل .
للبرخانة علاقة بما يسمى (التغريب) ، فهناك مثلا الاغنام التي يُجنى منها الصوف واللبن والدهن ، وتتوالد ، فتباع ذكورها وتبقى اناثها لتلد وتتكاثر .. واصحاب التغريب يشترون هذه الذكور ، وتتجمع الاغنام الذكور المشتراة ، ويطلق على ابن السنة التي سبقت (كركور ) ، فإذا تجمع منها (250) رأس استلمها راعٍ ، وهذا العدد من الاغنام يسمى (الكشتار) وتبقى الكشاتير ، ترعى حتى يحين موعد بدء التغريب . وهذا الموعد هو بعد سقوط امطار الخريف مباشرة حيث يقال عند ذاك انها ( انوسمت ) اي بدأ موسمها ، لتغريبها اي لنقلها الى الجزيرة والشام .
تتجمع القطعان ، ويتألف القطيع من (500) خمسمائة رأس من الخرفان والنعاج ومختلف المسميات ويقود البرخانه شخص واحد يحدد عدد القطعان ، ويحدد خط السير ، ومناطق الرعي ، والنزول ، والاقامة ، ومعظم البراخين تتجه الى بلاد الشام وهي سوريا ولبنان وفلسطين والاردن . لنتساءل الان وما هي مكونات البرخانة ؟ ، فأقول انها تتألف من (الخيالة) و(الجمالة) و(الرعيان ) و( السراكيل). والسركيل جمع (سركال ) وهم المسؤولين عن الرعيان ، وهناك الطباخون فضلا عن الحراس المسلحون بالبنادق . وفيما يتعلق بالخيالة ، فهم سائسو الخيل ، ومربو الكلاب التي ترافق البرخانه .. وثمة من ينصب بيوت الشعر وهناك (الادلاء ) و(السعاة) ووظيفة السعاة نقل الاخبار من الموصل الى المدن التي تتوجه اليها القافلة وبالعكس .
تشير بعض المدونات التاريخية الى ان البرخانة كلمة تركية أصلها عربي مؤلفة من مقطعين هما ( البر) و ( الخانة). والخانة (مكان) بمعنى ان البرخانة (خان البر ) ليست الا (خانا) متنقلا ومفتوحا .
ومن يتوجه للعمل في هكذا مهنة ، لابد وان يكون متضلعا بقضايا التجارة ، ويفهم بالأسعار ، وتقلباتها وهؤلاء البرخانجية ، يقومون بشراء الحلال من الاغنام، والابقار ، والماعز ، ومن مختلف المناشيء في الدول المجاورة وخاصة أغنام العواسي والكرادي .
طبيعي تجار الموصل ، كانوا يتاجرون بما يجلبونه من اغنام ومواش . فضلا عن ما عندهم من هذه الاغنام ؛ فالأغنام العراقية كانت وما تزال لها رواج كبير في الاسواق العربية وخاصة بلاد الشام نظرا لخصائص لحمها الشهي ، واقصد الاغنام ذات ( الليه ) . واهل الموصل كانوا ، ابا عن جد ، تجار ومربون بارعون للأغنام العواسي .
الذي اريد ان اقوله ان تجارة البرخانه ، تحتاج الى اموال ، وجهود .. وثمة عناصر تتألف منها هذه التجارة ؛ فهناك اولا مصدر التمويل للبرخانه ؛ فهذه البرخانه تحتاج – كما قلت – الى رؤوس اموال كبيرة ، والصيغة المتفق عليها والتي كان يتبعها البرخانجية هي صيغة (القراش ) ، و ( الكتاف) وبعبارة اخرى ان هناك من يعمل بفلوسه ، وهناك من يعمل بكتفه وجهده .
ومن أبرز (القراشين ) بيت نجيب الجادر ، وبيت الشيخ علي العزاوي ، وبيت العثمان ، ، وبيت السمان ، وبيت جليميران ، واغوات باب البيض وخاصة يونس اغا الحيالي . كان هناك (المسواقجية أو المسواكجية) ، أي الذين يقومون بالتسوق ،والسفر الى دول عدة لجلب الاغنام ، وتربيتها ، واعادة تصديرها ومنهم من يشتري من الاسواق القريبة المجاورة للموصل ومنها اربيل ، وعقرة ، والجزيرة .
ولابد ان نتساءل عن وقت البرخانه .. واقول ان وقت البرخانه المثالي يبدأ في شهر ايلول اي في الشهر التاسع من السنة ، حيث الخريف وهناك فترة الاعداد للتحرك الذي يكون في اواخر شهر تشرين الثاني.
يبدأ قائد البرخانه أي المسؤول عن البرخانه ، بتحقيق جملة من الترتيبات والاتفاقات مع العشائر التي يمر بديرتها ، وبهدف تأمين الطريق . وكانت اكبر عشيرة يتم الاتفاق معها هي (شمر ) التي كانت تأخذ رسميا على كل قافلة تمر بديرتها مبلغا يسمى (خوة ) والتي حرفت فيما بعد الى (خاوة ) ؛ فالخوة تجعل شمر مسؤولة أمنيا عن القافلة حتى تعبر ديرتها . ويكون قائد البرخانه أو البرخنجي مسؤولا ايضا عن تهيئة متطلبات الاشخاص والبيع وتحويل الاموال . وكما سبق ان قلت ، لابد ، وان يكون تاجرا ذو خبرة ، وله تاريخ في الصدق ، والامانة والشجاعة ، وقد ورث المهنة أبا عن جد.
وكانت قيمة (العيب) من القيم التي يلتزم بها التاجر الموصلي فلا يمكن – مهما كانت الاسباب – ان يفرط بسمعته . كان كما نقول في الموصل حتى يومنا هذا (يُعيب العيب) ، فسمعته ، وسمعة اسرته لا بل سمعة الموصل محط متابعة وتقدير من الاخرين الذين يتعاملون معهم . كانوا يُمسكون من لسانهم ، ولا يمكن لهم ان يتراجعوا عن البيع والشراء مهما غلت او رخصت الاسعار التي اتفقوا عليها .
اقف قليلا لأتحدث عن ( الجمالة ) ، والجمالة هم اصحاب الاباعر التي تحمل المؤن والحطب والخيم وغير ذلك من التجهيزات ….. والجمالة يكونون في المقدمة .
أما الخيالة ، فينقسمون الى اقسام ؛ فمنهم من يستطلع الطريق ، واختيار مكان للتوقف فيه للاستراحة .. وهناك من يقوم بالحماية : حماية القطعان ، وعادة ما يكونون من عبده – شمر.
يتراوح عدد قطعان البرخانه من الكشاتير ما بين 400-500 راس من الغنم. وللقطيع راعيان احدهما يسمى (مرواس ) ، ويكون بالمقدمة وهو يحدد اتجاه القطيع . وثانيهما يسمى (الملحاك) ، ويكون في موخرة القطيع ، ومهمته المحافظة على الشاردة والواردة من القطيع .
ومن الطبيعي ان يكون مع كل قافلة ، الخباز و(البرد َسجي) الذي يعاون الخباز ، ويرافق البرخانة عدد من الكلاب المدربة ، ومعهم عدد من الرعيان ووظيفتهم الحفاظ على القطيع من الشرود الجانبي والوحوش البرية ليلاً .
والبرخانة تتألف من 8 قطعان الى 40 قطيعا حسب التمويل .. واخير لايمكن ان تستغني القافلة البرخانية عن (الحطابين) ، ومهمتهم ، تامين الشعلة الليلية للقطعان والحطب للطبخ . وهناك (السقا ) ويكون مسؤولاً عن توفير الماء للقافلة ، وتدقيق مدى نقاءها وصلاحيتها للشرب . وقد تضطر القافلة الى حفر بئر للمياه خاصة اذا وجدوا ان هناك مياه جوفية قريبة على السطح .
واخيرا لابد ان نقول أن (السركال) يكون فارسا خيالا يرافق القافلة ، ويكون مسؤولا عن الجميع وعن تموينهم بالأرزاق خلال فترة المسير.
ان من الامور التي لابد من الحديث عنها ، أنه ، وقبل ان تبدأ عملية التسوق ، يفتح موقع يسمى (موقع الاجتماع) ، ولهذا الغرض ينصب بيت شَعر في منطقة عداية ، وتبدأ القطعان بالتوافد ، والتجمع الى ان يكتمل النصاب ، وعندها يتوكلون على الله وبركته ، فيتحركون الى هدفهم المقصود .
كلاب مدربة
اما اشهر العشائر التي يعمل ابناؤها رعاة فهم ، الحديديون ، ثم الجرجرية ، والجحيش ، والشبك ، والاكراد .وهذه المهنة مربحة ويتعاقد (القراش) مع ( الكتاف) او صاحب الغنم من غير سند او كتاب بل على الثقة ، ويتكرر التعاقد لسنوات ، ويتنافس الرعاة في رعاية الغنم ، ومداراتها بحيث يتباهى الرعاة الذين تباع اغنامهم بسعر أعلى ، ويباهي احدهم الاخر بعبارة (الميعاد حلب ) .
واهم مناطق التغريب عداية ، والثرثار ، وتل عبطة ، والخصاب ،والدرسة ، والمنايف .
ولا ننسى انهم يضعون علامات فارقة في كل رأس غنم مثلا ، ويكون لون العلامة اسود ، واشكال العلامة تختلف ، وهي من القير بعد تذويبه ولكل تاجر علامة خاصة به.وكما هو معروف ، ومتداول ؛ فإن هناك طريقان للبرخانه أولهما طريق رسمي. وثانيهما طرق غير رسمي فالطريق الرسمي ، كان الطريق المعروف في مطلع القرن العشرين حين سيطر الاستعمار البريطاني على العراق والاستعمار الفرنسي على سوريا في السنوات الاولى من القرن العشرين ، وكان البرخانجية يدفعون الرسوم المحددة عند الانتقال من العراق الى الشام . ويقينا ان الطريق الثاني وهو طرق التهريب حيث تتعمد القافلة ان لا تدفع لسلطات الاحتلال البريطاني والفرنسي أي شيء . طريق البراخين كان هو طريق الموصل – ربيعة – حلب وطريق الموصل – سنجار او طريق البعاج – راوه – الشاميات -حلب ومركز البيع يكون في حلب بسوريا وبعدها فلسطين ولبنان والاردن ومصر.وتباع اغلب الابل والخيول في مدن الشام ، ويبقى قليل منها للعودة بأقصر الطرق محملة بالهدايا والاقمشة الفاخرة ،وقد يترك جزء من المبلغ لدى الصرافين الذين يمولون التجار العراقيين ، ويطلبون دفعها الى تجار الاغنام عوضا في الموصل ، وهكذا كما تفعل المصارف ، وبثقة شخصية وعند وصول الموصل يتفرق الرعاة الى اهليهم بعد اتفاقهم للعمل في الموسم القادم مع الامل والرجاء بموسم خصب .
من ابرز الاسر الموصلية التي امتهنت مهنة البرخانة اسرة ال الشيخ علي العزاوي كانت لها برخانه ، وهناك برخانة بيت دبدوب ، وبرخانة بيت حساوي، وبرخانة بيت سوفاجي ، وبرخانة بيت قصاب باشي ، وبرخانة الاغوات : اغوات باب البيض ، وبرخانة حامد العلي ، وبرخانة ال جليميران.
كانت بعض الاسر متخصصة بالمتاجرة بالأبقار وبعضها متخصصة بالأغنام وهنالك من هو متخصص بالأبقار والاغنام.وبعد الاحتلال البريطاني للموصل سنة 1918 دخل الجاموس ضمن البراخين .كانت مدة البرخانة ، تستغرق كحد أعلى سنة ، وكحد أدنى ثمانية اشهر وطبعا هذا يتوقف على اسعار السوق ، والوضع الاقتصادي في المنطقة .. فضلا عن وضع الطقس والجو .بعد دخول وسائل النقل المتمثلة بالسيارات والقطارات ، أخذت تجارة البراخين ، تضعف ، فضلا عن الأجراءات الحازمة التي ادخلها الانكليز والفرنسيين المحتلين على الحدود العراقية – السورية ، وقد حدت تلك الاجراءات من هذه المهنة .. ويقول من له معرفة بهذه المهنة أن آخر برخانة ، انتقلت من العراق الى سوريا كانت بعد قيام ثورة 14 تموز سنة 1958 وحل النقل بالقطار وبالسيارات محل ما كان يجري قبلهما .أما كيف تتم عملية تحويل النقود من العراق الى الشام ، وبالعكس فكانت ، تتم مع البنوك التي كانت قائمة في الموصل منذ اواخر القرن التاسع عشر ، ومنها البنك العثماني ، والبنك الشرقي ، والبنك العربي .. فضلا عن الصرافين ومنهم اولاد فتح الله دنو المعروفين .
تصدير الحبوب
حدثني الاخ الشيخمحمد بن الشيخ عارف العزاوي أنه وفي سنة 2017 كان ووالده الشيخ عارف في بيروت ، فقال له ، ان أُسرة الشيخ علي العزاوي ، على سبيل المثال ، كانت تشحن الغنم بالقطار من الموصل ، ومرة شحنوا عددا كبيرا من رؤوس الغنم بالقطار من الموصل . كما كانوا يشحنون الحنطة والشعير بالقطار ايضا .نعم كان للبراخين ، دور مهم في تعزيز الاقتصاد الموصلي . وكما قلت مرة ان ولاية الموصل ، ( وطبعا كانت تشمل الوية الموصل وكركوك والسليمانية واربيل ودهوك ) ، كانت تصدر في القرن التاسع عشر الحنطة ، والشعير ، والجلود والمصارين والعفص والخيول الى اماكن كثيرة من العالم . وقد جرت العادة بين التجار ان يعطي بعضهم لبعض اموالا ، وهم في خارج الموصل وعندما يعودون كانوا يتسلمونها من وكلاءهم أو اولادهم. هذه هي قصة البرخانه والبراخين والبرخانجيه أرويها لكم بأمانة .. ويقينا ان من عمل فيها او سمع عنها سيزيد على ما قلته .























