
فاتح عبد السلام
كنت أذهب الى دائرة البريد والهاتف في منطقة النبي شيت بالموصل في بداية التسعينات من القرن الماضي، وأسجل اسمي والرقم المراد الاتصال به، بحسب الدور من اجل الحصول على مكالمة خارج البلد، وحين يحالفني الحظ قبل نهاية الدوام أحصل على مكالمة من خمس دقائق، عليك أن تفكر قبل يومين أو ثلاثة بعملية تسلسل الأفكار والكلمات الواجب قولها في وقت لا يتجاوز الدقائق الخمس، وهي اقل من ثلاث دقائق إذا حسبنا كلام الطرف الاخر على الخط.
وحين سقط النظام السابق، دخل هاتف “الثريا” المتصل عبر الأقمار الصناعية، وكان ذا كلفة عالية بسبب عدم وجود شبكات الاتصالات في بلد كان محاصراً ايضاً. وأقبل كثير من الناس على هاتف الثريا بوصفه أول مَعلم من معالم الحرية والاتصال مع العالم من دون تعقيد ورقابة وتقنين. لكن الاتصال مع الانترنت لا يعني الاتصالات العادية فقط وانما هو أحد اساسيات قيام الخدمات المجتمعية والحكومية فضلا عن التخصصات العسكرية والأمنية. ولكنه في النهاية خيار أمني، سيواجه خيارات أمنية مضادة أعلى قدرة من الولايات المتحدة التي تتحكم بتكنولوجيا معظم الاتصالات العالمية.
إيران كانت تتمتع بشبكة انترنت تغطي جميع أراضيها مع اتصالات متطورة ومفتوحة مع العالم، وجرى قطع كل الشبكات في وقت واحد قبل أسبوع ودخلت إيران في عزلة تامة. وتقدم الملياردير الأمريكي أيلون ماسك ليعرض خدمات مجانية من شبكة اقمار صناعية عملاقة معروفة باسم “ستارلينك” بما يتيح الربط الفردي المباشر مع الانترنت من دون الحاجة الى شبكات اتصال محلية.
هذا الاجراء مُعد له مسبقاً، فتكنولوجيا الاتصالات المتقدمة التي تملكها الولايات المتحدة وتتفوق بها على روسيا والصين والمجموعة الاوربية، معدة في الأساس للتعامل مع مناطق الازمات الدولية والحروب بما يتيح الإفادة من خواصها برغم من خطط معادية مقابلة لها.
حجب شبكة الانترنت في إيران سيجعل الجهد العسكري للحرس الثوري والقوات الأخرى يعتمد على شبكات التشفير العسكري التي تعمل بها الجيوش، وهي قابلة للرصد والاختراق ايضاً، ولا تتوافر أجهزة التشفير لدى جميع الفعاليات المجتمعية التي لابد ان تتواصل معها السلطات الأمنية في ظروف الحروب. لكن الحجب الكامل للنت هو أسهل للسلطات الإيرانية في السيطرة بدل فتح الشبكة والعمل على فلترتها ومراقبتها في ظروف استثنائية ضاغطة من الصعب الإلمام بها كاملة. وقطع النت في هذا الزمن هو من قرارات الحرب الفعلية، وليس إجراءً طارئاً فقط، ذلك انّ القطاعات الخدمية والصحية جميعها ستتضرر وستُعامل معاملة الوضع الحربي الخاص. استمرار الدولة الإيرانية من دون شبكة النت لفترة متوسطة أو طويلة هو شلل لهيكليتها ووظائفها، وله مردود سلبي أكبر من فوائده الأمنية السريعة. غير الحكم الإيراني في موقف صعب وخياراته قليلة ومنها التعامل مع شبكة الاتصالات.
رئيس التحرير-الطبعة الدولية

















