
الإصلاح الإقتصادي في العراق وفق الرؤية الخلدونية – حيدر عبد الامير الغريباوي
تتمحور المشكلة الاساسية للعراق اليوم حول غياب مشروع الدولة وغياب القيادة الاستراتيجية، عندها من الطبيعي عند غياب القيادة الاستراتيجية لا يوجد مشروع للدولة، لذلك قضية الإصلاح في أي مجال من المجالات صعبة التحقيق، فعلى هذا الاساس لا يوجد تخطيط ولا يوجد برنامج حكومي لعمل الحكومة والدولة لذلك فإن عملية الإصلاح الاقتصادي واجهت عدة صدمات، وكرست مفهوم احادية الاقتصاد وجعلته يتسم بكونه ذات طابع ريعي بامتياز يعتمد بنحو مطلق على ايرادات النفط في تمويل النفقات العامة لذا لابد من تحديد الاختلالات وتشخيصها.
في هذا السياق، سعت الحكومة العراقية مؤخرا إلى الاستعانة بجهود صندوق النقد الدولي في توفير التمويل الخارجي، فضلا على تقديم النصح والمشورة بهدف الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي. ورغم المحاذير من خطورة التعامل مع الصندوق وما يشكله ذلك من فقدان الاستقلالية الاقتصادية.
من الملاحظ أن نظريات ابن خلدون في علم الاقتصاد قد غابت أو غيبت تماما عن مناهج البحث الأكاديمي التاريخية، حيث يظهر التراث العلمي المترجم لابن خلدون سيطرة علم الاجتماع والتاريخ على هذه الترجمات في حين أن ابن خلدون قدم استقراء للعديد من الظواهر الاقتصادية التى طبعت عصره و قدم لها تحليلات عميقة تستند للمنطق، فقد جاءت تلك الآراء أو الوصفة الخلدونية ضمن نظرات ثاقبة تصلح لأن تكون قواعد عامة نتتبع ملامح هذا الإصلاح الخلدوني على النحو التالي :
فيما يتعلق (بالازدهار الاقتصادي)
تطرق ابن خلدون لخطوات الازدهار الاقتصادي والتي تؤكد على دور الدولة في الإقتصاد، منها أن آثار الدولة أي جهدها في العمران بقدر قوتها، وقوتها بقدر ثرائها الإقتصادي، ويعتمد هذا الازدهار الاقتصادي على رسوخ الدولة أي استقرارها واستمرار هذا الإستقرار.
ضرائب باهظة
ويربط ابن خلدون وفرة الانتاج بزيادة العمران أو زيادة عدد السكان، هذا إذا عملوا و أنتجوا بلا تدخل من السلطان ( الدولة ) وبلا ظلم وبلا ضرائب باهظة، وهو يرى أن البديل عن تدخل الدولة فى الإنتاج هو كثرة السكان، وكثرة الأيدي العاملة التي تجد المجال مفتوحا لأن تعمل وتنتج في دولة مستقرة عادلة، وهذا ما يبدو من خلال الربط بين كثرة السكان وكثرة الإنتاج في حديث إبن خلدون، فهو يقول أن تفاضل المدن في كثرة الأرزاق والأسواق ناشئ عن كثرة العمران والسكان، وازدياد السكان مع كثرة العمل يعني زيادة الإنتاج .
فيما يتعلق (بالحرية الاقتصادية)
عمل إبن خلدون على تقليص دور السلطان في التدخل في الحرية الإقتصادية بل يكون دوره في منع الظلم ،ومنع السلطان من الإحتكار والمغالاة في الضرائب، والسلطان هنا هو السُّلطة أو النظام الحاكم .
ويرى من الخطأ أن يعمل السلطان – أو الدولة – في الزراعة والتجارة، أو أي نشاط إقتصادي، أي يرى من الخطأ أن تقوم الدولة بالإنتاج الإقتصادي، لأن ذلك يعني تدخل السلطة في قهر المزارعين والتجار على أسعار لا يرتضونها، مما يجعل حماسهم يضيع فلا ينتجون، وطالما تناقص الإنتاج فإن دخل الدولة من الضرائب يتناقص، لذلك لابد من رفع يد الدولة عن الإنتاج وأن تترك الناس يعملون مكتفية بفرض الضرائب، وهذا رأى رائع ، نتمنى تطبيقه فى العراق .
ثالثاً : (رؤية ابن خلدون في الضرائب)
ويتحدَّث ابن خلدون في موضع آخر عن مستوى “العبء الضريبي”، فرأى أنَّه يرتبط بدرجة التطوُّر والتحوُّل الاجتماعي والاقتصادي الذي تبلغه الدَّولة، فكلَّما نمت الدَّولة وتطوَّرت، زادت نفقاتها، ومن ثمَّ اتَّجهت نحو فرض المزيد من الضَّرائب والرسوم..
ويقول إن التوسـع فـي الـضرائب مثـبط للنـشاط الإقتصادي، لأنه ينعكس على تكاليف الإنتاج ثم يدفع بالتكاليف هذه إلى الأعلى، مما ينعكس على المستوى العام للأسعار فيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ومن ثم إلى تراجع في الطلب ولاسيما إذا كان هذا الارتفاع غير مقترن في ارتفـاع فـي الـدخول الحقيقية من جهة أخرى فإن إبن خلدون أدرك دور الدولة في المشاركة في الطلب الفعال، وهذا يستلزم أن يكون للدولة إيرادات معقولة تقوم بإنفاقه (في الدولة والسلطان هي السوق الأعظم) . . وهذا أيضا رأى رائع. وفي موضع آخر يتحدث عن (ظاهرة التضخم)
لم يغفل ابن خلدون تحليل ظاهرة التضخُّم حيث تناول أنَّ إنتاج السِّلع الضروريَّة يزيد بزيادة العمران حتَّى تعمّ وترخص أسعارُها، أمَّا السِّلع الكمالية فإنَّها لا تنتشِر بالقدر نفسه وترتفع أثْمانُها لثلاثة أسباب: “الأوَّل: كثرة الحاجة لمكان التَّرف بكثرة عمرانِه، والثَّاني: اعتزاز أهل الأعمال بِخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتِها، والثالث: كثرة المترفين وكثرة حاجاتِهم إلى امتهان غيرِهم وإلى استعمال الصنَّاع في مهنهم، فيبذلون في ذلك لأهْل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم
يقول أنه بكثرة العمران والترف تتحول الكماليات إلى ضروريات وترتفع أسعار الحرفيين مما يجعل الأسعار كلها ترتفع على قدر العمران.
رؤيته في (أسعار السلع الضرورية)
يقترب ابن خلدون من نظرية العرض والطلب في حديثه عن نقل السلع فيقول أن الأفضل نقل السلع متوسطة الجودة، وقال أنه يرتفع ثمن السلعة المنقولة من مكان بعيد أو مكان خطر، لأن حجمها يكون قليلا ، أي أن عرضها يقل فيرتفع سعرها ، ولكن حين تأتي السلعة بوفرة يكثر عرضها ويقل ثمنها .
موقف ابن خلدون من (تدخُّل الدَّولة في الحياة الاقتِصادية) :
وقِف ابن خلدون موقفًا متشدِّدًا من تدخُّل الدَّولة في الحياة الاقتِصاديَّة، خاصَّة في حالة الظُّلم والإفْساد والاحتِكار والتسلُّط، كما نُشاهِده عيانًا في هذا العصْر، من خلال مساعدة الدَّولة لأصحاب النفوذ المالي، والقضاء على أصحاب المقاولات الصُّغرى، الَّتي لا تتلقَّى الدَّعم من طرف الدَّولة، وبالتَّالي تتعرض للإفلاس، من هنا سبق في ذلك الاقتِصادي الغربي الكلاسيكي “آدم سميث” بنحو خمسة قرون.
اضرار اقتصادية
فضلاً عن يرفُض تدخُّل الدولة المباشر في الإنتاج والتِّجارة؛ لما يترتَّب عليه من أضرار اقتِصاديَّة، وأهم وجوه الضَّرر تتلخَّص في القضاء على ظروف المنافسة السَّائدة في السوق، واتِّخاذ الدَّولة وضعًا احتكاريًّا؛ لقوَّتِها الاقتِصادية، واعتمادها على نفوذها وسلطانِها في البيع والشراء، واستِنْزافها رؤوس الأموال السَّائلة لدى المنتجين والتجَّار، ممَّا يقعدهم عن السعي للكسب والمعاش، وينتهي كلُّ ذلك إلى تقليص الجباية وانخفاض موارد الدَّولة، وهي نتيجة مناقضة للهدف المبتغى من وراء تدخُّل الدَّولة في النشاط الاقتِصادي.
ويقول ابن خلدون في ذات السياق أن العمران البشري يؤدِّي إلى زيادة الدَّخل، والذي يؤدي بدوْرِه لزيادة الإنفاق، ثم يتحوَّل هذا الدخل مرَّة ثانية إلى إنفاق، وتتكرَّر الدورة نفسها من جديد”.
ويمكن تفسير الكلام السابق بأن الإقتصاد يجب أن يكون حراً من دون تدخل الدولة في توجيه النشاط الاقتصادي.
فضلاً عن ذلك، يحاول بن خلدون أن يبين حقيقة حضارية هامة ألا وهي تأسيس الدولة, فبدون دولة لا يقوم العمران وبالتالي تختزل كل أسس الحضارة تبعا لذلك. وبالتالي نجده يضع نظريته الفريدة في العمران البشري، يسمي ابن خلدون علمه الجديد “بعلم العمران”أو الاجتماع الإنساني, وهو معروف اليوم ب” السوسيولوجيا .
وعلى ضوء ما تم طرحه من رؤيا اصلاحية اقتصادية لابن خلدون نستنتج ان تلك الرؤية تستهدف ثلاث مسائل أساسية هي:
اولاً : تنطلق الآراء الاقتصادية لابن خلدون من أفكاره حول العمران ويرى ابن خلدون ان رفاهية المجتمع ونمائه قد يتعرض الى آفات أهمها ” كثرة نفقة السلطان على حوائجه الخاصة وانغماسها في نعيم الترف “وهو ما عرف اليوم” الفساد الإداري ” ، فيرى ابن خلدون أن استشراء الفساد وكذلك المحسوبية في قطاعات الدولة المختلفة، كل هذه آفات كفيلة بإفقار الدول وانحطاط الحكومات وانهيارها ، وإلى جانب هذه الآفات يتطرق ابن خلدون إلى ما يسميه ” نقص عطاء السلطان”والمقصود به” نقص الأجور أو انخفاض الدخول ” كسبب رئيسي في ضعف النمو الاقتصادي للدولة وإصابة أسواقها بالكساد.
ثانياً : يؤكد أن الدولة إذا أرادت توسيع نطاق الاقتصاد الوطني عن طريق فرض الضرائب فسيؤدي ذلك بشكل مباشر إلى ضعف الإنتاج وتقييد التجارة والنشاطات الاقتصادية ونتيجة لذلك تقلص الفائض الاقتصادي، في السلطة المطلقة للدولة عند ابن خلدون تتسبب في تراجع الرخاء الاقتصادي وضعف الدولة المدنية .
ثالثاً : إعادة الدور الريادي للقطاع الخاص وإعادة رسم دور الدولة في النشاط الاقتصادي؛ بما يعزز تنوع قطاعاته، وإيجاد فرص عمل، وتأمين توزيع أكثر عدلاً للدخل، وتنمية الموارد البشرية والعناية بالفئات الاجتماعية الاكثر تضرر.























